على مدى ما يقرب من شهر أو يزيد من تفجر الأحداث الساخنة فى الخليج العربى، واتساع مجالها لتمتد إلى خليج عمان ووصولها إلى الصدام المباشر بين الإيرانيين والأمريكيين كان العالم كله مشدوداً إلى تلك الأحداث ومهتماً بمآلاتها خشية أن تتطور إلى حرب بين القوات الأمريكية التى توافدت بكثافة إلى الخليج وبين إيران. معظم دول العالم تدرك مدى خطورة حدوث مثل تلك الحرب وعملت على الحيلولة دون حدوثها ومازالت تعمل سواء عبر وساطات مباشرة (سلطنة عمان، العراق، الكويت ، اليابان، ألمانيا، فرنسا وغيرها) أو عبر جهود غير مباشرة، لكن كانت هناك دول أخرى، قليلة العدد كانت ترى، وتعبر عن ذلك صراحة، أن خيار الحرب ربما يكون الخيار المفضل لتحجيم ما تعتبره خطراُ إيرانياً، وكان المتوقع أن تكون "إسرائيل" على رأس قائمة هذه الدول، الداعية صراحة والعاملة على فرض "خيار الحرب"، فهى أول من رفض الاتفاق النووى الإيرانى، وبذلت المستحيل لمنع الإدارة الأمريكية من التوقيع عليه (إدارة الرئيس باراك أوباما)، ووصل الأمر إلى درجة ذهاب رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو إلى الكونجرس الأمريكى وتوجيه خطاب تحريضى ضد إدارة الرئيس السابق باراك أوباما ومطالبة الكونجرس برفض ذلك الاتفاق، وهى من حرّض الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للانسحاب من الاتفاق، وظلت تصعد ضغوطها لاستصدار قرارات عقابية ضد إيران، رغم ذلك اختفت تماماً عن الصورة، فى الأسابيع الأخيرة، بشكل ملفت للنظر حتى بالنسبة للمراقبين الإسرائيليين أنفسهم.
فقد كتب المحلل العسكرى لصحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل عن ذلك "الهدوء الغريب وحتى الطويل" لإسرائيل عن التفاعلات الساخنة لما يمكن اعتباره الآن بـ "أزمة الخليج الثالثة" التى يمكن أن تتحول فى أى لحظة إلى "حرب الخليج الثالثة"، وذكر أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو "قلل مؤخراً تصريحاته حول الموضوع الإيرانى القريب جداً من قلبه... وعندما يتحدث فإنه يذكرِّ بالخطر الماثل من إيران بخطوط عامة، أما الوزراء الآخرون فقد طلب منهم الصمت كما يبدو، لأن عدداً منهم ينتظر ترقيته فى الفترة الانتقالية للحكومة الحالية".
هذا الصمت، بالطبع، ليس حميداً، ولا يعكس تراجع أولوية الخطر الإيرانى بالنسبة لقادة الكيان الصهيونى، فهم يفاخرون الآن بأنه "لم يعد يوجد خطر عربى يتهدد إسرائيل" وأن الدول العربية "تتسابق لتطبيع العلاقات بل والطموح إلى تأسيس تحالف" مع هذا الكيان، وأن إيران وحدها وحلفاءها، تكاد تكون الخطر الوحيد الذى يهدد الوجود الإسرائيلى، ومن ثم يجب التخلص منه إما بإسقاط النظام الحاكم "نظام الجمهورية الإسلامية" أو بتجريد إيران من مصادر قوتها ومن تحالفاتها، وبالذات منع إيران نهائياً من امتلاك أية قدرات نووية ليس فقط عسكرية بل وأيضاً مدنية، لأن إسرائيل تعتبر أن القدرات النووية السلمية يمكن أن تتحول خلال فترة زمنية محدودة إلى قدرات عسكرية. والسبب فى ذلك يرجع إلى حرص إسرائيل على أن تبقى وحدها متفردة فى إقليم الشرق الأوسط كله بامتلاك القنبلة الذرية لأنها مقتنعة أن امتلاكها هذه القنبلة هو الذى جعل الحرب ضدها مستحيلة. كما تحرص إسرائيل على تجريد إيران من قدراتها الصاروخية لأن هذه القدرات هى التى أهدرت تماسك "نظرية الأمن الإسرائيلية"، فإيران باتت قادرة على أن تصل بصواريخها إلى عمق الأراضى الإسرائيلية سواء أطلقت هذه الصواريخ من داخل إيران أو من جنوب لبنان أو من قطاع غزة أو من سوريا، وهى بالتحديد الجبهات الأربع التى تخشاها إسرائيل وتتوقع أن تكون جبهات أى حرب قادمة مع إيران.
