Menu

هل حقًا يُريدون دولةً في غزة؟!

اسحق أبو الوليد

في الاجتماع الأخير للمجلس الثوري لحركة فتح، الذي ترأسه محمود عباس رئيس سلطة "أسلو" تم اتخاذ قرار بأن تقود حركة  فتح الحكومة مباشرة بدون لف ودوران! وأن تُتَّخَذ إجراءات جديدة قاسية بحق "حركة حماس"، دون أن "تلحق الأذى" بأهل غزة، لإجبار المقاومة على أن تستسلم أمام "جبروت سلطة ـ قزم" تستمدّ شريان حياتها ووجودها من المحتل، الذي لم يعتَد على مكافأة المتعاونين معه والمنبطحين "تحت بُسطاره" بدون مقابل وبدون شروط.

إن محاولة استجلاب حركة "فتح" إلى المقاطعة، التي كانت دائمًا حاضرة فيها من خلال رؤسائها المتعاقبين وموظفيها وكادرها وأجهزتها، هذه المرة تريد حضور مباشر بكامل كيانها وعدّتها، وهذا ليس صدفةً أو بسبب رغبة ذاتية لدى هذا القيادي أو ذاك داخل الحركة، بل بسبب ما تفرضه "تحدّيات" المرحلة، التي ستؤثر على مضمون وشكل ووظائف السلطة نفسها.

على الأرجح ستبدأ مرحلة ما بعد عباس بوجود عباس نفسه، بل هو يريد أن يُهندِسَ لليوم التالي بالتنسيق مع أسياد المرحلة، كي يضمنوا- تحسّبًا لأيٍّ طارئٍ خارجٍ عن حسابات بيدرهم، الاستمرارية في ضبط الإيقاع التسوَوِي (التصفية) المعبر عن المصالح الطبقية والمصلحية لكلّ من يشارك في إدارة سلطة أسلو، من رئيسها حتى البواب في مؤسساتها.

إنه من المعلوم والمعروف أن السلطة (الطرف الفلسطيني) لا توجد لديها حرية الحركة والفعل والتخطيط، إلّا تحت السقف الصهيوني ـ "الإسرائيلي"، وبما يسمح به السيد الأكبر، أي الأمريكي ومن ثم الأوروبي، لأن "إسرائيل" تنظر للسلطة وتتعامل معها ضمن مجالها الأمني والحيوي، أي تعتبرها جزءًا من مكوناتها، وإذا ما حصل على وظيفتها وطبيعتها "تغيرٌ" خارجٌ عن إرادتها، يجب عليها أن تتعامل معه بحزمٍ وتعيد الأمور إلى نصابها، ومن خلال الأداه نفسها (السلطة) للتأكد من صلاحيتها وأهليّتها.

هذه الحقيقة، تُجمِع عليها كافة الأحزاب والحركات الصهيونية، التي تعمل داخل الكيان وخارجه، بل والكيان بأكمله كوحدةٍ واحدة استيطانية استعمارية، وتشكل مصدر اتحاد وانسجام لكل مكوناته السياسية والاجتماعية. في المقابل هي مصدر صراع وانقسامات بين القوى والحركات السياسية الفلسطينية، تجعل من شبه المستحيل الاتحاد فيما بينها، بسبب التضاد الكلي البرنامجي والسياسي، مما يُهدِّد جدّيًا وحدة المرجعية الوطنية، أي التمثيل السياسي، ويفرض على الوطنيّين الحقيقيّين المناضلين من أجل القضاء على الصهيونية وكيانها والتابعين لها في المنطقه والإقليم أن يفرضوا مرجعيّتهم الثورية، حيث للطرف الآخر مرجعيّته "السلطة" العملية والسياسية، وبالتالي فإنّ منظمة التحرير- التي عمليًا السلطة هي التي أنهت تمثيلها الحقيقي للشعب الفلسطيني، عندما قامت بإلغاء جوهر ميثاقها القومي وبرنامجها السياسي المقر والمجمع عليه وطنيًا، في المجلس اللّاوطني، الذي عُقِد في غزة بالعام 1996، بطلبٍ صهيونيّ إمبريالي، وأحلّت مؤسساتها محل مؤسسات المنظمة- لن تستطيع أن تقوم بوظائفها الطبيعة وستنتهي موضوعيًا على أيدي مؤسسيها، لأنها إما أن تمثل كل الشعب وكل الأرض وكل القضية أو لا تمثل أحدًا!. هذه هي المعضلة الحقيقية وهذه هي المسألة، لأن أنصاف التمثيل مرفوضة، كما هي مرفوضة أيضا أنصاف الحلول.

