Menu

السلطة والتغيير أو درس مشيل فوكو

سعيد ناشيد

خاص بوابة الهدف

وفق مقاربة مشيل فوكو لمفهوم السلطة، وهي مقاربة لا تخلو من جدّة وتجديد، بوسعنا أن نستنتج بلغة مبسطة ما يلي: ليست السلطة جوهرًا متعاليًا يحلق فوق رؤوسنا، ولا هي بشيء قد نمتلكه في ظروف معينة، أو يحتكره بعضنا على حساب البعض الآخر، ليست السلطة غنيمة قد نغنمها أو نغنم منها ما تيسّر لنا في سياق غزوات موازين القوى، إنما السلطة هي في كل أحوالها روح تسري فينا جميعًا، فتنتشر في كل تفاصيلنا اليومية، ثم يملك كل واحد منا نصيبه من التواطؤ فيها، حتى وإن كانت تسحقه في الأوّل أو في الأخير. هكذا هي السلطة في معناها ومغزاها. إنّها ليست مربعًا كما يقال عند استعمال عبارة مربع السلطة، ليست دائرة كما يقال عند استعمال عبارة دائرة القرار، بالأحرى لا تتخذ السلطة شكلًا هندسيًا مغلقًا مثل الدائرة أو المربع كما هو التصور الشائع، إنما هي نمط من العلاقات المتشابكة بين الأفراد بنحو ينعكس على كل مستويات القوانين والعادات واللغة والأمثلة الشعبية إلخ.

لا تنحصر السلطة في مكان محدد، ولا تهبط علينا من فوق، لكنها تنتشر أفقيًا وعموديًا وتسري يوميًا في كل المسارات والساحات والمؤسسات، بدءًا من مخدع حارس السيارات وانتهاءً بمكتب قائد القوات المسلحة، بدءًا من منبر خطيب الجمعة وانتهاءً بمكتب مستشار الأمن القومي.

إن سر السلطة بمعناها الضيق لهو مجرد خدعة بسيطة: عليك أن تتصرّف كما لو أنك تتحكم في كل شيء، وعليك أن تتقن الدّور بما يكفي لكي يصدقك الآخرون. أما في مستوى الجوهر فلا أحد يتحكم في السلطة بنحو حاسم. ثم أن الحكم الجيد لا يقوم في آخر التحليل سوى على فن تدبير الانفلاتات بدل التحكم المطلق، والذي يبقى مجرد وهم إذا تضخّم دمّر كل شيء. إن سلوك الحكام ليس سوى قمة ظاهرة من هرم عريض يمتد في الأعماق ليشمل كل التفاصيل المرئية وغير المرئية للمجتمع: أنظمة الرّموز والدلالات، نمط الإنتاج الاقتصادي، نمط إنتاج الحقيقة، اللاوعي الجمعي، بنية الأسرة، إلخ. هنا يكمن مغزى مقولة تشرشل: كل شعب في العالم ينال الحكومة التي يستحقها. أو كما جاء في قول مأثور ينسبه البعض إلى الرسول: كما تكونون يولى عليكم.

مقصود هذا التحليل، أن النظام السياسي لا يتغير جراء تغير الحاكم، أو تغير المسؤولين أو طردهم –حتى ولو كان طرد بعض المسؤولين يحمل بعض الإنصاف أحياناً- إنما يتغيّر النظام السياسي جرّاء تغير تلك الرّوح التي تسري في كل الحيثيات والجزئيات التي نصادفها يوميًا. إنها مهمة صعبة بكل تأكيد، بل الأصعب، لأنها تراهن على تغيير العقول والأذواق رويدًا رويدًا. مهمة لا نملك من أهل الخبرة فيها سوى القليلين أمام كثرة الثرثارين، لكنها في الحساب الأخير تظل المهمة الثورية الفعلية بكل المقاييس. بدونها ستغدو الحملات الثورية مجرد حملات دونكيشوتية، أو حركات تدور في حلقات مفرغة فتعيد إنتاج نفس التسلط بأقنعة مغايرة.

