Menu

تقريرشهداء وآلاف الإصابات.. قنابل الغاز في أيدي قوات الاحتلال سلاح فتّاك

شهداء وآلاف الإصابات.. قنابل الغاز في أيدي قوات الاحتلال سلاح فتّاك

وكالات - بوابة الهدف

أصدر "مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المُحتلّة – بيتسيلم" تقريراً حول حالات الاستشهاد والإصابات جراء إطلاق قوات الاحتلال قنابل الغاز، على المُتظاهرين الفلسطينيين في مسيرات العودة الكُبرى منذ انطلاقها في 30 آذار/مارس 2018 وحتى حزيران/يونيو 2019.

في تقريره الذي أصدره، الثلاثاء 6 آب/أغسطس، أفاد المركز بأنّ وسائل تفريق التظاهرات التي تستخدمها قوات الاحتلال قد تحوّلت في أيدي عناصرها إلى سلاح فتّاك، ومنها قنابل الغاز المُسيل للدموع التي لم تُعدّ أبداً لكي تُصيب أجساد البشر.

وحسب التقرير، إنّ (7) مُتظاهرين على الأقل استشهدوا عقب إصابتهم بقنابل غاز في رؤوسهم أو وجوههم، ومن بينهم (4) قاصرين.

ووفقاً لقاعدة البيانات بإدارة "أوتشا OCHA مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة في هيئة الأمم المتحدة"، حتى يوم 28 حزيران/يونيو الماضي، إنّ عدد من وصلوا لتلقّي العلاج في مستشفيات قطاع غزة قد تجاوز (1600) مُتظاهراً أصابتهم قنابل الغاز في أجسادهم، وأكثر من ثلثهم أصيب في الأشهر الثلاثة الأولى لعام 2019.

ويُشير التقرير إلى أنّ قنابل الغاز المُسيل للدموع هي وسائل لتفريق التظاهرات، ويبلغ مداها ما بين مئة متر وبضعة مئات من المترات في حالة إبعاد المدى، ولم تُعد هذه القنابل لتكون سلاحاً فتاكاً، وتعليمات إطلاق النار على الأقل تلك المُصرّح بها كما تعليمات الاستخدام تمنع إطلاقها بتصويب مباشر نحو البشر، لأنه من الواضح أنّ مثل هذه الإصابة ستكون بليغة.

خلال الأشهر الماضية جمع باحثو "مركز بتسيلم" الميدانيّون في قطاع غزة إفادات من مُتظاهرين أصيبوا بقنابل الغاز، ومن شهود عيان على هذه الإصابات، يتبيّن من هذه الإفادات أنّ عناصر قوات الاحتلال يُطلقون –خلافاً لتعليمات إطلاق النار- قنابل الغاز بتصويب مباشر نحو المُتظاهرين، وأنهم يفعلون ذلك بشكلٍ روتيني.

كما تبيّن الإفادات أنّ الإطلاق يتم من مواقع أعلى من السياج الأمني العازل، من على سواتر ترابيّة أو أسقف الجيبات العسكريّة، أو عبر فتحات السياج نفسه، وسبق لـ "مركز بتسيلم" أن وثّق إطلاق قنابل الغاز بتصويب مباشر في الضفة الغربيّة والذي أدّى إلى إصابات بليغة واستشهاد شخصين على الأقل.

ويُشير المركز إلى أنّ إطلاق قنابل الغاز بتصويب مباشر لا يحدث كاستثناء ولا هو مقطوع السياق، وإنّما هو جزء من سياسة إطلاق النار المُخالِفة للقانون والأخلاق التي يُطبّقها الاحتلال منذ أكثر من سنة قرب السياج الأمني العازل في قطاع غزة.

