بعد ترنح طويل، يعود "رجل القش" إلى قيادة حزب العمل الصهيوني، وهو الذي لم يحقق شيئا مهما في ولايته السابقة ربما يعتقد أنه "سيخرج الزير من البير" هذه المرة.
عمير بيرتس إذا يصبح رجل الساعة في قيادة حزب العمل، خلفا لآفي غاباي المطبوع بفشل كبير، ففي الجولة الانتخابية الأولى لقيادة العمل الصهيوني فاز بيرتس بتأييد 47 ٪ متغلبا على ستاف شافير وإيتسيك شمولي، الذين جمعا 26 ٪ لكل منهما، وساعد الإقبال المتدني بيرتس على الفوز في الجولة الأولى.
يأتي هذا الانتخاب بعد أكبر إخفاق انتخابي لحزب العمل في تاريخه في انتخابات الكنيست 21، بحصوله على ستة مقاعد فقط.
فمن هو رجل القش؟
أطلق الإعلام الصهيوني هذا المصطلح على عمير بيرتس تبيها له بشركات الفقاعات التي يطلق عليها حينئذ "شركات القش" لأنها بدون أي رصيد فعلي.
في تلك الأوقات (2005) كان بيرتس وبعد أن اطمئن إلى حل الكنيست واستقالة الحكومة، قد بدأ حملته الانتخابية مباشرة مظهراً الوجه الحقيقي لأشكنازي متطرف، وهو المولود في قرية مجهولة في أرياف المغرب، جاء إلى السياسة، من إطار شرقي نقابي أو بالأحرى شرقي متحوسل لا يختلف جوهرياً عن العصابة التي طالما حكمت " إسرائيل"، وهو أصلا قادم من رتبة نقيب في الجيش.
ولد في المغرب عام 1952 وهاجر مع أسرته إلى فلسطين عام 1956، انضوى مبكراً في شبيبة حزب العمل، ثم انضم إلى حركة (السلام الآن)، وفي عام 1983 أصبح رئيساً لمجلس بلدية سديروت ليصعد نجمه مع قلة شرقية أخرى في حزب العمل، وفي عام 1988 أصبح عضواً في الكنيست عن حزب العمل، وجدد له عام 1992، عام 1994 قاد مع حاييم رامون عاصفة في الحزب ضد قادته المتسلطين على الهستدورت بعد استفحال الفساد فيها، وخاض انتخابات الهستدروت في قائمة مستقلة ضد الحزب ونجح مع حاييم رامون، وبعد اغتيال رابين غادر رامون منصب رئيس الهستدروت والتحق بحكومة بيريز وصار بيرتس السكرتير العام، وشكل حزب (عام أحاد) - شعب واحد- وعاد للانضمام إلى العمل بعدها وحافظ على مقعده، عام 1998 أقيمت انتخابات الهستدروت وصار سكرتيرها العام، ثم عاد عام 1999 لخوض الانتخابات بقائمة منفردة وحصل على مقعدين في الكنيست مع اليميني يوسي كاتس الذي عاد إلى الليكود بعدها وعام 2003 خاض بيرتس الانتخابات على قائمة حزبه وحصل على ثلاثة مقاعد، ثم عاد عام 2005 إلى العمل ليشن حربه الخاصة المنتهية بهزيمة بيريز في انتخابات الحزب الأخيرة.
وقد وصل بيرتس إلى رئاسة العمل بعد أن شهد الحزب حالة من الصراع والتشرذم وغياب الاستقرار طوال خمس سنوات هزم فيها عام 2003 هزيمة ساحقة على يد الليكود وهذه الهزيمة كانت تتويجاً ومحطة في مسيرة التبعية لليكود التي عاشها فترة طويلة.
فهل يأمل بيرتس اليوم بتحقيق ما فشل فيه بالأمس، وهل سينجح في تقديم فوزه كانعكاس لتغييرات في المجتمع الصهيوني أم تغييرات في حزب العمل، أم أنها لا تتعدى موجة أخرى من المزاجية التي تتسم بها الساحة السياسية في الكيان؟
قد يجد القارء هذه الاحتمالات غير واقعية، كون حزب العمل حزب يحتضر بالأساس وليس له أي دور في الحياة السياسية ذا قيمة حاليا، ولكن الأزمة العميقة التي تضرب السياسة الصهيونية لاتقتصر على اليسار بل اليمين الصهيوني أيضا وبالتالي تبقى السياسة الصهيونية في مهب مختلف أنواع المتغيرات.
