Menu

محصلة «الردع المتبادل» بين واشنطن وطهران

د. محمد السعيد إدريس

رغم كل الغموض الذى يكتنف الأزمة المتصاعدة الآن بين الولايات المتحدة و إيران وبالذات بخصوص الحرب التى باتت شبه مؤكدة لكثير من المراقبين على ضوء العسكرة الأمريكية المتعمدة للوضع فى الخليج العربي، فإن الأمر شبه المؤكد أن الطرفين المتصارعين لا يريدان الحرب. الرئيس الأمريكى لا يريدها ولا يتحمل نتائجها العسكرية والسياسية نظراً لفداحة الخسائر التى يمكن أن تحدث من منظور المصالح الأمريكية البحتة ومن منظور مصالح الحلفاء أو الشركاء الخليجيين.

كما أن إيران هى الأخرى لا تريدها لأنها تدرك أنها لن تتحمل هى الأخرى نتائجها المفزعة، لذلك فإن الجامع المشترك للطرفين الآن هو القول أنهما «لا يريدان الحرب لكنهما سيخوضانها إذا فرضت عليهما».

إذا كان الأمر كذلك فلماذا كل هذا التصعيد وإلى أين يمكن أن تئول هذه الأزمة؟ وهل يمكن توقع أن الحرب لا يمكن أن تكون ضمن الخيارات المحتملة لتطور الأزمة؟ أم أن تعمد إخفاء نية الحرب يخفى قراراً آخر بحرب يجرى تدبير أمورها وحساباتها.

الواضح من مسارات تطور الأزمة أن الولايات المتحدة اختارت «الردع» وسيلة معتمدة لتحقيق الأهداف. أى تصعيد الأزمة إلى ذروتها، أو ما يسمى بـ «حافة الهاوية» اعتقاداً بأن الطرف الآخر سوف يضطر حتماً، عند مرحلة ما من الخطر، إلى التراجع وتقديم التنازلات. مثل هذا الخيار يكون أقرب إلى «المقامرة» التى يجيد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب التعامل بها فى سوق العقارات التى تشكل خلفية خبراته المهنية، لكن لسوء حظه، يختلف الأمر كثيراً فى المواجهات الإستراتيجية فـ «الردع بالقوة» يمكن أن يفقد قيمته ويتحول إلى مصدر للخطر فى حالة ما إذا كان الطرف المعنى بالردع يملك القوة على «الرد الموجع» أو بالأحرى يملك هو الآخر القدرة على الردع وتخويف الخصم، أو إذا كان يعى حجم الخطر الذى يتهدده فى حالة التراجع عن الصمود، ولسوء حظ الرئيس الأمريكى أن إيران تملك القدرة الفعلية على «الردع المضاد»، وتدرك فى ذات الوقت أن أى تراجع فى موقفها سينال كثيراً من صدقية وشرعية النظام الحاكم الذى يعى تماماً أنه هو المعنى والمستهدف من كل هذا التصعيد الأمريكي.

ولمزيد من سوء الحظ الأمريكى أن إيران تدرك ما هو أكثر من ذلك، تدرك أن أوراق الرئيس الأمريكى مكشوفة، وأنه ليس فى مقدوره التورط فى حرب معها، خاصة وأنه مقبل على انتخابات رئاسية العام المقبل، ومن الصعب عليه أن يخوض مثل هذه الانتخابات وقواته العسكرية مثخنة بالجراح وهو الذى وعد الأمريكيين بالانسحاب من بؤر التوترات الساخنة فى العالم، وقراره سحب قواته من سوريا وأفغانستان كان وفاء منه لتعهدات مسبقة قدمها إلى الشعب الأمريكى بهذا الخصوص. لذلك تتعمد إيران الدخول مع الولايات المتحدة فى مواجهة تصعيد «الردع بالردع»، ومثل هذه المواجهة سواء كانت حقيقية، أى ستئول إلى حرب، أو كانت ضمن «الحرب النفسية» التى تخوضها إيران رداً على ما تعتبره «حرباً نفسية أمريكية» تخوضها واشنطن ضدها، فإنها بدأت تؤتى أكلها فى شكل تراجع أمريكى عن خيار التصعيد.

