"بضربونا بعينينا عشان ما يشوفوا نهايتهم فيها.. عشان ما يشوفوا فلسطين اللّي بعنين كل واحد فينا بتقرّب يوم عن يوم وبتصير أقرب وكذبتهم كل يوم بتصغر وبتتكسّر وبتنخلع من الأرض زي السلك الزائل"، هذه الكلمات قالها الشاب الفلسطيني سعد عمر، الذي فقد عينه اليُسرى بعد إصابته برصاص الاحتلال في الضفة قبل 5 أعوامٍ، يشدّ بهنّ أزرَ الطفل محمّد النجار الذي فقد عينَه اليُمنى قبل شهرٍ، بعد إصابته بقنبلة غازٍ، خلال مشاركته في مسيرة العودة شرق خانيونس جنوب قطاع غزة.
محمّد، ابن الاثنى عشر عامًا، يُحاصرُه ألمُ الإصابةِ في عينه اليُمنى، التي ما ينفكّ نزيفُ الدمِ بداخلها يحرُقه مُتسببًا له بصداعٌ ينخرُ عظامَ رأسه الصغير، لكنّ الحصار الأصعب كان ما حلّ به لحظة إدراكه بأنّه لن يرى النور مُجددًا، وللأبد، بعدما تسللت لمسمعه همساتُ أطبّاءٍ، واضعةً الحدَّ لنحو أسبوعين من محاولات ذويه إخفاءَ هذه الحقيقة القاسية عنه.
الرسالة التي وجّهها الشاب سعد للطفل محمّد، حملت الكثير من المشاعر التي غلب عليها القهر والأسى لحجم ما يذكره من أوجاعٍ ألّمت بجسده وروحه بعد الإصابة، واصفًا الضعف الذي شعر به لحظة فقده عينه وما تلاها؛ مواقف كثيرة مرّ بها الشاب، الذي أُصيب خلال مواجهاتٍ اندلعت عند مدخل رام الله، بالتزامن مع العدوان الصهيوني على غزة صيف 2014، فكان يتخبّط في المارة إذا سار في الشارع، تسقط من يديه الأشياء إذا حاول إمساكها، عجزٌ وإحساسٌ بالنقصِ، وكثيرٌ من الكوابيس التي لازمته مدة طويلة بعد الإصابة.
قال في الرسالة "الوجع اللّي كان في وجهي صار يخف يوم عن يوم، بس الوجع اللّي كان بروحي كان بعدو أخضر ما ذبل". وتابع سعد مُحدّثًا محمد "أنا كنت أفكّر إنّو عيني بعد الإصابة ما رح تشوف مرة تانية زي ما كل الدكاترة حكولي"، لكنّ تبيّن أن هذا غير دقيقٍ، ففي كلّ مرةٍ كان يسمع فيها سعدٍ عن إنجازٍ حققته المقاومة الفلسطينية يبدو له وكأنّه يرى بعينيه الاثنتين"، قال "كلّ مرة بنرد الصاع للاحتلال وبنوجّعهم بحس عيني رجعت تشوف".
ورافعًا من أزرِ الطفل، يقول له سعد "انتَ كنت نازل ع السلك عشان تطالب بحقك بإنك ترجع لأرضك وأرض أهلك.. في قيادات بشوارب وبحكو عن حالهم مناضلين ما بسترجوا يرفعوا عينهم بخلقة مجندة على حاجز، خوف تروح منهم الـ vip وانتَ هاجم بأرض زي الكفّ على جيش ومتاريس وقناصة ودبابات وأبراج بإيديك".
وتابع "فلسطين ما بشوفها منيح.. إلّا اللي بتكون عينيه حُمر من الدمع والدم.. وإيديه مكلبشة بالحديد، ما بشوفها ولا بعرف قديش حلوة وقديش بتستاهل إلّا اللي بيفقد قطعة من لحمه وقطعة من عمره عشان ترجع، وعشان نرجع".
"البلد هاي بلدنا إحنا.. ما بشوفها اللّي إيدو بإيد المحتل على ولاد شعبه.. وما بشوفها اللي بشحد عليها وعلينا وغارق هو وولادوا بالعسل على حساب دمنا وحياتنا وإحنا والبلد غارقين بالدم والهم والخراب.. البلد هاي ما بشوفها اللي بقطع رواتب الغلابة، أسرى وأهالي شهداء وموظفين.. عشان قالوا بكفي تسرقونا.. هاي البلد ما حدا بشوفها غيرك". يقول سعد.
وفي الرسالة، يُكمل الشاب مُخاطِبًا محمد "اللي طخك.. ما طخك إلا عشان يكسرك ويخليك تقعد بالدار وتضل زعلان، اللي ضربك وضربني وبضرب الناس كلها كل يوم، بضربنا عشان نخاف وننزوي لحالنا وما نعيش ونقاتل عشان نعيش بكرامة وحرية، اللي بضربنا بضربنا عشان ما نتعلم وما نصير أقوى".
وأكمل "أنا علمت حالي أصير أقوى، انتَ مفكر حالك هسه ضعيف وناقص لأن عينك ما بتشوف وانتَ ما بتعرف إنك أقوى وأشجع من تنظيمات وفصائل ودول عربية بجيوشها وعروشها.. انتَ ما بتعرف إنّو فلسطين بتشوفك أكتر من كل هدول".
وأخيرًا قال "الوجع لازم يروح والجرح لازم يضمر وينشف.. بس الثأر ما لازم يبهت ويذبل.. شِد حيلك يا جدع.. بيقولوا عنك الناس صغير وانتَ الأمم بأمثالك بترفع الراس وبعزم أمثالك بننتصر على النار والخونة والعسكر".
وختم بالقول "خلّينا نتفق أنا ويّاك اتفاق.. أنا بشوف عنّك باليمين وانتَ بتشوف عني بالشمال".
رسالةً سعدٍ لاقت العديد من ردود الفعل التي شدّت على يديه، وأثنت على قوّة إرادته وعزيمته التي تفوّق بها على وجع الجسد والروح، وشارك الرسالة نشطاء على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، ومنهم من أرفق مشاركته بذكر أسماء شبّان وأطفال آخرين، مرّوا بذات المِحنة، لكنّ فقد العينِ لم يُثنِهم عن مواصلة حياتهم ونضالهم من أجل الوطن والحرية.