عموما يأتي بيرتس محملاً بماض ثقيل من أخطاء أسلافه ومعاركهم الفاشلة وهذه الأخطاء عددها أوري أفنيري:
غداة حرب 1967 رفض أشكول فرصة تاريخية لإحلال (سلام أنأااا) عبر اقتراح دولة فلسطينية، وفصل الأرض على السلام. وعام 1974 أقام بيريز أول مستوطنة في الضفة (كدوميم) تحولت إلى رمز لعار حزب العمل. وبداية السبعينات تجاهلت غولدا مائير إشارات السلام التي أبداها أنور السادات واستمرت تقول: «شعب فلسطين، لا يوجد شيء كهذا». وتلقف بيغن الفرصة، وعام 1982 أيد كل من بيريز ورابين، مناحيم بيغن وشارون في اجتياح لبنان وبعد سنة أيدا القرار الأحمق إقامة الحزام الأمني الذي أطال الحرب 28 سنة، الحرب نفسها التي رفض بيرتس مسامحة شارون لأجلها. وبعد أن استخلص رابين وبيريز العبر من الانتفاضة ووقعا اتفاقية أوسلو لم يلبثا أن دمراها مع حلفائهما. وبعد انتخابات عام 1996 لم يجد بيريز وسيلة ليثبت نفسه سوى قتل عشرات الأبرياء في قانا.
بعد رفض عرفات اقتراحات باراك المذلة عام 2000 في كمب ديفيد أعلن باراك أن الفلسطينيين: «يريدون إبادة إسرائيل ولا يوجد من نتحدث معه»، والنتيجة هزيمة العمل وصعود شارون إلى السلطة. منذ ذلك الوقت قضى العمل على نقابات العمال، وتحول بعد اغتيال رابين للعبة بيد الليكود، فما الذي لدى بيرتس لفعله؟
الانتخابات القادمة ستخاض من جديد تحت راية واحدة: التخلص من بنيامين نتنياهو، في تكرار ممل لانتخابات الكنيست المنحلة، لقد مضى زمن طويل على مغادرة بيرتس للهستدروت، وتراكم الغبار على أجنداته الاجتماعية الاقتصادية التي سبق وأن استخدمها فماذا لديه الآن؟
ولعل الأرقام تفيد مرة أخرى لفهم حالة "رجل القش" حيث ساعد كما في المرة السابقة الإقبال الضعيف على التصويت في فوز بيرتس وتوج رئيساً للمرة الثانية بعد فوزه في 13559 صوتاً، بينما هزم عضو الكنيست إيتسيك شيمولي وعضو الكنيست ستاف شافير الذي خاض الانتخابات ضده وحصل على 26 في المائة لكل منهما. بعد الفوز بنسبة 26.98 ٪ من الأصوات (8019 صوتا)، وهو الثالث مع 26.24 ٪ فقط (7799 صوتا).
هذه المرة، كانت نسبة إقبال الناخبين منخفضة للغاية وبلغت 45.6 ٪ فقط (29774 ناخبا)، مقارنة بمتوسط 60 ٪ في الانتخابات التمهيدية السابقة في الحزب. ربما ساعد هذا الرقم بيرتس في الفوز، لأنه يتمتع بدعم العديد من الناخبين المنظمين.
فيما يتعلق بالصلات المحتملة في كتلة يسار الوسط، فإن انتخاب بيرتس يعني أن العلاقة بين حزب العمل وحزب باراك ستكون أكثر صعوبة في التنفيذ، كان باراك يفضل أن يفوز شولي أو شافير بالانتخابات التمهيدية وبالتالي يمكن أن يؤدي إلى علاقة مباشرة أكثر بحزب العمال. الآن ليس من الواضح ما إذا كان مثل هذا الاتصال سينجح، خاصة فيما يتعلق بمن سيتولى القائمة.

