قال روبرت ساتلوف، المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدني، إن الخطّة الأمريكية للسلام في الشرق الأوسط "ستقدم مقترحات مفصّلة للإجابة على جميع القضايا الأساسية المدرجة على الأجندة الإسرائيلية-الفلسطينية، من بينها اقتراحاتٌ للحدود النهائية لإسرائيل، والبتّ في مدينة القدس المتنازع عليها، ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين، والترتيبات الأمنية التي ستحمي اتفاق السلام، والعلاقة السياسية النهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين".
وأضاف ساتلوف "لن تكون الخطة الأمريكية خطةً حول كيفية إنشاء عملية تفاوض جديدة؛ بل هدفها هو تقديم حلول".
وفي مقالٍ نشره المعهد، عبر موقعه الإلكتروني، كخلاصةٍ لمقابلةٍ أجراها ساتلوف مع عرّاب الخطة الأمريكية للسلام، مستشار البيت الأبيض وصهر الرئيس الأمريكي، جاريد كوشنر، أضاف أنّ هذه الخطة، التي باتت معروفة إعلاميًا باسم صفقة القرن "ستُسلّط الضوء على معادلة توفير الأمن للإسرائيليين وتحسين نوعية الحياة للفلسطينيين، مع التركيز بشكل أقل على (التطلعات السياسية) للفلسطينيين". لافتًا إلى أنّ كوشنر وخلال المقابلة تجنّب مصطلح "الدولة" تمامًا.
ووفق ما استخلصه الباحث الأمريكي من كوشنر فإنّ الخطة "ستصب تركيزها على جعل المنطقة الفلسطينية مصدر جذب للاستثمار كوسيلة لتحسين حياة الفلسطينيين"، لكن تحقيق هذا الهدف سيتطلب ترسيماً للحدود، تليه إصلاحات سياسية جوهرية داخل السلطة الفلسطينية، لافتًا إلى أنّ "الأمر سيستغرق الكثير من الوقت، قبل أن يلمس الفلسطينيون تحسّنًا في الأحوال المعيشية".
واعترف جاريد كوشنر بأنّ "ترامب لم يقرأ بعد مشروع خطة السلام، الذي لا يزال قيد التنقيح".
وقال ساتلوف "إنّ استبعاد فكرة (إقامة دولة) من الصيغة الأمريكية سيكون بحد ذاته خطوة كبيرة بعيدة عن توافق الآراء بين الحزبين الأمريكيين، والذي ظهر بعد تأييد الرئيس جورج دبليو بوش هدف إقامة دولة فلسطينية في عام 2002".
ولفت الباحث الأمريكي أنّ خطة كوشنر تتشابه شكليًا مع المبادرة العربية للسلام (2002)، في فرضها "نتيجة نهائية" ومن ثم العمل مع الأطراف على أفضل الطرق لتحقيقها. "لكن إسرائيل انتقدت المبادرة- وكانت محقة في ذلك- لأنها لم توفر مجالاً للتفاوض، وهو ذات الموقف الذي يجب على الحكومة الإسرائيلية الحالية أن ترفضه في شكله، ولكن من المرجح أن ترحّب به من حيث الجوهر" كما يقول ساتلوف.
واعتبر ساتلوف كوشنر وفريقه أقرب إلى "مطوّرين يُطبّقون دروساً في الشرق الأوسط من سوق العقارات في نيويورك، منهم إلى كونهم دبلوماسيين يحاولون حل نزاع دولي شائك طويل الأمد". وبالنسبة لهذا الفريق، فأحد العناصر الرئيسية في إستراتيجيته هو "خفض توقعات الفلسطينيين بشأن ما سيحصلون عليه في الخطة الأمريكية، سيّما بعد رفض الكثير من المقترحات السابقة المقدمة من قبل إسرائيل".
وأضاف "يبدو أنّ الحقيقة الأساسية المفقودة من صيغة كوشنر هي أن الإسرائيليين والفلسطينيين لا يبدأون من الصفر؛ فقد مرّ 25 عاماً على علاقتهما – عبر اتفاقية أوسلو- وعلى الرغم من فترات الصراع والتوتر، لم يعارض أيّ من الطرفين الوضع الرّاهن لدرجة أنه قرر تغييره". موضحًا أنّ "ملاحظات كوشنير افتقرت لأيّ تقدير لهذا الواقع الكئيب؛ فهو أكد بجرأة أن خطتّه (ستعالج المرض) الذي يؤجّج الصراع، لكن التحدّي الحقيقي الذي سيواجهه هو ضمان (عدم الأذى)".
