Menu
أوريدو

الخلاف الفرنسي الطلياني

حاتم استانبولي

في فترة حكم الرئيس معمر القذافي كانت فرنسا تسعى لدخول السوق الليبية، لكن النفوذ الإيطالي والصداقات الفردية مع المؤسسات العامة في ليبيا كان دائمًا يقف حجر عثرةٍ أمام الطموح الفرنسي، وذلك يعود لأسباب تاريخية (هيمنة الطليان أيام الاستعمار المباشر).

كل المحاولات الفرنسية لإدخال شركة "توتال" النفطية إلى السوق الليبية باءت بالفشل، وفي أحد الأيام حضر جورج حاوي إلى ليبيا حاملًا معه ملف "توتال"، وطلب أن نجد لها ممرًا في السوق الليبية (بحكم الشراكة)، لكنني أجبته أن هذه الشركة ورغم كل العروض المقدمة، مع الأيام ستبتلع الشركة الوطنية الليبية للنفط، فردّ عليّ وقال: يا رفيق أنتَ ساعدتَّ مرسيدس في صفقة السيارات للشرطة الليبية، فأجبته أن تلك كانت صفقة لمرةٍ واحدة، والليبيون هم المستفيدون منها، لكن دخول "توتال" يعني هيمنة على قطاع النفط. انتهى الحوار.

أردتُّ ان أسرد هذه الحادثة للدلالة على السعي الفرنسي مبكرًا للسيطرة على النفط الليبي، بالطبع كان هنالك عاملٌ آخر في الصراع الليبي الفرنسي، تمثل في تشاد، حيث كان التواجد الفرنسي والتعاون الفرنسي- الإسرائيلي في تشاد يشكلان عائقًا لدخول فرنسا إلى السوق الليبية.

وللضغط على ليبيا سعت فرنسا لتأجيج الخلاف في موضوع حادثة لوكربي، وفي ذات الوقت طرحت نفسها كوسيط لحل الخلاف.

بدأت العلاقة الليبية الفرنسية تتحسن، لكن باتجاه طرابلس باريس، لكن كانت العلاقة بين القذافي وبرلسكوني أكثر متانة. برلسكوني كان مهتمًا بتوثيق العلاقة الشخصية مع القذافي، وإبراز الولاء الشخصي له، والجميع يذكر الاعتذار الشخصي من برلسكوني للقذافي.

عندما بدأت ملامح التغيير في تونس، كان الموقف الفرنسي واضحًا في دعم الرئيس المخلوع زين العابدين، وهذا ترك أثرًا على النفوذ الفرنسي في شمال إفريقيا.

هذا كان أحد الأسباب التي دعت ساركوزي كي يأخذ موقفًا غير مفهومٍ من قبل حلفائه الأوروبيين، بشان التدخل العسكري في ليبيا. وبرر ذلك بأن الرئيس أوباما لا يريد أن تكون أمريكا في الواجهة، في حين كان برليسكوني يطرح الهدوء والحل السياسي تحت مظلة حكم القذافي.

ولكن ساركوزي أصرّ وعمل مع الناتو، من أجل التحضير لتدخل غربي في ليبيا، حتى أن وزير خارجية فرنسا آلان جوبيه هو من حمل مشروع القرار لمجلس الأمن، من أجل فرض منطقة حظر جوي على ليبيا مدعومًا من بعض دول الخليج. والكل يذكر أن فرنسا بدأت بالقصف الجوي بعد ساعتين من أخذ قرار مجلس الأمن، وقبل إعطاء أيّة فرصة للعقيد القذافي الذي أبدى مرونةً من أجل التسوية عبر الوساطة الجنوب إفريقية.

ساركوزي كان يريد التدخل وإسقاط القذافي وتصفيته خوفًا من أن يفضح الأخير الصفقة السرية بينهما.

هذه الصفقة التي تمثلت بدعم القذافي ساركوزي شخصيًا بالأموال لتأمين نجاحه في الانتخابات الفرنسية بالإضافة إلى أن فرنسا تريد تصفية حسابها مع الإيطاليين الذين كانوا يسعون للحل السياسي.

فرنسا ليس لها نفوذ في أيٍ من الدول النفطية، وشركتها "توتال" تعاني من هذه الإشكالية، لهذا السبب يفهم حماسها لإسقاط القذافي وأخذ (الكرديت) في الدخول وفرض هيمنتها على السوق النفطية الليبية دعمًا لشركتها (توتال)، هذا الطموح الذي ما زال يصطدم بالوضع الإقليمي (مصر) والدور الروسي.

حفتر، الذي بقي في باريس لفترة زمنية تحت عنوان العلاج، والمحاولات الفرنسية الدؤوبة لتقريب وجهات النظر بين حفتر وخصومه بمساعدة قطر ية، هذه المحاولات التي كانت تصطدم بالموقف المصري والروسي. وهذه العقبة تطلبت من الرئيس الفرنسي شخصيًا طلب ترتيب زيارة إلى القاهرة للوساطة لحل الإشاكاليات التي تواجه فرنسا في ليبيا.

فرنسا تسعى للهيمنة على إحدى دول النفط العربية لتأمين حاجياتها النفطية، التي تشكل عاملًا مهمًا للاستقرار الداخلي.

سوريا، إصرار فرنسا للبقاء في شرق الفرات بالرغم من الانسحاب الأمريكي، هدفه محاولة الضغط من أجل تأمين مساومة مع روسيا في ليبيا، وتأمين مصلحة فرنسا في مشروعها (الإسمنتي) في الرقة السورية، والمشاركة في استثمار النفط السوري عبر الأكراد، وهنا يفهم الدعم الفرنسي لأكراد كلٍ من سورية و العراق ودفعهم من تحت الطاولة للتمسك في الانفصال إداريًا وسياسيًا.

هذه فرنسا، التي بدأت، ونتيجةً لأزمتها تتمسك في مشاريع فرنسية لشركات صغيرة، تعبّر عن مدى الأزمة التي تعاني منها؛ إن كانت سياسية أو اقتصادية، وتجعل دولة مثل قطر تتحكم في بعض السياسات الفرنسية الخارجية.

الطليان بكل قواهم السياسية، (اليمينية) خصوصًا, تريد أن تصفي حسابًا مع باريس في عنوانيْ الهجرة والسوق الليبية. من هذه الأرضية يُفهَم الصراع الحالي، والذي أخذ شكلاً علنيًا عندما استقبل ممثلي السترات البيضاء رسميًا في روما من قبل وزراء وأعضاء برلمان، والرد الفرنسي على هذا الاستقبال كان بأن عنوان العلاقة مع روما، هو عنوان رئيس الوزراء فقط.

الصراع الفرنسي الإيطالي سينعكس على السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، ما لم يُحَلّ بعودة مناطق نفوذ الاستعمار القديم لكل منها. وأول خلافٍ واضح ومعلن هو الموقف من الأزمة الفنزويلية، إذ كان هنالك فيتو إيطالي في اجتماع الاتحاد الأوروبي في بوخارست، هذا الفيتو أوقف قرارًا أوروبيا بشأن فنزويلا.

وخرجت بعض الدول للتعبير الفردي عن مواقفها، وهذه شكلت سابقة سيكون لها أثرٌ على وحدة أوروبا مستقبلًا، على الأقل في السياسة الخارجية.

وستبقي شعوب المنطقة هي وقود حرب الخلافات بين مراكز رأس المال القديمة والصاعدة.