وجاء في التقرير "هذه السياسة التي قُتل جرّاءها حتى اليوم أكثر من 200 متظاهر إضافة إلى آلاف الجرحى، هي سياسة مخالفة للقانون والأخلاق وتلوح من فوقها راية سوداء. رغم نتائجه الفتّاكة والمعلومة سلفاً يتواصل منذ أكثر من سنة استخدام الذّخيرة على هذا النحو الفتّاك - سواء كانت أعيرة ناريّة أو غيرها - نحو متظاهرين معظمهم عزّل ولا يُشكّلون خطراً على حياة عناصر قوّات الأمن المُحصّنين والمتواجدين في الجهة الأخرى من الشريط. إنّه مثال آخر على استهتار السلطات الإسرائيليّة وعدم اكتراثها بحياة الفلسطينيّين وسلامة أجسادهم."

 

إصابة محمد فسيفس (23) عاماً في الرأس

في يوم الجمعة الموافق 31/05/2019 نحو الساعة 15:00 وصل محمد فسيفس البالغ من العمر(23) عاماً، وهو من سكّان عبسان الكبيرة وعاطل عن العمل، إلى مظاهرة جرت قرب السياج شمال بلدة خزاعة.

عند السّاعة 15:30 تقريباً تقدّم فسيفس مع مجموعة من الشبّان حتّى أصبحوا على بُعد بضعة عشرات من الأمتار من السياج، بعضهم كان يرفع أعلام فلسطين ومن ضمنهم حنان أبو طيبة ( 30) عاماً من سكّان بني سهيلا ومتزوّجة وأم لأربعة أولاد، التي أدلت بإفادتها في 16 حزيران/يونيو أمام باحث "بتسيلم" الميداني خالد العزايزة قائلةً:

كان محمد فسيفس معنا، كنّا نهتف الشّعارات وعندها أطلق الجنود علينا قنابل غاز مسيل للدّموع من قاذفة مركّبة فوق أحد الجيبات العسكريّة، تساقطت قنابل الغاز قربنا فعدنا إلى الوراء، بعد ذلك تقدّمنا مجدّداً ووقفنا حيث كنّا فأطلق الجنود نحونا الرّصاص الإسفنجيّ. أصيب محمد فسيفس في كتفه وصدره ورجله، جاء مسعفون ونقلوه من المكان وقدّموا له العلاج في الميدان.

بعد مضيّ عشر دقائق عاد محمد ووقف معنا وكنّا نبعد عن الشريط بضعة عشرات من الأمتار. كان من حولنا عدد من الشبّان والشابّات. نحو السّاعة 16:30 رأيت مجنّدة تقف عند السياج، أطلقت نحونا ثلاث أو أربع قنابل غاز مسيل للدموع عبر فتحات الشريط. كنت أقف أمام محمد وتفصلني عنه بضعة أمتار. نظرت إلى الخلف ورأيته يقع أرضاً بعد أن أصابته قنبلة غاز في رأسه. تقدّمت منه. كان ينزف بشدّة من رأسه وجمجمته مُهشّمة. صرخت منادية المسعفين وأشرت لهم ملوّحة بالعلم الذي كنت أرفعه. جاء عدد من المسعفين والشبّان، تمّ تضميد رأس محمد وحمله إلى سيّارة الإسعاف على نقّالة.

 

إفادة محمد فسيفس:

أفقت بعد مضيّ ستّة أيّام فوجدت نفسي في قسم العناية المكثّفة في المستشفى الأوروبي. رأيت أبي إلى جانبي. سألني إن كنت أعرفه فأجبته بنعم. في اليوم التالي نقلوني من العناية المكثّفة إلى قسم جراحة الأعصاب. قال لي الأطبّاء إنّه من المحتمل أن أبقى مشلولاً في النصف الأيمن من جسمي. ذُهلت عندما سمعت ذلك وخفت كثيراً غير أنّني تمكّنت في اليوم التالي من تحريك جسمي وأطرافي. غمرتني السّعادة رغم الأوجاع التي عانيتها جرّاء الإصابة، بعد بضعة أيّام خرجت من المستشفى.

لا زلت أتناول الدّواء وأذهب للمراجعة في المستشفى. لديّ 13 غرزة في الجهة اليمنى من رأسي. أحياناً أشعر وكأنّ رأسي سينفجر من شدّة الألم وعندها أتناول مسكّنات الأوجاع. وأحياناً يصيبني دوار فأجلس فوراً حتّى ولو على الأرض. أخشى أن ترافقني هذه الأعراض لمدّة طويلة.

