Menu

غسان كنفاني و"الكتلة التاريخية" كمفهوم ثقافي طبقي نقيض!

نصّار إبراهيم

غسان كنفاني

خاص بوابة الهدف

يشكّل المثقفون «الإسمنت العضوي الذي يربط البنية الاجتماعية بالبنية الفوقية ويتيح تكوين كتلة تاريخية» (أنطونيو غرامشي).

***

في كل مرة يحيي الفلسطينيون فيها ذكرى استشهاد كنفاني يعودون لاستذكار كتاباته ورواياته ومقولاته، هذه الظاهرة بقدر ما تعبر عن احترام وتقدير للشهيد كنفاني وإبداعاته، فإنها في ذات الوقت تستبطن شعورًا بالفراغ كتعبير عن المعضلات الجدية التي يعاني منها الواقع الفلسطيني سواء على الصعيد السياسي، والأخطر على الصعيد الثقافي.

الدور الأهم الذي لعبه غسان كنفاني عبر إبداعاته الأدبية والسياسية والعملية هي أنه مثل بتجربته الشاملة هذه مشروعًا ثقافيًا وطنيًا ثوريًا، وذلك من خلال  تبنيه  لثقافة ثورية واضحة هي على النقيض  من الثقافة الرسمية السائدة، فلم يسقط في بؤس التوليف بين الثقافة الثورية والثقافة الطبقية المهيمنة عربيًا، وقد بدا ذلك واضحًا منذ دراسته الرائعة "ثورة 36" التي كشف فيها عقم وخطورة الثقافة الرجعية السائدة والدور الذي لعبته في حرف وتبديد النضال الوطني التحرري الفلسطيني... لهذا فإن كتابات غسان كنفاني لم تتحول إلى بيانات سياسية أو شعارات حزبية ضيقة، إنه لم يجعل منها أداة للتكتيك السياسي، بل كانت تحمل مشروعًا ثقافيًا ثوريًا يؤسس الوعي الجماعي الفلسطيني ويشحذه، ولأنه كذلك فقد تحولت إبداعاته إلى دريئة أسمنتية ثقافية صلبة للقضية الوطنية الفلسطينية، لقد بقي غسان وفيًا لهذا الخيط الناظم في كل كتاباته، الأمر الذي جعل من إرثه الأدبي والسياسي مرجعًا لتعميق وحراسة الوعي الشعبي على المستويين الفلسطيني والعربي.

هذه الفكرة المحورية تصبح أكثر وضوحًا حين نتأمل بعمق سؤال غسان كنفاني المفجع في روايته "رجال في الشمس":  لماذا لم يدق أبو قيس وأسعد ومروان جدران الخزان وهم يختنقون في صهريج مقفل يشتعل سعيرًا تحت شمس الصحراء اللاهبة على حدود الكويت ...؟

كنفاني بسؤاله المراوغ هذا يحيلنا وبذكاء إلى سؤال نقيض: ماذا لو دق الفلسطينيون الثلاثة جدران الخزان فعلًا؟! ومن بمقدوره أن يجزم أن الفلسطينيين الثلاثة لم يحاولوا فعلًا دق جدران الخزان؟! فهل هناك من يسمع؟! وهل هناك من هو قادر على تغيير النتيجة في ظل البنى الطبقية المهيمنة؟! وما تعبر عنه من خيارات سياسية آنذاك؟!

هذا السؤال يضعنا مباشرة أمام اللحظة الرهنة بكل أثقالها وأسئلتها بما يتجاوز ربما أسئلة النكبة عام 1948، ذلك لأننا قد نجد لسياقات النكبة بعض التفسيرات أو التبريرات، مثل ضعف وعجز وتواطؤ الأنظمة العربية، أو ضعف الوعي العام في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني آنذاك، وما يرتبط بذلك من موازين قوى وغير ذلك.

 ولكن، ماذا عن الواقع الراهن؟! أي ماذا بعد أن اكتشف الفلسطينيون أن "خيمة عن خيمة تفرق"؟! أي حين تجاوزوا خيمة اللجوء إلى خيمة المقاومة... ماذا بعد أن خاضوا في المقاومة بكل أشكالها وقدموا التضحيات الكبرى، ومع ذلك وجدوا أنفسهم أمام خيارات سياسية لا تتجاوز حكم ذاتي وحصار وانقسام وصفقة قرن سقفها 50 مليار دولار يدفعها الأعراب مقابل فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني؟! كيف وصل الحال  الفلسطيني والعربي إلى استجداء التطبيع المفتوح والمفضوح مع إسرائيل..؟! ما هي البنى الاجتماعية الطبقية المهيمنة التي أوصلت إلى هذا الواقع؟! والأهم أين الثقافة النقيضة لهذا الانهزام والهبوط...!؟

