Menu

ذكرى عملية الباص 300 - عملية عسقلان البطولية

الحافلة التي استولت عليها الخلية الفدائية

بوابة الهدف

في 10 أبريل 1984 قام أربعة فدائيون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باختطاف باص صهيوني متجهًا من "تل أبيب" إلى عسقلان، وكان به 41 راكبًا وأجبروه على التوجه إلى غزة.

العملية عرفت فيما بعد باسم "عملية الباص رقم 300" ومنفذي العملية هم الرفاق الأبطال (جمال محمود عيسى قبلان، ومجدي أحمد أبوجامع، وصبحي شحادة أبوجامع، ومحمد صبحي بركة).

وتقول بعض المصادر أنّ الرفاق الأربعة قاموا بالعملية دون أن يكون لديهم أي سلاح سوى سكين وحقيبة كانت فارغة كان يهددون بتفجيرها من أجل حماية أنفسهم من جنود جيش الاحتلال الذي قتلهم بدم بارد دون أن يشكلوا أي خطر على الرهائن داخل الباص.

وكانت مطالب الرفاق إطلاق سراح 500 من أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المعتقلين لدى الكيان الصهيوني آنذاك.

وكانوا يأملون بالوصول للحدود المصرية لمبادلة الرهائن بالأسرى، ولكن قبل الوصول لرفح المصرية سمح الرفاق الأبطال لامرأة بالنزول من الباص دون مسها بأذى بعد أن أخبرتهم إنها توشك على الولادة وهي التي أبلغت قوات الاحتلال التي بدورها لاحقت الباص وتمكنت من إيقافه على مشارف بلدة دير البلح وسط قطاع غزة، وأحاطت به أعداد كبيرة من قوات الاحتلال الصهيوني من وحدات الجيش وحرس الحدود والمخابرات الصهيونية.

بدأت مرحلة التفاوض مع الشبان عند منتصف الليل في محاولة لخداعهم وكسب الوقت، ثم بدأ الهجوم على الحافلة فجر يوم الجمعة 13 نيسان، فقَتَلَ الجنود اثنين من الفدائيين هما جمال محمد قبلان (20 عامًا)، ومحمد صبحي بركة (19 عامًا)، واعتقلوا رفيقيهما صبحي شحادة أبو جامع (18 عامًا) ومجدي أبو جامع (18 عامًا) على قيد الحياة.

في اليوم ذاته، أذاع "راديو إسرائيل" أن مقاتلين فلسطينيين قُتلا في العملية، وأن الجيش ألقى القبض على اثنين آخرين، لكنه عاد لينشر بيانًا للجيش قال فيه إن المقاتلين الأربعة قُتلوا في العملية، ثم قبل أن يمر وقتٌ طويلٌ صدر البيان الثالث بأن اثنين من المنفذين أُصيبا في العملية ثم فارقا الحياة متأثرين بجروحهما. وفي ذات اليوم، هدمت جرافاتٌ "إسرائيليةٌ" منازل أُسر الشهداء الأربعة في منطقة بني سهيلة وعبسان بالقرب من خانيونس.

صبيحة يوم الأحد 15 أبريل 1984، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" خبرًا عن القبض على اثنين من المنفذين لعملية اختطاف الحافلة وهم أحياء. ثم نشرت صحيفة "Hadashot" صورةً تظهر الأسير مجدي أبو جامع مُكبل اليدين يسير بين اثنين من القتلة، التقطها المصور الصحفي أليكس ليفاك.

على إثر ذلك نفى الناطق العسكري للجيش يوم 16 نيسان بشكلٍ قاطع أن يكون قد جرى قتل أسيرين بعد اعتقالهما، مؤكدًا رواية الجيش التي قال فيها إن اثنين قتلا أثناء العميلة والآخرين توفيا متأثرين بالإصابة أثناء نقلهما بالطائرة للعلاج.

انتشر الخبر إعلاميًا وتم تداوله على نطاق واسع، فوجدت دولة الاحتلال نفسها في مأزق لعدة اعتبارات، تبين أن أحدها هو خوفها على حياة جنودها الأربعة الأسرى لدى الجبهة الشعبية - القيادة العامة. ولأجل ذلك شكلت ثلاث لجان على مدار سنتين ونصف لأجل التحقيق مع المتهمين بقتل الأسيرين مجدي وصبحي أبو جامع.

وكان يُمكن لهذه الجريمة أن تتم بصمتٍ كما في عشرات الجرائم التي يتفرد جيش الاحتلال بإصدار روايةٍ كاذبةٍ عنها، مُخفيًا وجهه الإجرامي.

