Menu

الملاحقة الدولية كسلاح فلسطيني

إلياس سحاب

إذا استعرضنا بنظرة طائر، القرن الذي مر على انطلاق كفاح شعب فلسطين ضد مشروع اغتصاب أرضه فسنجد ان هذا الشعب قد مارس عبر مراحل نضاله الطويل ضد الحركة الصهيونية وضد الانتداب البريطاني، كل ما يخطر على البال من اساليب النضال، واستخدم كل اسلحة هذا النضال.
ويبدو غريبا ومستهجنا في هذه الايام تصرف بعض مسؤولي السلطة الفلسطينية، عندما يتحدثون عن قرب استخدام سلاح الملاحقة الدولية ضد اسرائيل لدى اكثر من مؤسسة دولية قانونية، وكأنه من ابتكاراتهم الخاصة، أو كأنه يستخدم للمرة الاولى في تاريخ النضال الطويل لشعب فلسطين، علماً انه لطالما شُهر واستخدم حتى في المراحل التاريخية التي سبقت ولادة دولة اسرائيل، لكنه كان في تلك المراحل الاولى يُستخدم بصفته واحداً من مجموعة أسلحة، خاصة اثناء الثورة الكبرى التي غطت النصف الثاني من ثلاثينيات القرن المنصرم.
والحقيقة هي ان استخدام سلاح الملاحقة الدولية، واللجوء الى مؤسسات المجتمع الدولي، لم يكونا دائما طيبة الثمار في تاريخ النضال الفلسطيني، بل هما غالبا ما جلبا معهما ثماراً مرة، أشهرها القرار الدولي الرقم 181 (التقسيم) الذي لم يكن سوى التنفيذ القانوني لوعد وزير الخارجية البريطانية بلفور للحركة الصهيونية (1917) ولانجازات الانتداب البريطاني على ارض فلسطين طيلة ثلاثين عاما، وتثبيتا نهائيا لفكرة تقسيم البلاد التي نضجت في حضن مؤسسات المجتمع الدولي في الثلاثينيات (خاصة 1937).
أما الثمرة الطيبة التي يذكرها التاريخ لهذا السلاح، فقد تجسدت في القرار الدولي الذي صدر معتبرا الحركة الصهيونية حركة عنصرية. لكن هذا القرار الذي بقي حبرا على ورق، فمات ومحيت كل آثاره قبل ان يعطي اي نتاجٍ عملي في سياق عملية النضال التراكمي.
قرار دولي آخر تفوح منه رائحة طيبة هو القرار 194، الذي ينادي بضرورة عودة كل فلسطيني شردته نكبة العام 1948 (تأسيس دولة اسرائيل) الى ارض أجداده. فهذا القرار ظل ضعيف الاسناد دائما، حتى انتهى الى نسيان الانظمة العربية له، والتنازل عنه حتى على لسان بعض المسؤولين في السلطة الفلسطينية.
خلاصة القول إن العيب ليس في سلاح الملاحقة الدولية لجرائم الكيان الصهيوني، بل في طريقة استخدامه، وطريقة الحشد وراءه وتقديم الدعم العملي له على ارض القضية: فلسطين، حتى يتحول من قوة دولية نظرية، الى قوة عملية مثمرة في سياق النضال الفلسطيني.
لم يكن العيب يوما في مبدأ المفاوضات التي كانت النهاية السعيدة لعدد من الثورات العظيمة في تاريخ الانسانية المعاصرة (الجزائر وفيتنام مثلاً)، ولا في سلاح الملاحقة الدولية في اللجنة العليا لحقوق الانسان والمحكمة الجنائية الدولية وسواها، لكن العيب في ان السلطة الفلسطينية في كل من الضفة الغربية وغزة، قد تحولت من قيادة تحفز النضال الشعبي ضد الاحتلال والاستيطان، الى ادارة بلدية تسيّر الاعمال المعيشية في الحياة اليومية للفلسطينيين، بينما اسرائيل تتابع قضم وهضم ما تبقى من أراضٍ احتلتها في العام 1967.
انه التخلي عن اساسيات النضال، الذي يتحول معه اي سلاح، الى سلاح عديم الفائدة والصلاحية.