منذ منتصف الثمانينيات وبداية مشواري في العمل مع صاحبة الجلالة لم ألاحظ دهشة واهتمام انبهار واهتمام من قبل وسائل الإعلام الفلسطينية بما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلي من أخبار وتقارير على سبيل المثال ما هو حاصل اليوم، وبمتابعة محدودة لبعض وسائل الإعلام الفلسطيني الإلكترونية والإذاعية والمتلفزة تجد نسبة 2-3 %من الأخبار على الصفحة الأولى هي لمصادر إسرائيلية، أما في الإذاعات والتلفزة الفلسطينية تسمع وتشاهد في أوقات مختلفة استعراض لما كتبت الصحف والنشر الحرفي لما جاء فيها إما بواسطة مترجمين ومختصين في الشأن الإسرائيلي، أو بالترجمة الفورية لبرامج حوارية سياسية إسرائيلية عبر فضائياتهم، رغم أن الأخيرة تحتمل النشر غير المضبوط لكثير من المعلومات والخطاب الإعلامي الموجه ضدنا بالأصل، ناهيك عن الأخبار العاجلة التي تصلك عبر منصات الواتس أب والماسنجر وغيرها، وجميعها صادرة عن وسائل إعلام إسرائيلية؛ ليس هذا فحسب، بل إننا بقصد أو بدون قصد نقوم بالترويج لوسائل إعلام إسرائيلية يكاد الإسرائيليون لم يسمعوا بها بعد، فقط لمجرد تناولها أو تركيزها على بعض أخبار ذات تماس مباشر بالحالة الفلسطينية، اجتياح، اغتيالات، إدخال أموال، تجارة ...إلخ.
باختصار شديد، اهتمام دولة الاحتلال بالإعلام الموجه للفلسطينيين ليس وليد اللحظة، فلقد باشرت سلطات الاحتلال بتوجيه خطاب إعلامي خاص، حيث أقدمت على الاستهداف الإعلامي المباشر بعد الاحتلال مباشرة في العام 1967 باتجاه الشعب الفلسطيني والشعوب العربية قاطبة، عبر برامج إذاعية وصحف ورقية. فعلي سبيل المثال باشرت سلطات الاحتلال بإصدار ونشر جريدة الأنباء لاستهداف الرأي العام الفلسطيني بالضفة و غزة و48، فيما نظم راديو "إسرائيل" سلسلة حلقات إذاعية منها ما وموجه للشعب الفلسطيني مثل: حكايات ريفين وغيرها، وأخرى موجهة للشعوب العربية مثل حلقات العم حمدان للشعب المصري، إبن الرافدين للشعب العراقي وهكذا.
لقد أصبحت صفحات ما يسمى بالناطق العسكري، أو المنسق منصة مشاهدة أكثر من مليون متابع فلسطيني وعربي، وهذا بدوره مؤشر على مدى التعامل بفهلوية بعيداً عن الندية مع هذه الحرب الناعمة. أما الإعلانات الإسرائيلية والتي تنتشر على واجهة الإعلام الرقمي فحدث ولا حرج، حتى لو أوحت بمشاهد أو صور إباحية تتنافى مع مكوناتنا القيمية والأخلاقية، أو الترويج لبضائع أو منتجات اسرائيلية.
لم تتمكن صحيفة الأنباء الاحتلالية التي أنشأها الاحتلال وغيرها من البرامج الإعلامية والإذاعية المتلفزة لتضليل الجماهير الفلسطينية الصمود أمام تعاظم الإعلام المقاوم في حينه، رغم بساطة ومحدودية إمكانياته مثل الصحف الجدارية والبيانات التعبوية التي كانت تحمل كل جديد للفلسطيني، ناهيك عن الفعل الوطني اليومي المقاوم والذي أصبحت صحفنا مثل الفجر والشعب تتنافس على تغطيته رغم سيطرة وجبروت الرقيب العسكري في مستوطنة "بيت إيل" في القدس ، ونذكر كيف اضطر الرقيب العسكري الصهيوني تجاوز قرار منع نشر العمليات العسكرية التي نفذها جيفارا غزة في العام 1973 تحت ضغط الحالة الميدانية المسيطر عليها من قبل الفدائيين الفلسطينيين.