فبعد أن هدد جون بولتون مستشار الأمن القومى الأمريكى بإرسال 120 ألف جندى استعداداً للمواجهة مع إيران، شكك الرئيس الأمريكى فى أن الولايات المتحدة ستكون بحاجة لإرسال مزيد من القوات إلى الشرق الأوسط لمواجهة إيران، وجاء بعده باتريك شاناهان وزير الدفاع بالوكالة ليتحدث عن أن «وزارة الدفاع (البنتاجون) تدرس طلباً من الجيش لإرسال 5 آلاف جندى إضافى إلى الشرق الأوسط وسط تزايد التوتر مع إيران». لكن الأهم من هذا التراجع الكبير فى عدد القوات التى يمكن أن ترسلها واشنطن إلى الخليج، هو حرص شاناهان على أن يوضح أن «القيادة المركزية الأمريكية» فى الشرق الأوسط هى التى تقدمت بطلب زيادة القوات ما يعنى أن وزارته لم تتقدم بهذا الطلب ولا حتى رئاسة الأركان الأمريكية، وزاد على ذلك أن هذه القوات ستكون مخصصة لحماية القواعد الأمريكية الموجودة فى الخليج، أى أن مهمتها ستكون «دفاعية» بحتة وليست هجومية، ما يعنى أن الولايات المتحدة هى التى باتت تتحسب لـ «مغامرات» أو «اعتداءات» إيرانية، على نحو ما تتحدث عنه واشنطن من عمليات جرى تنفيذها فى الأيام الأخيرة حرصت الولايات المتحدة على تحميل إيران مسئولية حدوثها مثل استهداف 4 ناقلات نفط عملاقة قبالة سواحل ميناء الفجيرة الإماراتى فى بحر عمان، وكذلك إطلاق صاروخ على السفارة الأمريكية فى بغداد، ومثل الهجوم الذى شنته «طائرات مسيرة دون طيار» على خط النفط السعودي.

اللافت أكثر أن عدد هذه القوات الأمريكية المزمع إرسالها تقلص إلى 1500 جندى فقط، وليس خمسة آلاف أو 120 ألفاً ما يؤشر إلى أن واشنطن دخلت مرحلة التراجع واحتواء الأزمة، وهو أمر يزكيه كل هذا «الصمت المريب» من جانب إسرائيل على كل التصعيد الحادث فى الخليج. فقد التزم الإسرائيليون الصمت رغم أنهم من أشعل الأزمة طيلة السنوات الماضية، وهو صمت يثير الريبة والتشكك فى النوايا الحقيقية من كل هذه الأزمة التى فجرتها الولايات المتحدة ضد إيران فى هذا الوقت بالذات، ويزكى مقولة أن هناك أهدافاً خفية من وراء كل هذا التصعيد أبرزها إشغال إيران وحلفائها عن الجهود الأمريكية- الإسرائيلية لتمرير «صفقة القرن» وتسليم فلسطين للإسرائيليين، واستثمار هذه الأزمة لإحياء دعوة تأسيس تحالف إقليمى جديد يضم دولاً عربية وإسرائيل تحت القيادة الأمريكية «الناتو العربي» لمواجهة ما يعتبرونه «خطراً إيرانياً».

تحالف هدفه دمج إسرائيل رسمياً كقوة إقليمية تمشياً مع التطورات المحتملة لمرحلة ما بعد تمرير صفقة القرن، ولعل هذا ما جعل إيران هى الأخرى تتجاوب مع جهود الوساطات خاصة العراقية والعمانية وربما الكويت ية ناهيك عن الوساطات الدولية، والقيام بجهود دبلوماسية مكثفة يخوضها وزير الخارجية محمد جواد ظريف ونائبه عباس عراقجى هدفها الاحتواء السريع للأزمة حرصاً على تفويت الفرصة على الأمريكيين وإفشال مسعاهم لإخراج إيران وحلفائها من معادلة الفعل الإقليمي، وبتحديد أكثر، إفشال «صفقة القرن»، هنا بالتحديد يكمن التحدى الحقيقى أمام إيران: هل ستستطيع عبور هذه الأزمة الراهنة بسلام والهروب من خيار الحرب، وهل ستستطيع إسقاط صفقة القرن؟