نسمع كثيراً عن آلام الظهر المتربصة في حياة كثيرين، سيما في العمود الفقري ومشكلة الديسك. حالات كثيرة تماثلت بالشفاء وأخرى لم تلتمس حقيقة أيّ تحسن في حالتها. أحياناً يكون التشخيص الخاطئ هو السبب وراء آلام المريض، وأحيانًا أخرى يكون السبب غير عضوي. كيف يمكن التمييز بين الآلام العضوية من الآلام غير العضوية؟ وما أحدث العلاجات في آلام الظهر؟
يؤكد البروفسور في جراحة العمود الفقري والأعصاب د.نبيل عقيص، في حديثه لجريد "النهار" اللبنانية أنه "عندما نتحدث عن آلام الظهر نجد صعوبة في التمييز بين الآلام الناتجة من أسباب عضوية (إصابة الفقرات، إصابة العضل المحيط بالفقرات...) والآلام الناتجة من تشنج العضلات نتيجة الضغط النفسي والعوامل النفسية.
التشخيص والعلاج
ويقول "إذا دام ألم الظهر أشهرًا وسنوات فعلى الطبيب أن يكون حذراً لأنه أحياناً تكون نتيجة الصور الشعاعية أو الرنين المغناطيسي مضللة، حيث كان لدينا بعض المرضى الذين لم يشتكوا سابقاً من أي آلام وبعد إجرائهم الـIRM وجدنا ظهور شوائب عدّة من دون أن تؤثر في حياتهم اليومية.
لذلك وحده الطبيب قادر على تحديد نوع الألم عند المريض من خلال الفحص السريري الدقيق لمعرفة وتحديد المشكلة (مشكلة في الغضروف او بين الفقرات) حيث يتعرض الغضروف الى تفسخات وتشققات وحتى فتق بالغضروف او انزلاقه والضغط على عصب الرقبة او الساق او اليد. وفي هذه الحالة، يكون واضحاً ان هناك خللاً في الغضروف وضغطاً على العصب".
ويوضح عقيص أن "الطبيب يعرف حتماً خلال فحص المريض سريرياً ما إذا كان هذا الضغط على العصب سيُسبب شللاً للمريض، وتأتي صورة الرنين المغناطيسي لتثبت نظريته أو شكوكه، وغالباً ما يكون علاج هذا الخلل وتأثيره على وظيفة العصب، الجراحة".
وبناء على نتيجة الفحص السريري وصور الرنين المغناطيسي وتطور الألم عند المريض الذي لم يستفد من العلاج الدوائي والفيزيائي، يرى عقيص انه "في هذه الحالة يكون الحل في العمل الجراحي (ونعمل على ان يكون التدخل أقل ما يمكن على العوامل الطبيعية للعمود الفقري - تجنب توسيع المجرى، وضع براغٍ لتثبيت الفقرات...). لذلك نسعى اليوم قدر الإمكان ان يكون العلاج الجراحي بسيطاً والهدف منه إزالة الضغط بالجراحة المجهرية بحسب الحالة (تدخل طبي بسيط وجرح صغير)، ومن ثم يأتي العلاج الفيزيائي والدوائي لاستكمال التثبيت وترميم الديسك".
ويتابع الاختصاصي في جراحة العمود الفقري والأعصاب قائلاً: "أما بالنسبة الى الحالات غير العضوية، تعتبر أدوية التشنج الحل البديهي والأولي على المدى القصير التي تعالج الألم والتشنجات ولكن لا يمكن الاتكال عليها على المدى الطويل. كذلك تعتبر العلاجات النفسية خطوة اولية لمعالجة هذه الحالات. على الطبيب ان يُميز بين الأسباب العضوية والأسباب غير العضوية، وعلى سبيل المثال اذا خضع المريض لكل العلاجات الدوائي والفيزيائي ولم تتحسن حالته، فعليه ان يفكر بالخيار الثاني وان سبب الألم قد يكون ناتجاً من أسباب نفسية نتيجة الضغوط والتشنجات".
ويشير إلى أن "العلاج التشنجي ( stress management) ليس مرضاً نفسياً وانما حالة ناتجة من ضغوط الحياة والضغوط النفسية التي تؤدي الى تشنجات في العضل وتالياً إلى حالة تشنج وألم مزمن. عندما نجد آلاماً مزمنة وقد خضعت لمختلف العلاجات من دون أن تتحسن حالته، عندها نتحدث عن آلام غير عضوية. لكن على الطبيب أن يجري كل الفحوص والصور والعلاجات حتى يتأكد من حالة المريض، والبحث في احتمال أن يكون "الروماتيزم" قبل التفكير في الأسباب غير العضوية وعلاجاتها. وهذا ما دفعنا إلى إنشاء لجنة طبية متعددة الاختصاصات تضم مختلف الأطباء والمعالجين والاختصاصيين في الحالات المستعصية والحالات المزمنة للبحث في حالة المريض والعلاج الأفضل له".
أحدث العلاجات في جراحة الظهر
ولفت الاختصاصي إلى وجود تطور واضح ولافت اليوم في جراحات الظهر، سيما في الجراحات المجهرية بطريقة أقل ضرراً في الظهر. وقال "مثلاً، لإزالة الضغط على العصب أو النخاع الشوكي نعمل على تخفيف هذا الضغط دون التسبب بأضرار أو مضاعفات جانبية". وفي هذا الإطار، ساهمت التقنيات الحديثة والمعدات المتطورة المستخدمة في الجراحة في تسهيل العمل الجراحي، إضافة إلى النتائج الدقيقة التي يتم الحصول عليها اليوم في الرنين المغناطيسي. "في حالات مستعصية كثيرة لم يكن باستطاعنا القيام بشيء ولكن بفضل الجراحة المجهرية أصبح بإمكاننا معالجتها والتدخل جراحياً" وفق الطبيب.
ولكن يبقى الأهم وفق عقيص "أن يقوم الطبيب بالتشخيص الصحيح والتمييز بين العضوي وغير العضوي، أحيانا الصور وألم مريض يغش، من هنا أهمية الاستماع الى حالة المريض والتعرف إليه كإنسان والنظر اليه نفسياً وطبياً. كذلك نشدد على اللجوء الى جراحة أقل أذى وتغييراً في معالم وظائف العمود الفقري".
المصدر "جريدة النهار" اللبنانية

