ما زال السلوك السياسي لليبرمان محط تساؤلات وانتقادات وتجاذب كبير في الساحة السياسية في الكيان الصهيوني، وبالتأكيد فإن ليبرمان قد وضع أسسا جديدة في قلب العملية السياسية لاتتعلق فقط بقدرة حزب صغير على الابتزاز السياسي وهو أمر قديم ولكنه لم يكن يوما بهذه الحدة، ولكن يتعلق أيضا بقدرة الأحزاب الكبيرة على استعادة زمام التحكم بهذه العملية السياسية رغم أن هذا يبقى بعيدا عن الواقع في ظل التجاذب الحالي، وهو عموما ليس تجاذبا سياسيا جوهريا أو أيدلوجيا واضحا بقدر ما يبدو أكثر كنوع من النزاع الشخصي على نتنياهو ووراثته.
هل تهدف خطوة ليبرمان في إجهاض العملية السياسية في الكيان الصهيوني إلى نفس الهدف الذي قصده نفتالي بينت وأيليت شاكيد عندما أسسا اليمين الجديد، وهو التحول من حزب قطاعي يمثل القاعدة الضيقة من الناخبين الروس إلى التموضع كعامل رئيسي في السياسة.
أظن أن نتائج ما فعله ليبرمان وأسبابه لاتقع في صلب النزاع الإنتخابي لحصد الأصوات وبالتالي لايمكن العثور على الأجوبة في استطلاعات الرأي ومقالات الشتم المتبادل في الصحافة الصهيونية، بقدر ما هي في صلب طبيعة السياسة الصهيونية وتعقيدها المستمر.
يبدو أن ما فعله ليبرمان بذبحه للإتلاف اليميني على رؤوس الأشهاد، شبيه بما فعله بينت وشاكيد الذين قاما فعليا بذبح البيت اليهودي، وزعما أنهما يمثلان "اليمين الجديد" وهما لم يعلنا أنهما بديل للحزب الذي غادراه فقط بل لليمين برمته بما فيه الليكود، وبالطبع يعلم الجميع أنه كان طموحا مبالغا فيه إن لم يكن يعبر أصلا عن ممارسة سياسية طفولية تتسم بالغرور.
لم يفشل هذان فقط في تقديم نفسيهما وحزبهما كوريث لنتنياهو والليكود، بل لم يحصلا على أي تمثيل بسبب قدرة الليكود بأن يموضع نفسه كممثل لجميع اليمينيين متدينين وعلمانيين في تناقض غريب وإن كان مفهوما في التاريخ السياسي الصهيوني، وإن اتسم هذا التمثيل بالتلون والانتهازية، ورغم حفاظه على رؤية جابوتنسكية إصلاحية عامة، إلا أنه في الممارسة السياسية الواقعية تعرض لانتقادات جذرية في السياق الصهيوني باتهامه إنه مارس نظرة واقعية وعالمية يخجل منها حتى ماباي في تاريخه.
فشل نفتالي بينت وأيليت شاكيد أنهما لم يستطيعا تحويل بضاعتهما الأيدلوجية المتطرفة إلى شيء قابل للتداول في السوق السياسي، بسبب فشلهما في فهم عمق التعقيد الأيدلوجي في الكيان الصهيوني، حيث لاتذهب الأمور إلى أبيض وأسود ويمين ويسار فقط بل هناك تداخلات معمقة فشلا في الإمساك بزمامها، وربما عاد هذا إلى تهور سياسي أو عمى أيدلوجي أو كلاهما.
من جانبه بدلا من أن يذهب ليبرمان إلى مزاودة يمينة مكشوفة كما فعل الثنائي بينت وشاكيد، فإنه صحح هذا بتبني استراتيجية تؤدي إلى نفس الهدف (وراثة جميع اليمينيين) و تحويل حزب "إسرائيل بيتنا" من حزب قطاعي إلى عامل رئيسي في السياسة "الإسرائيلية"، في نفس الوقت كان عليه مواجهة التهديد في الانتخابات الأخيرة حول قدرته على تجاوز العتبة، وأيضا مواجهة تحدي ناخبيه عبر سعيه لإضفاء الطابع "الإسرائيلي" على القطاع الروسي.
