الخشية أن ينتقل الصراع على السلطة السياسية الذي يعم بعض دول المنطقة ويعمل بشكلٍ ملموس على تفكيكها، بأضعاف هيمنة الدولة الوطنية على كامل ترابها الوطني بما يجري فوقه من حروب بين القوى الإقليمية والدولية بالوكالة. الخشية أن ينتقل آلية مثل هذا الصراع وبأي شكل من الأشكال إلى الساحة الداخلية الفلسطينية، وذلك في حالة تعثر جهود المصالحة الوطنية وبقاء حالة الانقسام السياسي الذي طال أمده على وضعه الدائم من المناكفات السياسية لتتكرس فيه يومًا بعد يوم العديد من المظاهر الانفصالية التي قد تكون محصلتها النهائية استنساخ تجربة سياسية انفصالية حدثت على صعيد المستوى الإقليمي والدولي.
الشرط اللازم لتجزئة الكيانية الوطنية الفلسطينية التي أصبحت مشروعًا أمريكيًا صهيونيًا في إطار ما تهدف إليه ما تسمي بصفقة القرن، هو ديمومة الانقسام السياسي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، منعًا لإقامة دولة فلسطينية مستقلة تحقيقًا لمشروع حل الدولتين، الذي يحظى بإجماع دولي، والذي تخلت عنه إدارة ترامب المتصهينة، كما تخلت عن قضيتي القدس واللاجئين. وهكذا فإن تعثر جهود المصالحة الوطنية يشكل عامل تأمين لتحقيق الانفصال الذي سيصبح له إمكانية موضوعية كحل اقتصادي يتوافق مع الحلول الاقتصادية المطروحة للقضية الفلسطينية، وقد يجد في الساحة الفلسطينية من يروج له من النخب السياسية والثقافية الرجعية والجهوية، ومن رجال الأعمال من صفوف البرجوازية الوطنية الكبيرة الفلسطينية التي تتبنى برنامجًا سياسيًا عاجزًا عن تأمين متطلبات الصمود في مواجهة التحالف الإمبريالي الصهيوني الرجعي، حيث تميل جميع هذه الأطراف دائمًا إلى الحلول الواقعية التي يغلب عليها الطابع الاقتصادي جريًا وراء تحقيق المصالح الشخصية والفئوية. ومما يساعد على تحقيق هذا الحل الانفصالي المأساوي، هو غياب الترابط الجغرافي بين أراضي السلطة الفلسطينية كما نصت عليها اتفاقية أوسلو.
الغريب في الأمر أن تتعثر جهود المصالحة في وقت تجري فيه تطبيق خطوات فعلية في المخطط الأمريكي الصهيوني الرجعي التصفوي، فيتم قبل أيام انعقاد مؤتمر البحرين الاقتصادي بمشاركة عربية إسرائيلية، مما يجعل تجزئة الكيانية الوطنية الفلسطينية تأتي في توقيت مناسب للتحالف الإمبريالي الصهيوني الرجعي، وفي نفس الوقت، تدلل على هزيمة أولئك الذين يخوضون الصراع ضد المشروع الصهيوني باسم الخصوصية ال قطر ية الفلسطينية تعزيزًا للنزعة الإقليمية، بحيث يتحول الصراع من طابعه القومي إلى صراع فلسطيني إسرائيلي وهو ما يوفر الذرائع العربية أكثر لعمليات التطبيع مع الكيان الصهيوني.
الأسئلة التي تطرحها تعثر جهود المصالحة رغم ما تناقلته بعض المصادر أخيرًا عن حدوث انفراجًا في هذا الموضوع، الذي لم يعد الشارع الفلسطيني يعلق الآمال الكبيرة عليه بسبب اخفاقات الاتفاقيات الماضية. والأسئلة المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بما يجري داخل الساحة الداخلية الفلسطينية من سياسات وإجراءات، بل وتشمل اهتمامات العديد من دوائر الحركة الوطنية الفلسطينية: إلى أي مدى يعمل تعثر جهود المصالحة الوطنية التي ترعاها الشقيقة مصر عبر زيارة الوفد الأمني المصري بين فترة وأخرى إلى كل من غزة ورام الله؟ إلى أي مدى يعمل هذا التعثر في الوصول بالحالة الفلسطينية لصالح مشروع قيام دولة غزة وسيناء وهو الحل المطروح أمريكيا وصهيونيًا؟ وربما يكون هذا الحل هو السبيل الوحيد الذي يشكل مخرجًا لبعض الأنظمة العربية التي قطعت أشواطًا كبيرة في عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني للتخلص من عبء القضية الفلسطينية، والفكاك من قيود عجز النظام العربي الرسمي وقوى المجتمع الدولي من إيجاد حلول عادلة لها. ثم ومن يتحمل مسؤولية هذه النهاية الكارثية الذي سيصل إليها المشروع الوطني الفلسطيني في حالة تطبيق مثل هذا المخطط التصفوي التآمري؟ هل هي القوى السياسية الفلسطينية التي اقتصر دورها على المشاركة في مباحثات المصالحة دون أن تطوره في التأثير الفعلي لإنهاء الانقسام مما شكل عاملًا أساسيًا في استمراره طيلة هذه المدة؟ أم المسؤولية تقع وحدها على طرفي الانقسام فتح وحماس حيث عقلية استبعاد أسلوب الشراكة الوطنية والتمسك بالانفراد بمقاليد السلطة السياسية واحتكارها بشكل كامل؟
قد تكون هناك مسؤولية أخرى في تعثر جهود المصالحة تقع على الوفد الأمني المصري نفسه، باعتبار أنه لم يمارس أي ضغط فعلي مؤثر لإنهاء الانقسام، وبذلك يمكن وصف دوره بالضعف أو عدم الجدية المطلوبة، والاقتصار على نقل الرسائل وتحديد موعد المباحثات، وذلك بخلاف الدور الفاعل الذي يقوم به في موضوع التهدئة مع الاحتلال الإسرائيلي، حيث يعمل بكل جدية واهتمام على انتزاع ترويض فصائل المقاومة بما ينقله إليها من تهديدات نتنياهو والجنرالات الإسرائيليين.
أما الجماهير الشعبية الفلسطينية فلها نصيب كبير أيضًا في تحمل المسؤولية وليس على القوى السياسية وطرفي الانقسام السياسي تقع المسؤولية فقط، لأن كل طرف في الحركة الوطنية الفلسطينية يجب أن يكون له دور كبير في الحياة السياسية، وكان يجب على الجماهير المتضررة من حالة الانقسام أن تمارس دورًا ضاغطًا عبر حراك شعبي سلمي لإنهائه، ولكنها اكتفت بالقيام بدور المتلقي بما تحصل عليه من مساعدات مالية وإغاثية في مواجهة الهموم المطلبية المعيشية التي انهكتها!

