واضح ان الموضوع السياسي لم يعد هو الأهم في جدول اهتمامات الأحزاب في خوض المعركة الانتخابية، رغم أن هذا العنوان كان الأهم في الحملات الانتخابية في السنوات السابقة على اعتبار أن عناوين الصراع وتحديدًا ما يطلق عليه قضايا الحل النهائي، كانت محل اختلافات بين الأحزاب، لدرجه أن الموقف من هذه القضايا كان ميزان لتصنيف الأحزاب يمين وسط يسار، وكانت القدس دائمًا الموضوع الأهم الذي استطاع اليمين من توظيفها لحصد أكبر نسبة من الأصوات، حيث كان شعار أحزاب اليمين تحديدًا الليكود أن اليسار سيقسم القدس، اليسار سيتخلي عن حق إسرائيل التاريخي في القدس وغيرها من الشعارات. أما في هذه الانتخابات فالقدس وقضايا الحل النهائي لم تعد علي الأجندة لتكون محلًا للنقاش الحزبي والشعبي، فلقد حسمت إدارة ترامب هذه الملفات وأزاحتها عن جدول أعمال الأحزاب، فعلينا أن نتخيل ماذا يمكن أن تقول الأحزاب عن الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة إسرائيل؟ هل يستطيع أي حزب صهيوني بغض النظر عن مواقفه السياسية يساري أو وسط غير قبول الموقف الأمريكي؟ فهل من الممكن والمعقول أن يكون مستوي الموقف السياسي للأحزاب الإسرائيلية الصهيونية أقل من مستوي الموقف الأمريكي الذي إلي جانب اعترافه بالقدس يعتبر أن الاستيطان شرعي وأنه ليس معيقًا للتسوية والتعاطي مع الضفة الغربية على أنها أرض متنازع عليها؟
بعد هذه المواقف لإدارة ترامب في قضايا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إذا ما أضفنا ضم الجولان للسيادة الإسرائيلية، بعد كل هذه المواقف ماذا تبقى للأحزاب الإسرائيلية للحديث حوله في إطار المنافسة الانتخابية؟ حاول نتنياهو وحزب الليكود وضع الملف السياسي ليكون أولوية وموضوع هام للنقاش الحزبي والشعبي، وأن يكون هو الملف المركزي الذي تدور حوله عمليات استقطاب الأصوات والشعارات الانتخابية وذلك لعدة أسباب:
أولها، اعتقاد نتنياهو والليكود أن موقف الإدارة الأمريكية هو نتيجة لجهود نتنياهو وعلاقته الشخصية مع ترامب، وقدرته على التأثير علي رجالات الإدارة وتغيير مواقفها السياسية. وثانيها، أن نتنياهو والليكود يريدون أن يهربوا من موضوع الملفات الفساد التي تطارد نتنياهو عند كل الأحزاب المنافسه والإعلام والجهاز القضائى.
الملفات الحيوية والرئيسية التي سيطرت على الحملات الانتخابية لكل الأحزاب تقريبًا التركيز علي الأشخاص ماضيهم وحاضرهم تحديدًا في الملفات الجنائية والأخلاقية، وليست مواضيع سياسية وأمنية، فلقد كان نتنياهو هدف كل الأحزاب، من حزب أبيض أزرق، إلي ميرتس، مرورًا بحزب العمل، نتنياهو وملفاته الجنائية وموعد تقديمه للمحاكمة وعلاقة زوجته بملفات الفساد، حيث يتم التعاطي مع نتنياهو على أنه شخص فاسد ساقط أخلاقيًا ليس لديه قيم.
في حين ركز الليكود على المنافس بيل جنتس زعيم حزب أبيض أزرق من خلال تسريب معلومات أمنيه، وهي أن إيران اخترقت جهاز الاتصال الخاص به، وأنه رجل رغم أنه كان رئيس أركان الجيش، إلا أنه إذا ما استطاع حماية جهازه الخاص، فكيف له أن يكون قادر على رئاسة الحكومة؟ كما تم التركيز عليه بأنه رجل مستجد، ليس لديه قدرات لقيادة دولة، وأنه شخصية بسيطة وغير محترفة.
في هذه الانتخابات وبعد عودة "إيهود براك" للحياة السياسية من خلال قائمة مشتركه مع ميرتس، زادت حدة التركيز على شخصنة الحملات الانتخابية، فلقد ركز "براك" في حملته الانتخابية بالهجوم على نتنياهو واصفًا إياه بالفاسد المرتشي عديم القيم، وكذلك يتطرق "براك" في كل حديث للإعلام بأنه عاد للعمل السياسي لإسقاط نتنياهو واليمين الذين يريدان تدمير الديمقراطية الإسرائيلية، من خلال تدمير المؤسسة القضائية: محكمة العدل العليا، والنيابة العامة، وتغيير قوانين الأساس التي تنظم عمل الجهاز القضائى. فيما استقبل الليكود "براك" بحملة انتخابية مركزه عليه من خلال طرح أسئلة تشكك في نزاهته المالية، وكذلك الكشف عن علاقاته مع أشخاص تورطوا في قضايا الاتجار في الدعارة .
باستثناء ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" الذي بعد فشل تشكيل الحكومة في الانتخابات السابقة على خلفية تمسكه بضرورة تحديد علاقة الدولة بالأحزاب الدينية، وإصراره على أن يتم تمرير قانون التجنيد لطلاب المعاهد الدينية، لم يطرح أي حزب منافس في الانتخابات مواقف سياسية أو أيدلوجية، حتى أن حزب العمل المحسوب علي اليسار، عقد زعيمه عمير بيرتس شراكة مع حزب جيشر اليميني العلماني، ولم يقبل بعقد تحالف مع الأقرب له سياسيًا وأيدلوجيًا، حركة ميرتس.
إجمالًا يمكن القول بأن الانتخابات الإسرائيلية لم تعد جذابة، ولم تعد محل اهتمام الإقليم والعالم على اعتبار أن أي حكومة إسرائيلية ستتشكل بعد الانتخابات، بغض النظر عن تصنيفها يمين/ وسط/ يسار لا تستطيع أن ترسم وتحدد المبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية لإسرائيل، وليست هي صاحبة القرار الأمني بإعلان الحرب هنا أو هناك، الواقع تغير وتجلي بوضوح أن الإدارة الأمريكية وحدها، صاحبة الحق والولاية لتقرر لإسرائيل، ولكل دول المنطقة سياستها الخارجية ومحاور الحلفاء والأعداء .