فمع هيمنة خيار التفاوض والمساومات السياسية وصولًا إلى اتفاقيات أوسلو تعرض المشروع التحرري الوطني الفلسطيني في بعده الثقافي إلى حالة من الالتباس والضعف، هي انعكاس للخيارات السياسية التي شوشت وأربكت  ذلك المشروع، تمثل ذلك في الاقتراب والتقاطع والتحالف مع القوى التي  يراها ويتعامل معها الشعب الفلسطيني باعتبارها جزءًا من الحلف المعادي؛ القوى الإمبريالية العالمية والرجعيات العربية، زاد من عمق هذا المأزق والأزمة سياسة الترويج لإمكانية إنهاء الصراع مع المشروع الصهيوني بالمساومات والمفاوضات وتحسين العلاقات معه، فيما يواصل ذلك الاحتلال الكولونيالي الاقتلاعي سياساته المناقضة لكل حقوق ومصالح الشعب الفلسطيني.

هذه الحقيقة أربكت المشهد الفلسطيني، ففلسطين وقضية الشعب الفلسطيني كقضية تحرر وطني كانت تصطف دائمًا إلى جانب قوى التحرر الوطني العالمية والقوى التقدمية والديمقراطية، والشعب الفلسطيني بعد انطلاق ثورته المعاصرة مثل عربيًا الطليعة المقدامة للجماهير العربية، وهو بكل ذلك كان ملهمًا للمثقفين الفلسطينيين والعرب الذين استجابوا ثقافيا لهذه الحالة، وتفاعلوا معها مما شكل بنية ثقافية وطنية ثورية صلبة وعميقة.

كل هذا تعرض منذ أوسلو لهزة عميقة، تركت تأثيرات واضحة على مفهوم الكتلة التاريخية كمفهوم ثقافي نقيض للمشروع الصهيوني وحلفائه من قوى إمبريالية ورجعية وقوى طبقية متوحشة.

الهدف من تناول هذا البعد ليس الخوض في نقاش سياسي، بل مجرد تمهيد لنقاش البعد الثقافي في الصراع، ونحن نحيي الذكرى السابعة والأربعين لاستشهاد غسان كنفاني، وذلك من  أجل إعادة التذكير  بدور المثقفين الفلسطينيين والعرب في زمن الاشتباك في  فلسطين وعليها.

فإذا لم ينهض المثقف والمفكر والكاتب الفلسطيني والعربي الآن للحفاظ على فلسطين وحراسة الوعي وتحصينه، إذا لم ينهض كل هؤلاء الآن ويخوضوا الاشتباك بالمعنى الثقافي ضد القوى الخارجية والداخلية التي تستهدف، وبلا رحمة، تاريخ وحضارة وهوية ووعي  وحقوق الإنسان الفلسطيني والعربي.. فمتى سيأتي دورهم يا ترى؟!

الشعب الفلسطيني الآن بحاجة لذلك المثقف الذي يحترمه ويستمع إليه ويدخره كالقرش الأبيض لمثل هذا اليوم الأسود... فإذا لم نجده الآن في  دائرة الاشتباك الثقافي – السياسي فلأي شئ إذن نريده بعد ذلك؟!

الشعب الفلسطيني الآن بحاجة للمثقف الثوري حيث تتعرض فلسطين وقضية شعب فلسطين للاستباحة والتصفية، إنه بحاجة الآن للمثقف الشجاع الذي يقوم بدوره كنبي يبشر دائمًا بالثورة ويتصدى بعناد للثقافة البائسة التي تروج للهزيمة والتطبيع وتشريع المساومات مع الاحتلال وقوى الرجعية والاستعمار العالمي، أي المثقف الذي لا يبيع روحه، وموقفه، ولا يسقط في مصائد المغفلين المحكومة بتكتيكات اللحظة العابرة والمصالح الأنانية الضيقة.

في زمن الاشتباك... حيث رحى المواجهة يدور بكامل قوته، فإن غربال الصراع يهز الواقع والوعي بصورة عاصفة، وسيفرز الغث من السمين، المثقف الثوري من الانتهازي، المثقف الجرئ الشجاع من المثقف الهش والملتبس... حينها لن يحمي أي مثقف لقبه مهما كان صاخبًا إذا لم يبرر ذاته، ويبرهن على ذلك في ميدان المواجهة الثقافية الممتد.

