Menu

5 يونيو.. هزيمة أم نكسة؟

عبد الله السّناوي

عندما شرع محمد حسنين هيكل في كتابة خطاب تنحي جمال عبد الناصر في يونيو/‏حزيران (١٩٦٧) لم يكن قد استقر تفكيره على وصف الهزيمة العسكرية ب«النكسة».
سألته: «كيف طرأ التعبير إلى ذهنك في تلك اللحظة القاسية؟».
«أقول لك أميناً إنني لا أعرف، أظنها مشاعر مواطن لم يكن يقدر على إغلاق أبواب الأمل في المستقبل أمام شعبه».
«انفردت بنفسي لأكتب خطابه الأخير، وكنت أجلس في ذلك الركن من الغرفة التي نجلس فيها الآن، وفي خاطري أن أحلامنا الكبرى انهارت.. فكرت في عبدالناصر وآلامه فوق طاقة بشر، وكأنه كبر مرة واحدة عشر سنوات، كان صادقاً في مشاعره وتصرفاته، معتقداً أنه خذل أمة أولته ثقتها كما لم تفعل مع أحد آخر، قرر أن يتنحى، وطلب مني أن أكتب ما اتفقنا عليه من خطوط عريضة، وكنت الوحيد الذي التقاه في ذلك اليوم الطويل.. لم يكن يناور، ففي اعتقاده أن النظم التي تعجز عن حماية حدودها تفقد شرعيتها.. وفكرت في الشعب الذي سوف تصدمه نتائج المواجهات العسكرية في سيناء، لم أكن مستعداً لكتابة كلمة الهزيمة، وما زلت معتقداً أنني كنت على صواب، كيف أكتب أنها هزيمة والجبهة السورية تقاتل والعراق يرسل قوات عسكرية إليها، والجيش المصري نفسه ما زالت بعض قواته في سيناء، كان اعتقادي أننا أمام عثرة مؤقتة، وإن كان عبدالناصر لا يستطيع أن يستكمل دوره في القتال فإن أحداً آخر يستطيع، لكن شعبه خرج يومي (٩) و(١٠) يونيو إلى الشوارع يطالبه بالبقاء، ويعرض المقاومة ومواصلة القتال».
«للتعبيرات قوة تأثيرها في حركة الأحداث، عندما تقول هزيمة فإن كل شيء قد انتهى، وعليك أن تقر بما جرى وتستسلم له، بينما تعبير النكسة ساعدنا على لملمة جراحنا، ودخلت قواتنا المسلحة بعد أيام إحدى ملاحمها الكبرى في معركة رأس العش».
«كل ما فكرت فيه أن النكسة وضع مؤقت، والهزيمة استسلام نهائي».
رغم أن مصر عبرت قناة السويس بقوة السلاح في أكتوبر/‏ تشرين الأول (١٩٧٣) لم تغادر أشباح الهزيمة المسرح السياسي، وجرى تكريسها في السياسات.
كان الوجه الآخر لتبديد ثمار النصر في أكتوبر هو تكريس الهزيمة في يونيو. أين الحقيقة بالضبط؟ هذه مسألة وثائق قبل أي شيء آخر.
الدول تنشر وثائقها السياسية والعسكرية بعد عدد معين من السنين لتضع الحقيقة أمام مواطنيها أيّاً كانت مرارتها حتى لا تتكرر أي أخطاء جرت في الماضي.
الأمر نفسه نفتقده في حربي «الاستنزاف» و«أكتوبر». هناك شهادات ودراسات نُشرت لكن الوثائق قضية أخرى. للوثائق كلمة أخيرة تجيب عن كل الأسئلة: كيف هزمنا ولماذا؟ وكيف قاومنا وصمدنا حتى عبرنا الهزيمة في أكتوبر؟ ثم كيف أجهضت نتائجها السياسية؟
هناك فارق بين مراجعة التاريخ بالوثائق المثبتة لإدراك حقائقه وتصحيح الذاكرة العامة، وبين تعميق الشعور بالهزيمة كقدر إغريقي لا يمكن الفكاك منه، أو نفي أسبابه. بلغة الوثائق يتأسس الاتفاق والاختلاف على قاعدة معلومات صلبة.
بعد «يونيو» جرت مراجعتان على قدر كبير من الأهمية. الأولى، إعادة تصحيح دور القوات المسلحة، ومنع دخولها في غير طبيعة مهامها.
والثانية إعادة بنائها وفق مواصفات الجيوش الحديثة، التي تُعلي من شأن الكفاءة والاحتراف وتمنع الانشغال بالسياسة، وإسناد مسؤوليتها إلى نخبة من العسكريين الأكفاء في القيادة العامة، كما في جميع الأسلحة.
كانت الوطنية المصرية مستعدة أن تقدم كل ما لديها من طاقات عطاء ودم بإيمان حقيقي أن البلد يحارب معركة وجوده ومستقبله.
لم تكن مصادفة بعد أيام من الهزيمة أن تفرض قوات محدودة في «رأس العش» كلمتها على «الإسرائيليين»، وتوقع بهم خسائر فادحة في لحظة انتشاء عسكري.
جرت بطولات تقارب الأساطير في ظروف شبه مستحيلة.
أفضل أغنيات أكتوبر لحنت وغنيت قبل أن تدوي المدافع فوق الجسور كأنها نبوءة مبكرة بالنصر الممكن، كما أغنية: «راجعين بقوة السلاح» في فيلم «أغنية على الممر». شاع وقتها شعار «يد تبني ويد تحمل السلاح».
كانت السنوات التي أعقبت الهزيمة أفضل سنوات العسكرية المصرية، وأفضل سنوات «جمال عبدالناصر»، بالنظر إلى حجم العطاء الذي بُذل.
لماذا يُراد حتى الآن تكريس الهزيمة في الوجدان العام، رغم النصر العسكري في «أكتوبر»؟ في الحرب العالمية الثانية سحقت القوات الفرنسية. احتلت عاصمتها باريس، ودخلها الزعيم النازي «أودلف هتلر» مزهواً لالتقاط الصور التذكارية عند برج إيفل.
بعد تحريرها وضعت لوحات تذكارية عند الأماكن والأبنية التي سقط بجوارها شهداء المقاومة الفرنسية.
لم يكن في مصر متعاونون مع قوات الاحتلال، كما حدث في فرنسا، ولا قادت معاركها بالنيابة قوات أجنبية. مصر التي انتصرت بغض النظر عن أية مساجلات في حجم النصر كان يتعين عليها أن تطوي صفحة الهزيمة، غير أن ذلك لم يحدث عن سبق إصرار، كأننا لم نحارب ولم ننتصر.
بين تحولات السياسة والانقلابات الاستراتيجية نشأت صناعة الهزيمة في الوجدان العام، ف«أكتوبر آخر الحروب»، و«لن نحارب بالنيابة عن الفلسطينيين والعرب لآخر جندي مصري»، كما تردد على نطاق واسع في الخطابين الإعلامي والسياسي.
جرى تسطيح قضية الصراع العربي- «الإسرائيلي»، وقضية الأمن القومي المصري الذي دافعت عنه قواتنا قبل أي شيء آخر.
استشعر جيل كامل وهب حياته لقضية تحرير بلاده بقوة السلاح الخديعة، فقد حارب من أجل حلم ليستيقظ على كابوس.
كانت تلك الهزيمة الحقيقية، التي أرادوا إخفاءها وراء تكريس «عقدة يونيو» في الوجدان العام جيلاً بعد آخر.