رغم ذلك فضلت إسرائيل التزام "سياسة الصمت" وأن تبقى، قدر الإمكان، "خارج العاصفة"، لكنها كانت تفعل المستحيل لإفشال خيار التفاوض وجعل الحرب هى الخيار الوحيد المفضل أمريكياً. هم يدركون أن هدف الرئيس الأمريكى دونالد ترامب المعلن منذ تفجر الأزمة كان ولا يزال "إجبار إيران على الموافقة على التفاوض على اتفاق نووى جديد بالشروط التى تريدها واشنطن، كما أنهم يدركون أن إيران هى الأخرى لا تريد الحرب، وأنها تفضل التفاوض بشروطها هى الأخرى: العودة الأمريكية إلى الاتفاق النووى الذى انسحبت منه، وإلغاء العقوبات المفروضة عليها وتعويضها عن الخسائر التى تعرضت لها بسبب هذه العقوبات. وأكثر من ذلك يدرك الإسرائيليون أن الرئيس الأمريكى، الذى بدأ الانخراط مبكراً فى التجهيز لخوض معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية التى ستجرى فى العام المقبل، ليس مستعداً للتورط فى حرب لا يضمن نتائجها، وأنه سيتحاشى حتماً خطر الانزلاق فى حرب، وأن الخوف، من سوء التقدير يلزمه، ويلزم إيران أيضاً، بإبداء الحذر واتخاذ كل الوسائل الممكنة لضمان عدم الانزلاق فى صدام مسلح، لكن ما هو أهم هو إدراك الإسرائيليين أن "خيار اللا حرب" الذى سيقود حتماً إلى الأخذ بخيار التفاوض يتعارض مع المصالح الإسرائيلية التى تتحقق من خلال قيام الولايات المتحدة بشن حرب موسعة ضد إيران تدمر فيها قدراتها النووية والصاروخية وتضع حداً للخطر الإيرانى. لذلك يعمل الإسرائيليون على فرض خيار الحرب، ومنع حدوث خيار التفاوض، ولأنهم يعرفون مقدماً ماذا تعنى هذه الحرب ومخاطرها المؤكدة على المصالح الأمريكية ومصالح حلفاء واشنطن بل ومصالح الرئيس ترامب الانتخابية، فإنهم حريضون على البقاء خلف الستار لعدم تحمل مسئولية توريط الرئيس الأمريكى فى هذه الحرب فى حال فشلها، هم يريدون، بل وحريصون على أن يكونوا "خارج العاصفة" ويدفعون اللوبى الصهيونى فى واشنطن وتيار المحافظين الجدد فى الحزب الجمهورى والمتشددين فى إدارة ترامب على القيام بمهمة جعل الحرب هى الخيار الوحيد.
لذلك يمكن فهم أسباب الإنزعاج الشديد الذى أبداه الإسرائيليون إعتراضاً على تراجع الرئيس الأمريكى عن قراره بتوجيه ضربة عسكرية لإيران قبل عشر دقائق من تنفيذها فقط رداً على إسقاط إيران طائرة تجسس أمريكية مسيرة "درون" يوم الخميس الفائت. الانزعاج الإسرائيلى تضاعف بعد أن روى ترامب فى "تغريدات صاخبة" لماذا ألغى قرار ضرب إيران، فقد أعلن ترامب أنه "تراجع بعد أن علم أن عدد الأشخاص الذين سيقتلون من جرا تلك الضربة سيصل إلى 150 شخصاً". وقال "كان ذلك غير متكافئ بالنسبة للهجوم على طائرة مسيرة"، والمعنى المباشر أن ترامب يتحاشى التورط فى ضربة تكتيكية تؤدى إلى اندلاع الحرب. وتفاقم الإنزعاج الإسرائيلى بعد أن طالبت نانسى بيلوسى رئيسة مجلس النواب الأمريكى بـ "رد مدروس (على إسقاط الطائرة الأمريكية) من شأنه احتواء التوتر مع إيران مع إعطاء الأولوية للمصالح الأمريكية" وقالت "علينا أن نكون واضحين بالنسبة إلى طبيعة هذه المصالح"، أى أنها تحذر الإدارة من التورط فى حرب "تخدم مصالح الآخرين وتضر بالمصالح الأمريكية".
لم يستطع الإسرائيليون إخفاء انزعاجهم، ورغم أن كبار المسئولين الإسرائيليين من عسكريين وأمنيين وسياسيين التزموا الصمت لكنهم دفعوا خبراءهم الأمنيين للتضخيم من خطورة إسقاط الإيرانيين تلك الطائرة الاستطلاعية المتطورة جداً فى محاولة منهم لتحفيز الأمريكيين على حتمية الرد على نحو ما كتب "رون بن يشاى" فى الموقع التابع لصحيفة "يديعوت أحرونوت" اليمينية. فقد تعمد بن يشاى التحذير من خطر ما أسماه بـ "الهندسة العكسية" عند الإيرانيين، أى "القدرة على إعادة استنباط هذه الطائرة المتفوقة وتصنيعها إيرانياً على نحو ما سبق أن فعل الإيرانيون". ولفت المحلل الإسرائيلى إلى أنه "يوجد على هذه الطائرة جهاز رادار ومجسات ضوئية نهارية وليلية وكاميرات تصوير قادرة على التقاط الصور من ارتفاع نحو 20كم" موضحاً أنه بعد إسقاطها سيحاول الإيرانيون انتشالها ومؤكداً أنه "إذا ما نجح الإيرانيون فى وضع أيديهم على هذه الطائرة فمن المرجح أنهم سيعملون على إعادة إنتاجها، وربما ينقلون هذه التكنولوجيا إلى الصين وكوريا الشمالية"، فى محاولة لتحفيز "الجناح الصقورى" فى الإدارة على مراجعة الموقف الأمريكى المتردد فى المبادرة بخيار الحرب، على أمل أن يتورط الأمريكيون ويبقوا هم ملتزمين بحسابات البقاء خارج العاصفة لجنى الثمار فى حال نجاحها والتبرؤ من دفع الأثمان فى حال فشلها.