كيف تمت الجريمة؟

في الساعة 4:50 فجرًا اقتحمت الوحدة الخاصة "ماتيكال" بقيادة العميد اسحق موردخاي الحافلة وشرعت بإطلاق النار بشكل مباشر، فقتلت جمال قبلان الذي كان جالسًا في مقدمة الحافلة، ومحمد بركة الذي كان بالقرب من النافذة الخلفية، وأصيب ستة "إسرائيليين" من ركاب الحافلة، من بينهم إريت بورتويز التي توفيت لاحقًا متأثرة بجروحها الخطيرة.

سيطر جنود الاحتلال على الحافلة واعتقلوا ابني العم صبحي ومجدي أبو جامع، وأُخرِجا من الحافلة بصحة جيدة دون أيّة مُقاومة لاعتقالهما، ثم تبين بأنه لم يكن بحوزتهما أسلحة سوى سكاكين وحقيبة فارغة، وأن هدفهما الأساسي إجراء صفقةٍ لتبادل الأسرى وليس المساس بأي من الركاب.

اقتاد الجنود الأسيرين أبو جامع إلى جانب الحافلة، ثم إلى حقول القمح المجاورة بعيدًا عن أعين الصحافة، وبحسب الشهادات التي قُدّمت للجان التحقيق، فإن العميد اسحق مردخاي بدأ بضربهم بشدة بعقب مسدسه الخاص على رأسيهما.

بعد ذلك تسلمهما إيهود ياتوم الذي كان يشغل منصب رئيس قسم عمليات "الشاباك"، فتولى التحقيق الميداني معهما، قبل أن يُباشر بضربهما تحت التهديد بالقتل إن لم يقدما المعلومات التي يُريدها منهما. إثر ذلك، شاركت مجموعة كبيرةٌ من الجنود والضباط في ضرب الأسيرين ركلاً وبالحجارة والقضبان الحديدية والعصي، إلى أن فقدا الوعي تدريجيًا ونزفا حتى الموت.

ووردت شهاداتٌ بشعةٌ حول تعذيب الأسيرين أبو جامع وضربهما وإلقائهما في الهواء من النقالات الطبية ليسقطا على الأرض.

لجان التحقيق

أمام الضجة الإعلامية التي رافقت نشر صورة الأسير مجدي أبو جامع وهو يسير على قديمه بين اثنين من القتلة، بدأت موجةٌ من الصراعات داخل أجهزة الأمن "الإسرائيلية" حول المسؤولية عن القتل وإصدار الأوامر، وصلت لاتهام رئيس الوزراء -آنذاك- إسحق شامير -بصفته المسؤول عن "الشاباك"- بإعطاء الضوء الأخضر لتصفية ابني العم.

شُكّلت اللجنة الأولى للتحقيق في الجريمة بتاريخ 26 نيسان، تولى رئاستها الميجر جنرال مئير زوربا وعُرِفَت باسم "لجنة زوربا"، وكانت خلاصة تقريرها بأن الأسيرين ماتا بسبب كسورٍ في الجمجمة ناتجة عن الضرب المباشر، غير أن هذه النتائج لم تكن مقبولة لدى النائب العام لأنها لم تحدد المسؤولية المباشرة عن تنفيذ القتل، ولأجل ذلك شكلت لجنة بقيادة المدعية العامة يونا بلاتمان للتحقيق في الجريمة مرة أخرى.

جاء في تقرير لجنة بلاتمان أن خمسة من عناصر جهاز "الشاباك"، وثلاثة شرطة في "حرس الحدود"، وجنديين من الجيش، ضربوا الأسيرين بعد اعتقالهما على قيد الحياة، لكن لجنة بلاتمان لم تشر للمسؤول الحقيقي عن الجريمة.

وبتاريخ 24 آب/أغسطس 1984، قرر الرئيس "الإسرائيلي" حاييم هيرتسوغ، العفو عن أعضاء "الشاباك" المتورطين في هذه الجريمة، ثم أصدر عفوًا عن 11 ضابطًا كبيرًا متورطين في ذات القضية.

لم تنته القضية هنا، بل تفاقمت الأزمة داخل المؤسسة الأمنية "الإسرائيلية" حول الاتهام المباشر بالقتل لقيادات كبار في الجيش و"الشاباك"، ولذلك تم تشكيل "لجنة كارب" بتاريخ 23 أيلول/سبتمبر 1986 للتحقيق في القضية ذاتها، وكانت إحدى النتائج التي خرجت بها أن الأسيرين قُتلا بأمرٍ مباشرٍ من رئيس "الشاباك" في حينه أفراهام شالوم، فقدّم الأخير استقالته.

في نهاية المطاف، وبعد جولات من التحقيقات والإفادات ومحاولة "الشاباك" تضليل لجان التحقيق وتقديم شهاداتٍ كاذبة، تمت تبرئة القتلة والعفو عنهم وإغلاق الملف بعفوٍ عامٍ من الرئيس "الإسرائيلي".