يرى ليبرمان هذا التهديد ولكنه يرى أيضا أن لديه فرصة لوضع حزبه في النظام السياسي بشكل مختلف وأفعل من الماضي، وبرز هذا من خلال قراره بالذهاب بكل قوته إلى مسألة تجنيد الأرثوذكس المتطرفين في الجيش وهي خطوة لاتثير غضب الناخبين الروس ولكنها خطوة تؤثر على صورة يائير لابيد الذي موضع نفسه في دائرة أوسع من الناخبين العلمانيين والطبقة الوسطى، والذين يدعمون شعار "الأعباء المتساوية" كجزء من مفهوم المواطنة المتساوية الذي يسعى حسب منتقديه إلى طمس "الثقافة المتعددة" حتى فيما يخص التجند في الجيش،. في هذا الصدد ، حوّل ليبرمان نفسه إلى كيان سياسي يقع في وسط الخريطة السياسية، فمن ناحية ، يتميز بنهج يميني في جدول أعماله الأمني ، فهو يريد إعدام الفدائيين الفلسطينيين ويريد غزو غزة وإخضاع الضفة، ويعادي فلسطينيي الداخل ويدعو للحرب ليل نهار ويهدد بالاغتيال الشخصي، ومن ناحية أخرى يزعم بنهج الدفع بأجندة مدنية علمانية.
وكما يرى معلقون صهاينة أن ما يسعى إليه ليبرمان ليس بعيدا بل مطابقا لما يعنيه فعلا مفهوم "المركز" وهو اختراع "إسرائيلي" قديم لاصلة لليبرمان فيه، ولكن ربما يكون أدركه مؤخرا وقرر التوغل فيه، في ظل غياب الوضح الأيدلوجي في السياسة الصهيونية وضبابية الحديث عن يمين ويسار، وهو ما أثبته فشل اليمين الجديد بشكل واضح.
ليس فقط فشل اليمين الجديد بل أيضا الإنجازات الهزيلة التي حازتها الأحزاب الصغيرة مثل ميرتس واتحاد اليمين وحتى بلد العربي ، وترى تحليلات حزبية صهيونية أن هذا يعكس استنزاف الطاقة السياسية إلى كيانات سياسية تمثل وجهة نظر عالمية لا تتميز فقط بتعددية الأبعاد بل بالبراغماتية وحتى التوترات الداخلية، ويبرز هذا أيضا داخل الليكود في النزاع بين الأخلاقيات اليمينية والنهج السياسي الحذر، وفي "الأزرق والأبيض" بين الأخلاقيات اليسارية والبرنامج السياسي-الاقتصادي اليميني، وهكذا يبدو واضحا أن إن عملية التركيز الأيديولوجي لم تحول فقط الحملة الانتخابية الأخيرة من صراع على السياسة العامة إلى حملة شخصية بل تعاملت مع قضية واحدة ، ألا وهي نتنياهو ، وكأن هدفها كان فقط الإبقاء على أو التخلص من نتنياهو وبالتالي تم تهشيم فكرة الكتلتين القائمتين على أساس التمييز بين نظرتين متعارضتين للعالم.
سلوك ليبرمان يأتي في قلب هذه العملية، وكتعبير واضح عنها وعن الصراع بين ما يزعم إنه واقع اجتماعي وسياسي يميز "إسرائيل" في أن تصبح مركزا أيديولوجيا كبيرا وعدم وجود بدائل المنافسة الايديولوجية ما يحول النظام إلى مجرد منافسة شخصية على السلطة، وبين تيار يشعر بالقلق حول مستقبل "الديمقراطية في إسرائيل" و تصحيح التوازن بين فروع الحكومة التشريعية والقضائية وليبرمان يريد أن يظهر كممسك بزمام العملية كلها وهذا هو المتوقع ممن يطرح نفسه كوريث.
رغم ذلك فإن هذا التنازع يمكن أن يقود إلى سيناريو آخر، ربما يبدو غير معقول خاليا مثل إقامة شراكات سياسية بين الأحزاب الرئيسية ولكن هذا ربما يبقى رهنا بالشهور الثلاثة القدمة ونتائج الانتخابات، في وقت تشير استطلاعات رأي إلى أن ليبرمان سيحصد نتائج موقفه بالارتفاع إلى ثمانية مقاعد، ورغم إن هذا سيجعله الحزب الثالث إلا أنه سيبقى بعيدا جدا عن الحزبين الأول (الليكود) و الثاني (أزرق أبيض)، ويبقى أيضا سؤال آخر رغم وجود حزبين كبيرين مهيمنين في السياسة الصهيونية إلى أنه سيكون هناك أيضا عدد كبير من الأحزاب الصغيرة التي ستلعب لعبتها أيضا في تشكيل الائتلاف القادم، فهل سيكون هناك ليبرمان جديد في الكنيست 22؟

