بالعودة للتاريخ نجد أن سيناريو العراق 1991 بعد الاجتياح العراقي للكويت يتكرر مع إيران، حيث كانت العراق تستعرض قوتها وقدراتها العسكرية وأسلحتها القادرة على تدمير إسرائيل والقوة النفطية، أمام الدول المحيطة لها وأمام إسرائيل، والأخيرة لعدم تمكنها من بدء الحرب بقيت جانبا، لكنها كانت العنصر المهيأ والمفجر للحرب بأيدي أمريكية وتحالفها الدولي. ولو عدنا للتصريحات الإسرائيلية وسياستها خلال الأشهر التي سبقت الغزو العراقي للكويت، تُظهر أن إسرائيل سعت لتسليط الضوء على أن العراق يمثل تهديداً، هذا من جانب، ومن الآخر لعبت أمريكا دورا واضحا في البدء بالعدوان على العراق من بوابة مؤتمر مدريد للسلام لحل القضية الفلسطينية وإرساء السلام في المنطقة. هو إعلان نفير الحرب على العراق لتحييد الدول العربية تحت مسمى أن الولايات المتحدة الامريكية معنية بالسلام، ونجحت بالمستوى الذي جعل الدول العربية بأغلبيتها مشاركة بالحرب ضد العراق.
إن تفحصا جادا لما يحدث اليوم مع إيران المستهدفة بشكل مباشر والتي أمامها تحديات جسام في كيفية الخروج سالمة من الأزمة، فهي في نظر الإسرائيلي والإمريكي الدولة الراعية لمحور الشر" المقاومة" والتصدي، وإسرائيل بالتصريحات الرسمية والتقارير الاستخباراتية والقادة العسكريين ومعظم المحللين يجدون "بالعدو الإيراني" الهدف المركزي الذي يجب التخلص منه، ليتاح المجال بعد ذلك لإسرائيل أن تتربع على عرش المنطقة، ووتتسلم سيادتها كإمبراطورية القرن ال 21 الجديدة .
من الواضح أن لمؤتمر وارسو "الدولي" ثلاثة أهداف واضحة وملموسة، أول الأهداف، تحييد القضية الفلسطينية باعتبارها قضية لم تعد بمركز الاهتمام الأول في ظل "العدو الأكبر" الصاعد إيران وحلفائها سوريا لبنان حزب الله وقطاع غزة. وهنا يمكن وضع موقف السلطة الفلسطينية الذي رفض المشاركة، معتبرة أن المؤتمر هو مؤامرة أمريكية – إسرائيلية، لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية. وما يؤكد ذلك تصريح وزير خارجية دولة البحرين المطبعة بالقول، إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس الأولوية. هذا من جهة، ومن الأخرى التهميش الذاتي الفلسطيني للقضية والاهتمام بالأزمات الداخلية الفلسطينية الفلسطينية، بين سلطة رام الله وسلطة غزة، اللاتي يتعاملن بعيدا عن المصالح الوطنية العليا، وسط تهديد حقيقي بإنهاء الملف الفلسطيني وفرض حلول انقسامية فوق الانقسام الداخلي.
ثاني الأهدف، القواسم المشتركة بين الأطراف المشاركة لحشد القوة ضد "العدو" إيران، يمنح إسرائيل الحق ليس بمجرد المشاركة الشكلية أو بمستوى رسمي ضعيف، بل أن تكون رأس الهرم، وهذا ما يعنيه مشاركتها بوفد رسمي إلى جانب الدول عربية خليجية، لا تعلن رسميا وعلنيا أن لها علاقة معها، لكن هذا المؤتمر بنى جسور العلاقات ومهد لتطويرها لأفضل مما هي عليه، خاصة والأهداف المعلنة للمؤتمر تفرض عليهم التعاون والتنسيق الدائم "تنسيق أمني"، وهذا إنجاز كبير جدا لإسرائيل التي ستبقى تسعى للقضاء على القضية الفلسطينية وبمشاركة عربية رسمية واضحة.
ثالث الأهدف، طبيعة الولايات المتحدة الأمريكية في رؤيتها للمنطقة، لا تسمح لأن تجد دولة لها مكانتها وتأثيرها وصعودها الاقتصادي والعلمي لمستوى التهديد الواضح، مما يعرض المصالح الأمريكية خاصة دول الخليج وثرواتها للخطر، كما ويعرض استقرار إسرائيل لخطر أكبر أيضا. فاستعراض القوة الأمريكية يسير في اتجاهين، الأول، حشد التأييد الدولي للموقف الأمريكي وسياستها ضد إيران، منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق الدولي معها 5 + 1، حيث تحاول التأثير لنيل الإجماع الدولي لوضع حد للقوة الإيرانية في المنطقة والتي تعتبر خطرا يتهدد وينافس إسرائيل ونفوذها في المنطقة. والثاني، اضعاف النفوذ الروسي بالمنطقة، خاصة وأن روسيا تسعى لزيادة نفوذها لحماية مصالحها الحيوية، حفاظا على مكانتها الدولية وتأثيرها المتصاعد.
أعتقد أن هذا المؤتمر لن يخرج بنتيجة واضحة، أو إعلان حرب ضد إيران، لكنه سيكون أولى الخطوات التي تسبق وتمهد لمحاصرة إيران، وإضعاف مكانتها على الأقل بمن حضروا المؤتمر إنه لمن المفيد القول، أن المنتصر الوحيد في مؤتمر وارسو هي إسرائيل التي أشبعت جزءا من شهيتها بالانفتاح على الدول العربية خاصة دول الخليج والنفط العربي، وبدأت تشعر بالقرب من تحقيق حلمها بأن تكون جزء أصيل من المنطقة، وليس جسما غريبا ومنبوذا فيها. وبالتأكيد ستبني على هذا الإنجاز برسم خطط أخرى، ووضع آليات تحاكي التغير العلني والمهم الذي حدث، بعيدا عن إذا كانت اسرائيل مستهدفة أو غير ذلك من إيران.

