في بدايات النصف الثاني من القرن الماضي شارف أحد المصانع في اليابان على الإفلاس، حيث كان يصنع أداة تقشير البطاطا (البطاطس)، ومن المعروف أن الصناعة اليابانية تشتهر بالجودة والدقة العالية والمتانة، وتحديدًا صناعة الأدوات الحادة من سيوف وسكاكين .. الخ. وقد اجتمع مجلس إدارة المصنع للتقرير بحالة الكساد التي يعيشها المصنع والتي كادت تصل به حد الإفلاس، وقدم أحد اعضاء المجلس تقديره للموقف الذي اعتبر صحيحًا من قبل أعضاء المجلس، حيث قال إننا نقدم منتوج بجودة عالية، والمستهلك قد لا يضطر لشرائه مرة أخرى، لأن منتوجنا فائق الجودة وغير قابل للخراب أو التلف ...الخ، ومن الواضح أن الجميع اشترى حاجته فكيف لنا أن نصنع أدوات جديدة؟ ولمن نبيعها؟ وكانت رؤيته للحل هو إنتاج نفس الأداة، لكن بجودة أقل من حيث خامتها، ومتانتها، ومقاومتها للكسر والتلف، وهو ما اصطلح لاحقًا على تسميته بتهشيش البضائع المنتجة، وذلك الأسلوب أصبح فيما بعد قاعدة اقتصادية عالمية، وتشبه إلى حد كبير كتاب ميكافيلي (الأمير) سيء السمعة.
فتهشيش البضاعة لضمان دورة الإنتاج مسألة لا أخلاقية بالمعنى القيمي والإنساني المجرد، بحيث ميلها لاستهلاك المواد والطاقة... الخ، فقط لضمان دورة حياة وربح متجدد لرأس المال، فنلاحظ الآن أن الاقتصاد العالمي برمته قائم على تهشيش البضاعة المُنتجة، بمعنى أن يصبح لها عمر افتراضي محدد، لضمان دورة مستمرة من الربح.
صحيح أن تهشيش البضاعة أدى لرخصها نوعًا ما، الأمر الذي شجع على الاستهلاك الذي أصبح بحد ذاته قيمة لها تداعياتها... فكلنا يذكر رتي القميص، أو البنطال، أو تصليح أي شيء تعرض للخراب، لكننا في الوقت الحاضر ومع تعزز النمط الاستهلاكي فقدنا قيم الصيانة، وتعززت لدينا قيم التخلي والاستبدال؛ فالقميص يمكن استبداله لو لمجرد إنه اتسخ، والمقص يمكن شراء غيره.. إلخ. المقصود هنا، أن قيم الصيانة ومحاولة إصلاح الشيء فُقدت لدينا أو لدى الغالبية.
ما نريد أن نصل إليه أن الصيانة لا تتعلق فقط بالمواد والأدوات، والاستهلاك لا يقتصر فقط على القضايا المادية، بل إن تلك القيم السلبية امتدت تداعياتها وتأثيراتها إلى أكثر البنى الاجتماعية، وإلى أدق العلاقات الإنسانية بما فيها العلاقات الحميمية. فالتعود على الاستهلاك والاستبدال أصبح السمة الرئيسية، بدلًا من الصيانة ومحاولة الإصلاح.
وفق الفهم العلمي، فإن البنى التحتية تؤسس لبنى فوقية، وإن كانت تستلزم مدى زمني ما، ما حدث إننا الآن نعيش في زمن كل شيء تقريبًا أصبح فيه هش. والهشاشة هنا لم تعد تقتصر على البضائع المُنتجة، بل طالت البنى الاجتماعية والقيمية والفكرية. فلا عجب أن نجد ببعض المجتمعات الغربية أن ما نسبته ٨٠ بالمئة من الزيجات تكون نهايتها الطلاق، فإنسان ما بعد الحداثة، ليس فقط لم يعد لديه وقت لصيانة العلاقات، بل إنه فقد قيمة الصيانة وكفاءتها، الأمر الذي خلق بنى اجتماعية هشة من أبسطها لأعقدها وأكثرها رقيًا مثل البنى السياسية التي باتت هشة، وبها درجة عالية من السيولة.
يضاف لما سبق، أن التطور التقني وثورة الاتصال والتواصل ونقل وتداول المعلومات، كلها ثورات وتغييرات عنيفة وحادة، ساهمت في حالة الهشاشة الراهنة للبنى الاجتماعية والقيمية والفكرية السائدة. فرغم ما حققته من قفزات نوعية في حياة البشر، إلا أن هناك الكثير من التداعيات والتأثيرات السلبية التي رافقتها.
في منتصف القرن الماضي اُخترع الووكمان (المسجل الصغير الذي يمكن اصطحابه معك في أي مكان)، وكان تحت شعار لن تكون وحيدًا بعد الآن، حيث يمكنك سماع الأغاني والذكريات وأصوات من تحب.. ومن وقتها إلى الآن وصلنا إلى أجهزة الاتصال الحديثة الراهنة، تحت نفس الشعار، لكن حين تناقش ذلك بموضوعية وعمق، تجد أن كل ذلك لم يتعدَ كونه إطارًا جديدًا من الوحدة وتعميقها. أنت في العالم الافتراضي تعيش وحدك، لا تستطيع أن تحل أي مشكلة. أنت فقط تحذف المشكلة، أو تحظرها. أنت تفقد كفاءاتك الاجتماعية، لأن من لا يعجبك أو يختلف معك ببساطة تنحيه جانبًا. أنت لا تتعلم كيف تختلف وتتنوع. انت تبحث عن ذاتك وفق ذاتك. أنت تتحاور مع نفسك، حيث أن كل المهارات الأخرى التي تفترض أن تختلف وتشتبك وأحيانًا تقبل وتتقبل الآخر وتتعايش معه شبه منعدمة، حتى العلاقات الإنسانية الحميمة التي من المفروض إنها قمة الشعور الإنساني أنت لا تعيشها إلا وهمًا زائفًا وفق معايير التزييف القائمة في العالم الافتراضي الذي انتقل تدريجيًا إلى عالمنا الواقعي.
كل ما سبق، أسس لإنسان عاجز وقاصر فقد كفاءة الصيانة والإصلاح، واستعاض عنها بالاستبدال والاستهلاك، وأمام مساحة الخيارات اللانهائية التي يوفرها العالم الافتراضي والعالم الاستهلاكي من حولنا باتت أدق العلاقات مشيّئة، ولها منطق استهلاكها، بما في ذلك علاقات الحب والاستعاضة عنها بتشييء الجنس، وتحويله عبر العقاقير والمستهلكات الإعلامية الأخرى إلى مجرد حالة استهلاكية لا أكثر، بحيث تحولنا لذوات وحيدة ومعزولة وعاجزة.
طبعًا المجتمعات الأخرى خاصة الغربية، تعيش "هاجس" إنسان ما بعد الحداثة، وما ترتب في بناه الشخصي من عجز وقصور نتيجة ذلك، أما نحن فلا زلنا كالريشة بمهب رياح عاصفة، قد نجد أنفسنا وأجيالنا القادمة كحالات ميئوس من انقاذها في ظل ثورة العصر ومتغيراتها، وما تحمله من آمال، وما تتضمنه من أوبئة تقتضي منا إمعان العقل فيها كي لا نجد أنفسنا عالة على التاريخ، إن لم نصبح خارجه.