إنّ التخوّف الصهيوني أولًا ومن ثم الإمبريالي، هو من أن تبقى شعلة النضال متّقِدة، وخاصة بشكله الأرقى أي الكفاح المسلّح، الذي قاعدة ارتكازه الأقوى والوحيدة فلسطينيًا، تتمثل بقطاع غزة، حيث القوى الثورية المتواجدة فيه، الوطنية والإسلامية، تعمل على الدمج بين شكلي البناء العسكري أي الوحدات والكتائب الدائمة وشبه الثابتة (الجيش) والقواعد المتحركة والسرّية والمقاتلين الذين يتم إعدادهم للمشاركة في القتال حسب متطلبات المعركة، ضمن إستراتيجية حرب الشعب طويلة الأمد.

هذه الحقيقة يدرُكها العدو أيضًا، وتُسبّب له الأرق وتزرع في قلبه الرعب والخوف على مستقبل وجوده على أرض فلسطين، وتعمل عكس الحقيقة التي ذُكِرت قبل قليل، أي تعمل على زعزعة إستراتيجياته العسكرية وتفرض عليه التروّي قبل اتخاذ القرارات الحربية وهذا بحدّ ذاته ثَلْمٌ- ولو بسيط- لِما كان يطلق عليه العدوّ تسميةَ الحرب الخاطفة، وما اختلاف الاجتهادات والتباين في المواقف تجاه المقاومة في قطاع غزة داخل المؤسسة العسكرية- الصهيونية أولًا والإمبريالية وعملائها في الوطن العربي ثانيًا- إلا تأكيدٌ لهذه الحقيقة؛ وهم عندما يقولون "ماذا علينا أن نعمل بغزة"، أو عندما يتمنّون أن يبلعها البحر، إنّما يعبّرون عن طبيعة المأزق الذي يعيشونه، ويطرحون هذه الأسئلة بصدقٍ وليس للمناورة؛ وتجدهم يتحركون صعودًا وهبوطًا مكانيًا وزمنيًا، وليس في جعبتهم إلّا خيارات حربية عدوانية تدميرية، ليس "للدولة" فيها مكانٌ، سواءٌ على كل غزة أو ما بعد غزة، لأنهم ببساطة لا يريدون دولةً فلسطينيةً، مهما كان حجمها وعلى أيّ بقعةٍ كانت، ويبقي الخيار الصهيوني "الإسرائيلي" هو الحرب والقتال حتى النهاية، وهم لا يعملون أمام ضعف الطرف المقابل إلّا إطالة عمرهم قليلًا، ولكن ليس إلى الأبد.

هكذا تنجلي الحقيقة عاريةً واضحة، حقيقة العقوبات على غزة الأرض والمقاومة والشعب، إنّها عقوبات ضد فلسطين قضيةً وشعبًا، إنها تصب في مخططات العدو وتهدف إلى استكمال تنفيذ المشاريع المعادية- صفقة أسلو الكبرى- سواء كان ترامب أو لم يكن، وبغض النظر عن ما سيطلقون عليها من أسماء جديدة، لا فرق، لأن اسمها الأول والحقيقي اتفاقيات كامب ديفد.

إنّ أركان اليمين الفلسطيني المستسلم في المقاطعة، تُدرك جيدًا أنه لا توجد مقوماتٌ لإقامة الدولة، لا في الضفة لوحدها ولا في الضفة وغزة معًا، ولا في غزة لوحدها، لأنها الأدرى والأكثر إطلالةً على ما تم توقيعُه، من قِبَلهم، من اتفاقيات مُذلّة وخِيانيّة مع العدو، والتي لا تسمح لأيٍّ كان- طوعًا طبعًا- أن يُقيم أيَّ شكلٍ من أشكال الدولة، بل تحتوي تلك الاتفاقيات على (ميكانِزم) التراجع والهبوط بالسقفين السياسي والإداري، وقابلية (الطرف الفلسطيني) للاحتواء والاندماج والتأقلم المستمر مع الكيان ومخططاته الاحتلالية الإحلالية.