إن كان منتظرًا من المثقف التنويري أن يكون شخصًا مزعجًا للسلطة، فإن التعبير الأدق أن يكون مزعجًا لروح السلطة كما هي سارية في كل التفاصيل، من القوانين الجنائية إلى تقاليد الزواج. فليس دور المثقف الثوري –من حيث هو مثقف أولًا- أن يكون معارضًا للسلطة بمعناها الضيق، ولا دوره أن يكون مؤيدًا لها؛ ذلك أن أفق المعارضة في الأخير يبقى هو السلطة. وليست هناك معارضة لا تضع السلطة هدفا لها. أما أفق المثقف التنويري فإنه يبقى خارج حسابات السلطة، إنه لا يحرض أحدًا على أي أحد، إنه ناقد عمومي للجميع، للدولة والمجتمع، للسلطة والرأي العام، للنخب والجمهور، إنه ناقد لروح السلطة بمعناها العام. ذلك أن التغيير بالمعنى الفوكوي ليس وسيلة مؤقتة لإقامة نظام نهائي ومطلق، بل هو عملية دائمة ومتواصلة، غايتها القصوى ألا تتوقف صيرورة الحياة.

لذلك سيكون التغيير عملية دائمة لا تنشد وهم الخلاص. إننا في واقع الأمر لا نستطيع أن نفعل الكثير لأجل بناء عالم أفضل. ستكون الخيبة مآل كل من يحلم بالخلاص الثوري، والذي يُصطلح عليه في الأدبيات الغربية بالمساء الكبير. لكننا -وكما ينبهنا فوكو نفسه- نستطيع دائمًا أن نتصرّف. ليس ضروريًا أن أؤمن بأن الجنة غدًا حتى أتصرف الآن. ذلك أن الإيمان بالخلاص الدنيوي هو أصل الإحباط الذي يصيب الكثير من الثوريين فيتحول بعضهم إلى عدمي ناقم على كل شيء، ويلجأ بعضهم الآخر إلى استبدال الخلاص الدنيوي بالخلاص الأخروي. علينا أن نتعلم درس التغيير: المهمة الأكثر ثورية في التاريخ أن نُعلم الناس كيف يفكرون؟ وكيف يختبرون أشكالًا أخرى من التفكير؟ ذلك أن تحسين شروط التفكير لديهم يقود إلى تحسين شروط الحياة نفسها، وكل هذا بعيدًا عن خرافة عصر ذهبي قادم في الأفق القريب أو البعيد.

الأمر هنا أشبه ما يكون بالثورة الدائمة في فكر تروتسكي، شريطة تحريرها هي الأخرى من عقيدة الخلاص الدنيوي، بحيث لا جنّة أرضية في الأفق، لا محطة نهائية للوصول. إن التغيير لهو صيرورة لانهائية كما يرى ألان باديو وقبله هيدجر ونيتشه وهيراقليطس. لكن، إذا كانت الحياة تميل إلى الصيرورة والتغير والتقلب فإن السلطة بمعناها الضيق وبحكم طبيعتها تبقى ميالة إلى الثبات، وحين تحقق السلطة الضيقة مرادها في الثبات فإنها سرعان ما تصبح قوة ضدّ الحياة. لذلك، لم يحدث في أي لحظة من اللحظات أن تطورت فكرة خلاقة من داخل الدائرة المغلقة للسلطة، وهذا ما يجعل السلطة –حين تكون سلطة حيوية- محتاجة إلى هوامش متحررة منها، وروافد مستقلّة عنها، تمنحها مياهًا متجددة وتجعلها -على الأقل- مكانًا صالحًا للحياة. ذلك أن السلطة الجيدة لا تصنع الفكرة الجيدة، لكنها تلتقطها في الأخير.

غير أننا لا نستطيع أن ننتظر ما قد تفعله السلطة الضيقة وما قد لا تفعله. علينا أن نساهم بأنفسنا كمثقفين تنويريين في تغيير روح السلطة بمعناها العام، متسلحين بمبدأ يعبر عنه مشيل فوكو بالنحو التالي: لا أحد اختارنا للكلام، لكن، هذا بالذات ما يمنحنا حق الكلام. مقصود مشيل فوكو -وهو ينطق هنا بلسان المثقف النقدي- هو الحديث الذي يثير في الناس إرادة الحياة في كل الظروف، وحتى في أسوأ الظروف. لذلك، نقول في آخر القول، الثوري بالفعل ليس من يصنع الشؤم والشكوى والتذمر، لكنه من يصنع الحياة، من يؤجج إرادة الحياة باستمرار، وذلك عن طريق الكلمات التي هي سلاحه الأوحد. وبعد هذا ليست مهمته أن يبشر الناس بوعود كبرى مثل الأنبياء، إنه لا يعلم إن كان سيحقق نتائج مبهرة خلال حياته، لكنه في كل أحواله يعيش معافى من داء اليأس، فيضمن لنفسه على الأقل، وفي آخر الحساب، حياة تستحق أن تُعاش.