التطورات التي اقتحمت ساحة الحياة الديمقراطية الغربية والتقليدية في أوروبا، التي يطلق عليها أحياناً تعبير الشعبوية، بدأت تشغل اهتمام أساتذة العلوم السياسية ودراسات الديمقراطية، والإدارة العامة، في دول الغرب، أملاً في تشخيص دقيق لهذه التطورات، وحماية النظام السياسي القائم على النموذج الحزبي، والذي يرتبط بالقاعدة القائلة، أنه لا ديمقراطية، من دون أحزاب سياسية تتنافس من موقع الندية، ومعبرة عن واقع حياة المواطن.
وبعد أن كان الدارسون في الغرب ولسنوات طويلة مضت تشغلهم ظواهر عكفوا على دراستها في العالم الثالث، ومنها ما حمل عناوين مثل الدولة الفاشلة، والفوضى والإرهاب، وغيرها، فإن ما يجري داخل بلادهم من ظواهر مقلقة، صار هو الشغل الشاغل لهم الآن.
وبالنظر إلى النموذج السياسي للديمقراطية في هذه الدول، فإن البعض يرى أن الديمقراطية تقف الآن في موقف الدفاع، في مواجهة تيارات مهاجمة من داخل دولها، قبل أن تكون من خارجها. وإن الجانب الاقتصادي والمعيشى للمواطن في هذه الدول، واتساع الفجوة بين الأكثر ثراء والطبقة الوسطى التقليدية، قد دفع إلى نمو تيارات تعبر عن نفسها خارج الإطار المألوف للأحزاب السياسية التي تعد من أهم ملامح الحياة الديمقراطية في هذه البلاد، بل وجزء مهم من أسس ثقافتها وحضارتها.
ومن المعروف أن النظام السياسي الذي ساد دول الغرب طوال مئات السنين، كانت بدايته في عام 1648، مع معاهدة وستفاليا، التي أنهت حرب الثلاثين عاما في أوربا، وكانت المبدأ الأساسي الذي قام عليه النظام الدولي الحديث، للدول ذات السيادة. وتطورت الأوضاع بقيام الأحزاب السياسية التي ظهرت، كجزء محورى من نموذج الديمقراطية الحديثة.
كان النظام الدولي قد أخذ يتبلور مع عصر الإمبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر، ثم تأكدت ملامحه تحت قيادة الولايات المتحدة للنظام الغربي في القرن العشرين.
وفي السنوات القليلة الماضية، تتابعت التطورات، خاصة في العامين الماضيين، مثل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب ترامب بأصوات تيارات من خارج المنظومة الحزبية التقليدية، والرافضة للنخبة الحاكمة، وأدت إلى صعود الأحزاب اليمينية، وحدوث تغيير في الخطاب السياسي. وظهر من خلال المناقشات السياسية، إن الديمقراطيات الغربية، لم تعد تواجه مقاومة للضغط عليها من الخارج، بل تواجه ضغوطاً داخلية تحتاج إلى إعادة صياغة خطاب سياسي يستجيب للظروف الاقتصادية، والاجتماعية في الداخل.
وفي هذا الإطار أخذت تتمدد التيارات الشعبوية التي تحركت من خارج المجال الديمقراطى المعهود للأحزاب السياسية، بل خرجت من الشارع، ومن تيارات سواء كانت يمينية أو يسارية.
وحين عكف علماء السياسة على دراسة هذا التحول، فإنهم اتفقوا على أن الديمقراطية تمر بحالة تطور، وأن بقاءها رهن تعبيرها عن البيئة المتغيرة، والتي يعمل في نطاقها النظام الديمقراطي.
وإن من بين التغييرات الجارية، تراجع قوة ونفوذ الأحزاب، وعودة ظهور التيارات الحقوقية، كقوة سياسية، والتحديات الناشئة عن عدم ارتياح المواطن للأوضاع الاجتماعية، فضلاً عن انتشار الإرهاب، وكلها ظواهر متنوعة لكنها تمتزج مع بعضها البعض، حيث تستلزم نظرة شاملة لحال الديمقراطية المعاصرة، وما تملكه من قدرة ديناميكية للتواؤم مع هذه التطورات.
ويرى القائمون على هذه الدراسات ومنهم عالم السياسة أندريه كرويل أستاذ السياسات المقارنة بجامعة أمستردام، في دراسته حول أكثر من 100 حزب سياسي في 15 دولة أوروبية في الفترة من 1945-2012، وأيضا البروفيسور هربرت كيتشيلث أستاذ العلوم السياسية بجامعة ديول في نورث كارولينا، في كتابه «تحولات الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا»، إن الأحزاب السياسية تتغير بالضرورة وبانتظام، وإن قدرتها على التأثير، تتوقف على استجابتها للظروف، وإن نجاح الديمقراطية بمكوناتها الحزبية، يحتاج إلى تطور رسالتها الحزبية، وبناء ائتلافات انتخابية جديدة، وليس بالضرورة الالتصاق بالنظام التاريخي للحزب الواحد منفردا.
فالتعددية التي أظهرت العناصر الفاعلة واللاعبة في حياة الدول، صارت من وجهة النظر هذه، تحتاج إلى تكتلات انتخابية تكمل بعضها البعض في الاقتراب الفعلي من الجماهير، خاصة بعد أن تأثرت الحياة السياسية بثورة المعلومات، وما أوجدته وسائل التكنولوجيا الحديثة من تواصل بين أفراد وتجمعات، صارت تتجاوز الكيانات الحزبية التقليدية، لتصبح مؤثرة في الشارع، وهى ضمن أسباب بروز الشعبوية، والقيود على حركة الأحزاب التقليدية والتاريخية.
المصدر "الخليج"