برأيي أن الموضوع الإشكالي ليس في النقل الإخباري المجرد أو المحايد، بل في التماهي والانبهار إلى حد استمراء كل ما يجيء به الإعلام الإسرائيلي دون الأخذ بعين الاعتبار أيٍ من المحاذير والخلفيات من وراء ذلك. بتقديرنا أن الأمر جداً خطير، ففي الوقت الذي ينبري ويتجند فيه الإعلام الفلسطيني منافحًا ومدافعًا عن الحق الفلسطيني، ونافياً بجدارة للرواية الاحتلالية نجده لا مبالياً وسطحياً في معالجاته وسلوكه تجاه ما يصدر عن الإعلام الصهيوني. أيضاً لم ألحظ التمييز الإعلامي الصهيوني بين مختلف المناطق الفلسطينية المحتلة كما الآن، علي سبيل المثال، منذ ما يقرب الأسبوعين وأنا أحاول أن أجد تفسيراً مبرراً لهذا الاهتمام بما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلية تجاه غزة التي دوماً تتصدر الاهتمام الإعلامي دون غيرها من المناطق الفلسطينية، وكأن لسان حالهم، أي "الإسرائيليين" يقول بأن: غزة هي الإشكالية الفلسطينية المتبقية أمام تهويد فلسطين التاريخية على اعتبار أن الضفة والداخل المحتل هي أراضي إسرائيلية بالفكر السياسي الصهيوني والتوراتي على حدٍ سواء.
صحيح أن غزة مركز جذب وحدث أيضاً، ولكن يبقى وراء الأكمة ما ورائها، ولا يجب أن ننظر ببراءة تجاه السلوك الاحتلالي الإعلامي تجاهها أو تجاه غيرها. فلو انتبهنا للتوجهات الإعلامية الإسرائيلية، للحظنا أنها إلى حد كبير ذات صلة بالمستوى السياسي أو الأمني، فماذا يعني إشارة ليبرمان كل مرة لمسألة تحويل الأموال ال قطر ية إلى غزة أو في ظرف ما تسليط الضوء على حركات المقاومة أو الفساد في السلطة...؟
من الغرابة إغفال دور الإشاعة والحرب النفسية وتحبيط الهمم، كأحد المهمات المستندة للعدو والقوة الناعمة في مقارعة الأعداء، كما كانت تجربة غولبز وزير هتلر الإعلامي في الحرب العالمية الثانية، وما حققت من تأثير على سير المعارك خاصة وهي تدور على أبواب موسكو عبر التضليل الإعلامي المدروس والممنهج. ألم تخصص دولة الاحتلال ميزانيات ضخمة تضخ لمواجهة الإعلام المقاوم؟ ويبقى السؤال الأهم ما العمل لمحاربة ومواجهة هذه الحملات الإعلامية المنظمة لدولة الاحتلال وأيضاً وتوخي الحذر في نشر ما يصدر عنه من أخبار؟
في بدايات تكوين رابطة الصحفيين العرب (نقابة الصحفيين) كان هناك قرار مُلزم بعدم اللقاء مع أي من الشخصيات الإسرائيلية والحديث معهم، كذلك الحال للإعلانات الإسرائيلية. صحيح أن الظروف تغيرت، ووسائل الإعلام والاتصال تغيرت، وأصبحت وسائل الاتصال غير مقيدة ومحدودة الضوابط في ظل الفضاء المفتوح أمام المنتمي واللامنتمي، ورغم ذلك بالإمكان اشتقاق بلسم يعالج التصريحات الإعلامية الجديدة التي هي بمثابة خطر داهم. فلطالما عانى الصحفي الفلسطيني من الحصول على المعلومات من مصادرها الرسمية، والذي بدوره يؤسس ويفتح آفاق لملئ الفراغ من البديل اللاوطني، وجميعنا ضد التطبيع الإعلامي أي كان، ولا تبرير لذلك بالمنطق وغيره، ولكن ماذا نحن فاعلون؟ هل نكتفي بتحديد الموقف والتحذير من المخاطر دون المساهمة الدائمة والدءوبة في صناعة وعي المواجهة؟!
فدون إعادة الاعتبار للتكامل بين الإعلام الرسمي والشعبي ممثل بنقابة الصحفيين والأطر والمؤسسات الوازنة، ستبقى الإشكالية تطل علينا كل صباح بما لا نرغب قراءته أو سماعه. وهنا تتحمل الفصائل والقوى السياسية مسؤولية كبرى تجاه ذلك: فأين برامجهم وتوجيهاتهم للمعالجة؟! يبقى أمامنا الكثير من العمل كي نحافظ على استمرار الخطاب الإعلامي الفلسطيني ذو تأثير عالي، باعتباره أبرز أدوات صناعة الرأي العام الفلسطيني، وفق رؤية إعلامية عربية فلسطينية، دون الاعتماد على ما ينقل لنا عبر وسائل إعلامية إما معادية أو متواطئة.

