Menu

فنزويلا: الحوار بين الحكومة والمعارضة والآفاق المفتوحة

اسحق أبو الوليد

مما لا شك فيه أن الحكومة التقدمية في فنزويلا التي يقودها الحزب الاشتراكي الفنزويلي الموحد، سجلت صمودًا فاجأ أعداء الثوره البوليفارية وخاصة في البيت الأبيض، حيث حملَت إدارة ترامب وعلى لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو المسؤوليه للمعارضه التي أرسلت "معلومات خاطئة وإشارات مضللة للبيت الأبيض فيما يتعلق بقوتها ونفوذها في القوات المسلحه"، مما أجبر رجل أمريكا الذي أعلن نفسه رئيسًا انتقاليا للبلاد، هوان غوايدو، أن يعترف "أنهم أخطئوا التقدير، وأنهم لم يستطيعوا تحريك القطاعات الكافيه من القوات المسلحه للتخلص من مادورو ، ويحتاجون إلى المزيد من الوقت لتحقيق أهدافهم: "إن تراكم العديد من المحاولات الفاشلة، العنيفة والسلمية للمعارضة طرح العديد من علامات الاستفهام ليس فقط على أداءها، بل على جديتها ومدي تماسكها واتفاق أطرافها المختلفة على خطه محدده "للتخلص من مادورو أو الإطاحة بحكومته مهما كلف الثمن، وهل الإدارة الأمريكية داخله على الخط مباشرة أم تكتفي بالدعم والتأييد لأكثر أجنحة المعارضة تطرفًا وفاشية تحينًا لفرص جديدة أكثر نضوجًا؟

الإدارة الأمريكية لها "عيونها وأذانها" في كافة أرجاء القارة وخاصة في المناطق الاستراتيجية كفنزويلا وكولومبيا وبنما ودول الكاريبي، وتحصل من موظفيها وعملائها على المعلومات الدقيقه المتعلقة بأوضاع وتوجهات وموازين القوى في هذه البلدان وطبيعة صراعاتها وتناقضاتها الداخلية. لذا ليس صحيحًا أن المعارضة الفنزويلية هي التي ضللت هذه الإدارة بإرسالها معلومات وإشارات خاطئة لها، بل تحاول أن تتهرب أمام مواطنيها وقوى إقليمية من مسؤولياتها عن تقديراتها الخاطئة بسبب عدم استطاعتها اختراق القوات المسلحه والأمنية الفنزويلية، ويعتقد أنه حصل العكس، أي أن وزير الدفاع باذرينوا لوبس "اخترقهم عندما تواصلوا معه لتجنيده لصالح الانقلابيين"، الذي وافق على "تنحية" الرئيس مادوور، كما يزعمون، ولكنه تراجع عن تعهداته في اللحظات الأخيرة عندما طلب أن يكون هو الرئيس الانتقالي حتى إجراء الانتخابات". هذا ما تم تسريبه من مصادر مخابراتية أمريكية ومسئولين في المعارضة، الذين لحد الآن لا "يجدون" تفسيرًا لسبب تقديم موعد الانقلاب من قبل هوان غوايدوا، إلى 30 / نيسان بدل الأول من أيار كما كان مقررًا، ويزعمون أن هذا تم بناء على مكالمة مجهولة استلمها ليوبولدوا لوبس، زعيم حزب الإرادة الشعبية الذي ينتمي له هوان غوايذو أيضًا، والذي كان تحت الإقامة الجبرية وأطلق سراحه يوم 30 نيسان الساعة الثالثة والنصف فجرًا من قبل العقيد كريستوفر رئيس المخابرات السياسيه، الذي هرب إلى خارج البلاد بعد فشل المحاوله الانقلابية!!  

ما يزيد المشهد تعقيدًا أن إدارة ترامب تتهم المخابرات الكوبيه بوقوفها وراء افشال الانقلاب، وتدعي أن لكوبا "آلاف رجال الأمن والجيش في فنزويلا الذين يعملون على حماية النظام"، وطالبت الحكومة الكوبية "بسحبهم" فورًا، وإلا ستتعرض إلى المزيد من العقوبات المشددة!!