وتابع ساتلوف "هذه اللامبالاة بالآثار المحتملة للفشل هي السبب وراء اعتقادي أن خطة جاريد كوشنر تشكل خطراً على المصالح الأمريكيّة، وإنّه لأمر متهور أن تحاول الإدارة الأمريكية حتى تجربتها".
وقال الباحث "تبقى اليوم الهوة بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين أوسع من أيّ صيغة يمكن تصوّرها أو اعتمادها لسدّها. ومن هذا المنطلق،.. لا أهميّة تذكر للتفاصيل التي يستعد كلّ من كوشنر وشركاؤه لوضعها على طاولة النقاش، بسبب انعدام التداخل المحتمل بين أكثر ما يمكن لإسرائيل تقديمه وأقل ما تستعد فلسطين لقبوله (والعكس بالعكس)".
وتحدّث ساتلوف عن "الخطر من أن يؤدي فشل خطة كوشنر إلى نزع الشرعيّة عن أفضل أفكارها"، وهو أحد الأسباب التي تدفع "أصدقاء إسرائيل" للتفكير مرتين قبل أن يحثّوا ترامب على متابعة الخطّة بشكل رسمي.
ورأى الباحث أنّه في الوقت الذي يرى فيه كوشنر أن خطته ستبقى نقطة مرجعيّة جديدة للمفاوضات المستقبليّة، حتى لو فشلت في تحقيق السلام بشكل انطلاقة كبرى، من المحتمل أن يقوم خلفاء ترامب برميها في المستنقع الدبلوماسي، حتى لو كانت أفكاراً قويّة وجديرة وقيّمة، بشأن قضايا مثل الترتيبات الأمنيّة، وإعادة توطين اللّاجئين، والإصلاح السياسي الفلسطيني، والتنمية الاقتصادية الإقليمية".
واعتبر أنّ "تعامل فريق كوشنر مع هذه القضايا بعطف عميق مع إسرائيل، قد يضر بالأفكار التي تبدو صديقة للدولة اليهوديّة بشكل خاص"، مُعربًا عن أمله في أن "يعود نتنياهو إلى رشده ويفعل ما في وسعه لإفشال (صفقة القرن) قبل أن تصبح سياسة أمريكية رسمية". وأضاف "ان الطريقة الوحيدة لحماية الاستمرارية الطويلة الأجل لأفضل جوانب خطة كوشنر هي بإفشال الخطة".
وتطرّق مدير معهد واشنطن إلى سلوك الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس، "الذي يبدو أنه يؤدي دوره من دون أن يحيد عن الخط، مفضلاً السير على الطريق المُتعِب المتمثل في التماس قرارات الأمم المتحدة التي لا معنى لها والتّصفيق في العواصم الأوروبية" على حدّ تعبير ساتلوف.
وعن نتنياهو، قال إنّه "في ظلّ الظروف العادية، فإن آخر ما يريده نتنياهو هو قيام الرئيس الأمريكي باقتراح خطة مفصّلة للحل الدائم للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني".
وفي معرض تفسيره للأسباب التي تجعل رئيس حكومة الاحتلال يبدو متفائلاً بشأن خطة السلام المقبلة، وكأنّه يرحّب بها أو يشجعها، في حين أنّه كان يعارض هذا الاقتراح سابقًا، قال الباحث الأمريكي إن "هناك العديد من التفسيرات المحتملة. فبعد قرارات ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وإفشال الصفقة النوويّة الإيرانية المقتة، فضلاً عن الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، ربما ينظر نتنياهو إلى رئاسة ترامب على أنها فرصة العمر لتحويل ميل الإدارة الأمريكية الموالي لإسرائيل إلى سياسة رسمية للحكومة الأمريكية".
وأضاف "قد يكون نتنياهو واثقاً من احتماليّة إخفاق عباس كقائد، وأن الأخطاء الفلسطينية ستسمح لإسرائيل بضم أجزاء رئيسية من أراضي الضّفة الغربيّة من دون إثارة أي غضب في واشنطن أو معارضة كبيرة في العالم العربي.
وربما يكون نتنياهو مثقلاً جداً بمشاكله القانونية الخاصة، بحيث أصبح ينظُر إلى (صفقة القرن) كحزام النجاة السياسي".

