لا تخضع العلاقات (الأمريكية- «الإسرائيلية») لنفس المعايير، التي تخضع لها العلاقات بين الدول، لقد جرت العادة أن الدول لا تتدخل ولا تسمح لغيرها بالتدخل في شؤونها الداخلية. ورأينا أخيراً كيف تصاعد الحديث عن التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، وما زالت هذه القضية تمثل كابوساً يواجه مستقبل الرئيس الأمريكي. مثل هذه القضايا لا وجود لها في العلاقات (الأمريكية - «الإسرائيلية»)، والسبب في ذلك أن «إسرائيل» تعد من القضايا الداخلية للسياسة الأمريكية، والولايات المتحدة تعد حاضرة دائماً في السياسة «الإسرائيلية» الداخلية، كيف لا والولايات المتحدة قدمت ل«إسرائيل» منذ 1948 ما يقارب 150 مليار دولار كمساعدات، إضافة للفيتو الأمريكي، الذي يحمي «إسرائيل» في مجلس الأمن.
ولعل من أبرز المسائل التي تظهر فيها هذه التدخلات والتأثيرات؛ هي الانتخابات الأمريكية و«الإسرائيلية». وقد ارتبطت هذه الانتخابات في الجانبين في التفضيلات الرئاسية الأمريكية للمرشح «الإسرائيلي» الذي قد يتوافق والدور الأمريكي في عملية التسوية السياسية وما تطرحه من مبادرات. وحتى بالنسبة ل«إسرائيل» هناك مراوحة بين المرشحين الديمقراطي والجمهوري، وغالباً ما تميل «إسرائيل» نحو المرشح الجمهوري كما في الرئيس ترامب؛ حيث وصلت نسبة التأييد له إلى أكثر من 49 في المئة في «إسرائيل» وحوالي 42 في المئة لهيلاري كلينتون.
اليوم هناك قضية شائكة تتحكم بدور وموقف الرئيس ترامب من الانتخابات التشريعية في «إسرائيل»، وما هي دوافعه وتصوراته؟ مع من يقف؟ ومن هو مرشحه المفضل ؟ وعندما سُئل وزير الخارجية الأمريكية بومبيو عن موقفه من الانتخابات «الإسرائيلية» والاتهامات الموجهة نتنياهو قال: «نحن لا نتدخل في الانتخابات الديمقراطية، ودائماً الحملات الانتخابية تكون شرسة، والشعب «الإسرائيلي» هو من يقرر، ويسقط أي اتهام». هذا التصريح الدبلوماسي يدخل في باب الأساطير والأوهام السياسية غير الواقعية، ولا ينطبق على التأثيرات المتبادلة بينهما، ولا على حقيقة الموقف الأمريكي، فالقاعدة التي تحكم الولايات المتحدة أو البيت الأبيض أنه يريد رئيس حكومة «إسرائيلي» يتعامل معه بسهولة، ومن دون مشاكسة سياسية، ونفس الشيء ل«إسرائيل» تريد رئيساً للولايات المتحدة يستجيب لمطالبها، ويكون طوع بنانها.
تجدر الإشارة هنا إلى ثلاث مناسبات مهمة في تأثير أو محاولة الرؤساء الأمريكيين مد يد الإنقاذ للمرشح المفضل في الانتخابات «الإسرائيلية». المناسبة الأولى كانت في عهد الرئيس بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر؛ عندما طلب المرشح إسحاق شامير ضمانات قرض للاستيطان بعشرة مليارات دولار؛ ونظراً لتشدده وعدم الاقتناع بالتزامه بوقف الاستيطان تم رفض الطلب، وكانت الرئاسة الأمريكية تفضل وقتها إسحاق رابين الأكثر اعتدالاً ومرونة في التعامل مع الدور الأمريكي للوصول لتسوية سياسية. وفعلاً تمت الاستجابة لطلبه والسماح بالقرض بعد أيام قليلة من تولي رابين رئاسة الوزراء. والمناسبة الثانية كانت في عهد إدارة الرئيس كلينتون، ففي أعقاب اغتيال اسحاق رابين تولى شمعون بيريز رئاسة الحكومة بالوكالة عام 1996، وكان هو المرشح المفضل في مواجهة نتنياهو؛ لكن لعب الحظ دوره يومها، ففي أعقاب بعض العمليات الفدائية التي تمت في داخل «إسرائيل» صار حظ نتنياهو أفضل وفاز بتلك الانتخابات، والمناسبة الثالثة كانت يوم دعم الرئيس كلينتون المرشح إيهود باراك، وكان وقتها منشغلاً بأمل التوصل لاتفاق تاريخي بين الرئيس عرفات وباراك؛ حيث كان التمهيد لمباحثات كامب ديفيد، إلا أن باراك فشل في تلك الانتخابات عام 2000، وعاد نتنياهو، الذي لم ينس للرئيس كلينتون هذه المواقف.
اليوم يواجه نتنياهو خطراً حقيقياً في فقد منصب رئاسة الحكومة؛ بعد الاتهامات المباشرة له بالفساد والرشوى وخيانة المسؤولية. ويتكرر السؤال ما هو دور الرئيس ترامب الذي يتطلع لانتخابات 2020 ويريد أن يكون رئيس وزراء «إسرائيل» من الموالين له؛ ليحصل على أصوات اليهود الأمريكيين، وتمرير «صفقة القرن» التي وافق نتنياهو على مجمل تفاصيلها.
لا شك أن نتنياهو هو المرشح المفضل لترامب، وسيلتقي به قبل الانتخابات في أعقاب خطاب لنتنياهو أمام مؤتمر «الأيباك». أضف إلى ذلك أن نتنياهو أكثر تفضيلاً من غانتس؛ لأنه يحسب على اليمين الذي ينتمي إليه ترامب، وأكثر تأييداً للحزب الجمهوري؛ ولذلك عندما سئل ترامب عن موقفه وصف نتنياهو «بالعظيم الذي حقق إنجازات كثيرة». فهل ينجح ترامب وينقذ نتنياهو في الانتخابات القادمة؟ هذا يعد احتمالاًَ يقوم على قناعة أمريكية بأن اليمين هو من سيحكم في «إسرائيل».