إذًا، بغض النظر عن الأسباب، وهي أكيد مهمة، شكلت المحاوله الانقلابية الفاشلة نقطة مفصلية في الحياة السياسيه للمعارضة وطريقة أدائها في المستقبل، ووضعت موضوع استمرار اتحادها على المحك، وأيضًا أفسدت "الطبخة" التي كان مطبخ إدارة ترامب يقوم بإعدادها لتسويقها إقليميًا وعالميًا، مما نقل حلفاء فنزويلا إلى الهجوم المضاد وخاصة من قبل روسيا والصين. فلولا صمود الحكومة البوليفارية وإفشالها لهذه المحاولة وحنكتها في التعامل مع الأحداث لما تهيأت الأجواء والظروف للقاء وزيري الخارجية الروسي لافروف والأمريكي بومبيو، الذي أكد على الحل السلمي للأزمة وتوجيه روسيا رسالة حازمة وشديدة اللهجة لإدارة ترامب وحلفائها في القارة؛ عبرت فيها ليس فقط عن رفضها لأي شكل من أشكال التدخل العسكري أو العنفي في فنزويلا، بل وعن استعدادها للدفاع عن حلفائها في كراكاس. هذه التطورات أجبرت المعارضه أن تذهب إلى الحوار الجاري في أوسلو "مكسورة الجناحين"، دون أن تستطيع إقناع جمهورها الذي تفاجأ وأُذهل من قبول هوان غوايدو لهذا الحوار؛ لأنه كان قد وعدهم في أكثر من مناسبة" بتشكيل حكومة انتقاليه فورًا وأن مادورو مغتصب للسلطة، وأنه أمن دعم 85% من القوات المسلحة، لأن مادورو لا يتمتع بدعم شعبي، حيث يتمتع فقط ب 10% من أصوات الناخبين و و و" ، لهذا كانت المعارضة تريد حوار سري بعيد عن الأنظار، حيث بدأ هكذا؛ إلا أن حكومة الرئيس مادورو رفضت هذا الطلب، وأعلنت عن الحوار في لحظة تعاني فيها المعارضة من الخلافات وتحميل كل طرف المسؤولية للآخر عن الفشل المدوي لسياساتهم واتهام بعضهم، لهوان غوايدو، بأنه "عميل مزدوج لبوتن ومادورو"؛ لأنه خدم "النظام" بمحاولته الانقلابية الفهلاوانية الفاشلة التي لا أحد يجيب من المتورطين مباشرة عن بعض الأسئلة الهامة المتعلقه بما حصل خلال المحاولة الانقلابية الفاشلة. 

هوان غوايدو من طرفه عندما أقر بوجود حوار مع "فريق مادورو"، حيث حاول أن يطمئن مؤيديه بقوله أنه: "ثابت على مواقفه ولن يخذلهم، وفقط يريد تحديد موعد للانتخابات الرئاسية وتنحي مادورو عن منصب الرئاسة"، ولكنه على ما يبدو لم يستطع أن يهدأ من روع المعارضة التي صعدت أطرافها المختلفة من التراشق وتبادل الاتهامات، الشيء الذي دفع وزير خارجية ترامب للتصريح يوم 8/ 6 في اجتماع مغلق له مع زعماء للجالية اليهودية الأمريكية " بأنه من الصعب جدًا توحيد المعارضة الفنزويلية، وان لديها 40 مرشحًا لمنصب الرئاسة".

إن قبول المعارضه بالجلوس إلى طاولة المفاوضات يعني أنها حصلت على ضوء أخضر من أسيادها في واشنطن وعن استعدادها الضمني لتقديم تنازلات للطرف الحكومي الذي فرض نفسه عليها، وجعلها تعترف به كحكومة شرعية للبلاد. الطرف الحكومي من جهته يشعر أنه قوي وغير مجبر على تقديم تنازلات جوهريه في الميدان السياسي، ولكنه على استعداد لتقديم تنازلات في المجالين "الايديولوجي والاقتصادي"، حيث تم إلغاء القيود على التعامل بالعملات الأجنبية بما فيها الدولار وسمح البنك المركزي"للمؤسسات المالية البنكية وغيرها، وللأفراد أيضًا بحرية بيع وشراء العملات الأجنبية كما تمليه مصالحهم دون أية قيود وتحرير جزئي للأسعار".

في كل الأحوال، الحوار في بداياته ولم يتم التوصل لأي نوع من أنواع الاتفاق، لكن استمراره ساعد على خفض حدة التوتر السياسي الداخلي، ونتج عنه حركة بطيئة للعجلة الاقتصادية، مما سيساهم في تحقيق انفراج اقتصادي جزئي سيخفف من بعض الأعباء عن كاهل الفئات الأكثر تضررًا من الأزمة الاقتصادية المستفحلة، خاصة العمال في القطاعين الصناعي والزراعي، والموظفين وصغار الفلاحين. 

طاولة الحوار تجمع فريقين، وإن بديا نظريًا متناقضين، تفرقهم الايدولوجيا و "الاشتراكية"؛ إلا أن راس المال بإمكانه تجسير بعض الهوات بينهم، دون أن ينهي الصراع على السلطة التي يعتقد كل طرف أنها من حقه لكنها مغتصبه من الطرف الآخر، في ظل ميزان قوى مختل وطنيًا لصالح الفريق الحاكم، عليه أن يستثمره إلى أقصى الحدود قبل فوات الأوان.