مع بداية شهر أيار/مايو 2019، أصدر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة قرارًا جديدًا خاصًا بالصحراء الغربية، يعطي صورة عن نمط التعاطي الدولي والأمريكي، خصوصًا مع قضية الصحراء التي يدعي المغرب أحقيته بالسيادة عليها فيما تناضل جبهة البوليساريو لأجل حق سكان الصحراء في تقرير مصيرهم.
بينما يحظى الموقف المغربي بدعم أمريكي متزايد، يحظى موقف جبهة البوليساريو بدعم الجزائر، التي ترى في جبهة البوليساريو حليفًا تاريخيًا، فيما ترى في النظام الملكي المغربي خصمًا أو منافسًا شرسًا في جوارها الحيوي، خصوصًا في ضوء تحالفه التاريخي مع القوى الاستعمارية التي خاضت الثورة ثم الدولة الجزائرية مواجهات سياسية عدة معها في سبيل حفظ استقلالها من الهيمنة الغربية.
الجانب الإشكالي في القرار الأخير الذي صاغته الولايات المتحدة تمثل في إسقاطه لمجموعة من ثوابت الأمم المتحدة فيما يتعلق بعملية "تسوية النزاع حول الصحراء الغربية"، حيث يتجاهل القرار مبدأ حق الشعب في الصحراء الغربية في تقرير مصيره، ويتخذ الموقف المغربي الذي يشير للجزائر بوصفها طرف في هذا النزاع وحله، وربما الأخطر من ذلك في الثمن المطلوب من المغرب حول قضايا المنطقة العربية ازاء هذه المساندة الأمريكية المتزايدة، خصوصا في ظرف تتعرض فيه الجزائر لهزة داخلية متصلة بظروف الاحتجاج الداخلي المطالب بالتغيير في منظومة حكم البلاد.
وكانت قضية الصحراء الغربية محور لصراع مسلح بين المغرب وجبهة البوليساريو، امتد منذ العام 1975 وحتى العام 1991، ليتراجع الصراع المسلح لحساب محاولات مارثونية لتسوية الأزمة في ظل هدنة هشة يجري العمل على تثبيتها سنويا بواسطة الأمم المتحدة.
بناء أمريكي مغربي على القرار
بعد قرار مجلس الأمن الأخير، عقد ناصر بوريطة، وزير الخارجية والتعاون الدولي، لقاءات مع عدد من المسؤولين الأمريكيين في العاصمة واشنطن، وبحسب مصادر مغربية أن وزير الخارجية المغربية عقد اجتماعات مكثفة في الولايات المتحدة الأمريكية مع كبار المسؤولين الحكوميين حول ملف الصحراء، على مدى يومي الجمعة والسبت الماضيين.
الدور الأمريكي يكتسب ثقله من كون الولايات المتحدة هي الجهة المسؤولة، عن اعداد المسودة الخاصة بتقرير الأمم المتحدة السنوي حول قضية الصحراء الغربية، و تستفيد من هذا الموقع والصلاحية في اعداد تقارير داعمة للموقف المغربي الأمريكي المشترك، هذا بجانب مساعي الولايات المتحدة في الضغط على الجزائر للقبول بالرؤية الامريكية المغربية للحل، والتي تتجاوز بشكل واضح حقوق سكان الصحراء الغربية.
وشرع هورست كولر، المبعوث الأممي إلى الصحراء، في الإعداد للمائدة المستديرة الثالثة بمشاركة جميع أطراف النزاع (المغرب والجزائر والبوليساريو وموريتانيا)؛ لكنه لم يعلن بعدُ عن توقيت إجرائها تاركا الوقت للمشاركين في الجولة الثانية، من أجل تقييم الجولة الأخيرة والتفاعل مع خلاصات مائدة جنيف.
وأشارمسؤول مغربي، خلال اجتماع مع لجنة ممثلة للمغتربين المغاربة في الولايات المتحدة، عن وجود رغبة لدى الولايات المتحدة منذ قدوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحكم، بايجاد تسوية نهائية لقضية الصحراء الغربية، بما يشير لامكانية تزايد الجهد الامريكي الرامي لتصفية هذه القضية.
أثمان مطلوبة ورغبات دولية
في تقرير للبنك الدولي صدر خلال شهر ابريل الماضي، طالب البنك الدولي دول المغرب العربي بمزيد من الاندماج الاقتصادي وبضرورة الالتزام بمعايير البنك الدولي في انظمتها الاقتصادية والتجارية، وهو ما يفسر طبيعة السياسة الدولية الموجهة نحو هذه البقعة من العالم، والتي تسعى بما يتسق مع فلسفة الادارة الامريكية الحالية لايجاد حلول اقتصادية تتجاوز الابعاد السياسية والحقوقية للقضايا القائمة في معظم نقاط النزاع والصراع في هذا العالم.
في جانب آخر، تقوم الادارة الأمريكية بضغط كبير على السلطات المغربية لضمان مشاركة فاعلة من الاخيرة، في مؤتمر المنامة المزمع عقده في البحرين في سياق محاولات فرض "صفقة القرن" على الفلسطينيين، المساعي الأمريكية ترى في المشاركة المغربية ضرورة خصوصا في ضوء دور المغرب في رئاسة لجنة القدس التابعة لجامعة الدول العربية، والتي تراهن الولايات المتحدة على استثماره في مواجهة المواقف العربية الرافضة لهذه الصفقة.
خاتمة
القول نظريًا باتصال القضايا العربية والتحررية ووحدة النضال العربي في مواجهة الهيمنة الغربية والامريكية خصوصًا، يكتسب مصداقية خاصة في النظر لتشعبات السياسة الأمريكية في المنطقة العربية، واستخدامها لأدواتها في المنطقة في خدمة سياساتها في مختلف القضايا وبما يتجاوز حدود التقسيم ال قطر ي او الجهوي، وفي جانب آخر تبدو السياسة الأمريكية في عهد إدارة ترامب أكثر تصميم على فرض حلول غير مرغوبة، وغير عادلة، لتسوية معظم القضايا التي ترى فيها معيقا لسياساتها في المنطقة، وبهذا المنطلق تبدو المقاربة الأمريكية لقضية الصحراء، ليس انحيازًا للمغرب فحسب، ولكن بالأساس انحياز لفرض أمر واقع على شعوب هذه المنطقة.