من أخطر مظاهر تهافت الكثير من المثقفين العرب في هذه المرحلة هو انخراطهم بوعي أو بدونه في عملية تكيّف تشبه "التكيف الدارويني" (نسبة إلى تشارلز داروين صاحب كتاب "أصل الأنواع") وفق تعبير الكاتب البريطاني جون هاريس، أي كالنباتات الصحراوية التي تقوم بتكييف ذاتها بناء على واقع الظروف الصحراوية والجفاف. إنها لا تعمل على تغيير تلك الظروف المجافية، كما لا تعمل من أجل مغادرة الصحراء، وكل ما تقوم به هو التكيف معها لا أكثر... أو كالحرباء التي تغير لون جلدها لكي تتماهى مع البيئة المحيطة بها، إنها تقوم بتغيير ذاتها وليس تغيير البيئة، هذا لا يعني أن مهارة التكيف هي أمر سلبي دائمًا، فهي قد تكون الخيار الوحيد أمام تلك الكائنات، أو في مرحلة وظروف محددة، ولكن حين يتعلق الأمر بالمثقف، فإن قبوله بالتكيف مع الواقع ببناه الثقافية السياسية والطبقية المهيمنة، أو القبول بالمساومة على الفكرة أو الأيديولوجيا على حد تعبير لينين ، أو الانتظار لكي ينجلي غبار المواجهة  في محاولة للتغطية على الضعف أو العجز أو الإخفاق، فإنه سيذهب طوعًا أو كرهًا نحو الموت أو الغيبوبة الثقافية. هذه الممارسة تتناقض جذريًا مع دور ووظيفة المثقف الثوري، بما تعنيه من انشغال بأسئلة الواقع بما يحمي وعي الناس من جانب، وصدِّ هجمات التشويه والتدمير الثقافي من جانب آخر.   

حالة التمزق والجهل والعشوائية تجاه ما يجري في مجتمعاتنا العربية يشير إلى أن الكثير من المثقفين والكتاب يميلون للوعظ والفكر الغيبي أو الانتقائي أو الرغائبي وكأنه الحل... أو يذهبون لشتم الواقع وشتم الذات وكأن ذلك هو الرد والطريق للتغيير... بينما المطلوب ممارسة ثقافية تخوض المواجهة لحراسة الوعي وتحصينه وهزيمة الفكر أو الثقافة التي تحاول هزيمة الوعي واحتلاله. 

ذلك لأنه "من الضروري تجنب طرح القضايا طرحًا عقليًا محضًا" بدلًا من طرحها طرحًا سياسيًا تاريخيًا، وإلا ستبقى مجرد استبصارات وتأملات شخصية تمثل نوعًا من "رؤية الأحداث بعد وقوعها " (غرامشي – ص 123)..

الآن في زمن الاشتباك، حيث تجابه الأمة والمجتمعات العربية ومن ضمنها الشعب الفلسطيني الأهوال والويلات الاجتماعية والسياسية والثقافية والسلوكية، يغيب الكثير من المثقفين والمفكرين الذين كان من المفترض أن يكونوا عند خط الواجب الأول.

الآن في زمن الاشتباك تصبح أي مهادنة أو مساومة أيديولوجية مع الغيبيات والتكفير والتجهيل والشعوذة "الدينية" أو الاجتماعية وتبرير الهبوط السياسي نوعًا من خيانة، ضراوة المواجهة وخطورتها تستدعي أن يغادر المثقف المساحات والسياسات الملتبسة، والانتقال للفاعلية الثقافية دفاعًا عن قضايا الناس والشعب، فالمواجهة الفكرية الثقافية من أصعب وأعقد المواجهات، ذلك لإنها صراع على الوعي.

هذا التحدي الثقافي يواجه الآن مجمل المثقفين العرب والفلسطينيين، الذين عليهم أن يعيدوا النظر في دورهم ووظيفتهم، ومغادرة مصيدة "الفكر اليومي" وفق تعبير مهدي عامل.. ذلك "لأن الفن الرديء الذي يروّج له الصغار في حياتنا الآن، تحت أي شعار كان، لا يقلّ ضررًا عن السلاح الرديء"كما يقول محمود درويش".

