التفّت قطاعات كبيرة من الجماهير العربية على أحزاب وحركات الإسلام السياسي بسبب إخفاق المشروع القومي التي كانت تدعو إليه الأحزاب والحركات القومية العربية، وكذلك أيضًا بسبب عجز الأحزاب الوطنية العربية في نطاق الدولة ال قطر ية من تحقيق إنجازات هامة على صعيد التنمية في بلدانها. هكذا جاء الإسلام السياسي ليصبح في نظر الجماهير العربية هو الملاذ الأخير لتحقيق ما عجز عن تحقيقه المشروع القومي، حيث عجزت أنظمة الحكم الوطنية العربية التي تقودها البرجوازية الصغيرة في تحقيق الأهداف الثلاثة التي طرحتها في فترة أوائل الستينيات من القرن الماضي، وشكلت المادة الأساسية في مفردات خطابها السياسي وهي الوحدة والحرية والاشتراكية.
تبوأ هدف الوحدة العربية مكانة هامة في الوجدان العربي، خاصة في بلدان المشرق العربي الذي شهد أكبر قطرين رئيسين مؤثرين سياسيًا فيه، وهما سوريا والعراق؛ انقلابات عسكرية وطنية، أفضت في نهاية المطاف إلى تولى حزب البعث العربي الاشتراكي سلطة الحكم، وهو حزب قومي وحدوي بخلاف الأحزاب الوطنية القطرية التي كان لها دورًا نضاليًا بهدف الحصول على الاستقلال الوطني من الاستعمار، وكان السعي في تلك الفترة لتحقيق الوحدة العربية مع مصر الناصرية كجزء من سياسة الفرز في الوطن العربي بين الأنظمة الوطنية الجمهورية والأنظمة الرجعية الملكية التي ترتبط بعلاقات التبعية الكاملة مع الغرب الرأسمالي. ولكن هدف الوحدة العربية لم يتحقق وكان مصير التجارب الوحدوية الفشل، وذلك بسبب الخلافات السياسية بين قيادة عبد الناصر في مصر وقيادات حزب البعث العربي الاشتراكي في كل من سوريا والعراق. على مستوى الحرية مارست الأنظمة الوطنية العربية أسلوب الاستبداد السياسي في الحكم، فقامت بتقييد الحريات ومعاداة الديمقراطية كخيارٍ لتداول السلطة، مما جعلها تتصف بالأنظمة القمعية البوليسية، في حين لم يتحقق هدف الاشتراكية، وأخفقت عملية التنمية الوطنية الاقتصادية والاجتماعية عن الوصول بالمجتمع في تلك البلدان إلى الغايات المنشودة، وذلك على الرغم من بعض الإنجازات الوطنية التي وضعت البلاد في طريق التطور، الذي سمي حينذاك بطريق التطور اللا رأسمالي، كقانون التأميم، وقانون الإصلاح الزراعى للحد من ملكية الأراضي، وغير ذلك من الإجراءات القانونية الاقتصادية التي قلصت من هيمنة نفوذ القطاع العام على الأسواق المحلية. وهو تحول طبقي لكن سرعان ما تم اجهاض تجربته من قوى الثورة المضادة التي أصبحت بعد المتغيرات السياسية التي نجمت عن هزيمة 1967، جزءا من التحالف الطبقي الحاكم في تلك الأنظمة.
أما في موضوع الصراع العربي الصهيوني فكانت هزيمة يونيو/حزيران 1967، وما تبعها من تحول في الموقف السياسي العربي تجاه شرعية وجود الكيان الصهيوني، هو العنوان الأبرز الذي أثر على فاعلية المشروع القومي. أي أن الذي نريد قوله بعد استدعاء هذه الوقائع السياسية من الذاكرة القومية والمجتمعية هو أن ظاهرة الالتفاف حول المشروع الإسلامي والتعاطف مع أحزاب وحركات الإسلام السياسي، ليست مرتبطة بالتدين بقدر ما هي مرتبطة بمزاجية الجماهير العربية، وهي جماهير أثبتت الوقائع التاريخية أنها تلتف دائما وتتعاطف حول أي مشروع سياسي يحقق أهدافها في التحرر والوحدة والكرامة ومقاومة الأعداء، خاصة الكيان الصهيوني، ودول الغرب "الصليبية" وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الأمريكية.
مشروع الإسلام السياسي الذي بدا بشكل واضح دوره الجهادي بعد هزيمة يونيو/حزيران 1967، كان على حالة من العداء مع النظام العربي الرسمي، خاصة أطرافه الرئيسية، وهي حالة ما زالت قائمة. ففي حين تبنت بعض نخب القوى السياسية والثقافية العربية المحسوبة على المشروع القومي والوطني تيار الواقعية السياسية، لوضع حل واقعي لكل القضايا القومية العربية، خاصة في موضوع التسوية السياسية للقضية الفلسطينية، بقى الالتزام عند أصحاب المشروع الإسلامي بالحقوق العربية والإسلامية دون أي تنازل تاريخي، وقد ارتضت الجماهير العربية هذا الموقف السياسي، خاصة أن البيئة السياسية التي تتصف بتعنت وصلف إسرائيلي وانحياز أمريكي وغربي ساعدت على ذلك. ولكن كان يجب من الضرورة السياسية حتى لا يصاب المشروع الإسلامي بالتراجع (مصر وتونس و ...)، كما حصل للمشروع القومي، كان يجب أن تتوفر له قيادات تتعاطى مع قضايا العصر، عصر الحداثة، ومواكبة متطلبات المجتمع المدني، في اعتماد الديمقراطية في الوصول إلى السلطة، وعدم الاتجاه نحو التطرف والإقصاء وتكفير القوى السياسية الأخرى، خاصة الليبرالية والعلمانية. أما التعاطي مع تيار الواقعية السياسية الذي أخذت تتجه إلى تبنيه بعض القوى السياسية الإسلامية من القيادات المعتدلة التي تنأى بنفسها عن موضوع التطرف والإرهاب، وبذريعة التكيف مع متطلبات العصر، ومنطق السياسات الدولية المعاصرة، وسعيا للوصول إلى السلطة السياسية، وممارسة الحكم، فمن شأن هذا التكيف والميل نحو تيار الواقعية السياسية أن يفرغ التيار الإسلامي من جوهره الجهادي، ويقلل من حجم الالتفاف الجماهيري حوله، ويلغي دوره السياسي في المعارضة في إطار الدولة الوطنية، وأخطر من ذلك يدفعه للتخلي عن بعض المواقف السياسية التي كان يعتبرها من الثوابت الوطنية.
نقول بأننا بحاجة لأن تكون قوى الإسلام السياسي جزءا من حركة التحرر العربية، ولكن مشحونة بطاقة تنويرية بعيدة عن الفكر الظلامي، وبعيدة أيضا عن التعاطي مع تيار الواقعية السياسية الذي ثبت عقمه في تحقيق الأهداف الوطنية والقومية.