لهذا تكون فئة المثقفين دائمًا عنوانًا للتجاذب وفرض الهيمنة عليها من قبل بنى الدولة أو الأحزاب السياسية، حيث تبذل كل طبقة جهدها لخلق مثقفيها الذي سيحملون ويدافعون ويبررون رؤيتها ومواقفها وسياساتها أو كسب وجذب المثقفين ليتبنوا خياراتها.       
هنا تجدر الملاحظة إلى أن الطبقة المهيمنة لا تلجأ دائما للهيمنة على فئة المثقفين بصورة مباشرة، ذلك لأن الطبقات تمارس كثيرًا تلك الهيمنة بصورة معقدة ومموهة، أي عبر البنى الاجتماعية العامة؛ بنى الدولة مثلًا (الدولة بما هي أداة سيطرة في يد طبقة على الطبقات الأخرى)، جهاز ومناهج التعليم، القضاء، الإعلام... منظومة الحقوق وغير ذلك... هذا بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني.     
لهذا فإن الطبقات التي لا تملك السلطة تجد نفسها أمام ضرورة بناء مثقفيها من خلال أحزابها السياسية، بهذا المعنى فإن الحزب السياسي يشكل الحاضنة التي تؤمن البيئة والشروط لبناء المثقف الذي سيعبر عن مصالح وحقوق البديل الاجتماعي – السياسي - الاقتصادي - والثقافي الطبقي لما هو قائم من اختلال وقهر وظلم واستغلال في الواقع. ولا يعني هذا أنه شرط مطلق بأن يكون المثقف عضوًا في حزب سياسي، فالمهم والحاسم هنا، هو أن يتبنى المثقف خيارًا اجتماعيًا وطبقيًا واضحًا يعبر عن رؤيته ومواقفه وممارسته الثقافية الواضحة بثبات.

ما تواجهه فلسطين والقضية الفلسطينية من مشاريع تصفية وما يعيشه الشعب الفلسطيني من حالة إحباط واهتزاز الثقة بالأداء السياسي، وما يعانيه من ضغوط اجتماعية واقتصادية، واستشراء ظواهر الفساد والإفساد والتناقض بين مفهوم الثورة والسلطة، إلى جانب الهشاشة والغياب الذي تعيشه المؤسسات الوطنية بدءًا من الأحزاب وصولًا لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية... كل هذا يلقي على عاتق المثقف الفلسطيني مسؤوليات كبرى لإعادة الاعتبار للمشروع التحرري الفلسطيني، بحيث تستعيد النخبة الثقافية دورها "كإسمنت عضوي" يربط ما بين البنى الاجتماعية الفلسطينية وبناها الفوقية، وذلك بهدف إعادة الاعتبار للكتلة التاريخية الشعبية التي تحمي فلسطين والقضية الفلسطينية من التصفية.

ومفهومُ "الكتلة التاريخيّة هو مفهومٌ ثقافيٌّ ضمن سياق ابتكار غرامشي لمفهوم "المثقف العضويّ" عبر تنفيذ استراتيجيّته لبناء "الهيمنة الثقافيّة المضادّة" للهيمنة الثقافيّة الطبقيّة السائدة (علاء اللامي - الكتلة التاريخيّة: ماهيّتها، سياقها، تعريبها السياسويّ – مجلة الآداب – 4 نيسان 2016).

ومع أن غسان كنفاني لم يستخدم هذا المفهوم بصورة مباشرة، إلا أن مضمونه انعكس بعمق في نصوصه الإبداعية، وشخوص رواياته، ومسرحياته، وقصصه القصيرة، ودراساته، وكتاباته السياسية، حيث تنحاز تلك النصوص دائمًا وبصورة حاسمة لقضية الشعب الفلسطيني التي يحمل أعباءها الفلسطيني العادي، البسيط، الكادح والمنتج ما يؤكد ويحيل دائمًا إلى البعد الطبقي في الصراع، لقد كان مشروع غسان الثقافي يقوم على ترسيخ الثقافة البديلة التي تحرس وتترجم هذا المضمون في مواجهة الثقافة الطبقية المهيمنة فلسطينيًا وعربيًا.

إذن، من أخطر المعضلات التي يواجهها المشروع التحرري الوطني الفلسطيني هو أن المثقفين الفلسطينيين  ابتعدوا عن لعب دورهم الثقافي العميق وانساقوا وراء التبرير لحالة التراجع والهبوط العام باسم الواقعية والتكيف مع الظروف، أو أنهم اكتفوا بالنقد العام والإحباط من الواقع، فيما المطلوب أن  يواصلوا بناء الثقافة البديلة والنقيضة للثقافة المهيمنة، وأن يقطعوا مع المقاربات الهشة السطحية والساذجة التي تكتفي بالخطاب الوطني العام والتوليف بين المتناقضات في سياق عملية تلفيق انتهازي بين القوى السياسية باسم الوحدة الوطنية، فيما المطلوب مواصلة بناء ثقافة تستجيب لمصالح غالبية الشعب الفلسطيني المتضرر من الاحتلال، ومن السياسات التي تمس الحقوق الوطنية الفلسطينية، ثقافة تشكل البديل للثقافة الطبقية المهيمنة التي أوصلت القضية الفلسطينية إلى ما هي عليه.