 

إصابة المسعف المتطوّع محمد أبو جزر (21) عاماً في الفك

في يوم الجمعة الموافق 8 آذار/مارس الماضي، نحو السّاعة 15:30 وصل المسعف المتطوّع محمد أبو جزر البالغ من العمر21 عاماً وهو من سكّان خان يونس إلى مظاهرة جرت شمال بلدة خزاعة. عندما كان في طريقه لإسعاف مصاب على بعد بضعة عشرات من الأمتار من الشريط أصابته قنبلة غاز مسيل للدّموع في فكّه.

إفادة محمد أبو جزر:

في ذلك اليوم عندما وصلت كان في المكان عدد قليل من المشاركين. عادة يرتفع العدد بعد السّاعة 16:00. بضعة عشرات من المتظاهرين تقدّموا إلى مسافة 30 متراً من السّلك اللولبيّ الشائك. كنت أقف مع مجموعة مسعفين من طواقم مختلفة على بُعد نحو 25 متراً خلف المتظاهرين وجمعينا كنّا نرتدي زيّ المسعفين الرّسميّ. نحن نتعمّد الحفاظ على مسافة بيننا وبين المتظاهرين لئلّا يصيبنا الرّصاص والغاز الذي يطلقونه على المتظاهرين.

نحو السّاعة 16:00 أصيب أحد المتظاهرين القريبين من السّلك اللولبيّ الشائك بعيار ناريّ في إحدى رجليه. المسعفون الذين كانوا في الموقع نادوني لأنّ معي نقّالة. في طريقنا إلى حيث سيّارات الإسعاف في شارع جكر رأيت شخصاً أصيب في رأسه من قنبلة غاز وكان على بُعد نحو 20 متراً منّي. تركت المصاب الأوّل واتّجهت إليه مع النقّالة برفقة مسعفيْن آخريْن.

عندما صرت على بُعد عدّة أمتار منه أطلق جنود قنابل الغاز نحونا. أحسست بقنبلة غاز ترتطم بفكّي. تركت النقّالة ووضعت يدي على فكّي. شعرت بآلام شديدة في الفكّ وأيضًا في الرأس وأصابني دوار. أمسكني المسعفان اللّذان كان خلفي لئلّا أقع أرضاً وساعداني على الابتعاد من هناك ركضاً بعيداً عن الغاز. كنت على وشك الإغماء. بعد أن أخرجوني من هناك أغمي عليّ. صحوت في مستشفى ناصر في خان يونس. قال لي الأطبّاء إنّ لديّ كسور في الفكّ. عالجوني وقدّموا لي مسكّنات للأوجاع وفي السّاعة 19:30 خرجت من المستشفى. لا زال فكّي يؤلمني وخاصّة أثناء تناول الطّعام كما أعاني من أوجاع في الرأس ودُوار.

عمر النجّار (26) عاماً من سكّان بني سهيلا، متزوّج وأب لولدين وهو مسعف متطوّع كان مع محمد أبو جزر عندما أصيب وقد أدلى بإفادته أمام باحث بتسيلم الميداني خالد العزايزة في 4.4.19، قائلًا:

قرب السّاعة 16:00 تقدّم بضعة عشرات من الأشخاص حتى صاروا على بُعد نحو 30 مترًا من السّلك اللولبيّ الشائك وكانوا يهتفون الشعارات. البعض منهم رشق الحجارة نحو الجنود الذين يعتلون سواتر ترابيّة مرتفعة في الجهة الأخرى من الشريط. وكان خلف الشريط عدد من الجيبات العسكريّة - اثنان منها كانا يطلقان قنابل الغاز المسيل للدّموع. أطلّ أحد الجنود من سقف أحد الجيبين وأخذ يطلق قنابل الغاز على النّاس. كنّا نقف خلف المتظاهرين على بُعد نحو 30 مترًا غربي موقع وقوفهم. أصيب أحد الشبّان القريبين من السّلك اللولبيّ الشائك بعيار ناريّ في رجله. تقدّمنا لمساعدته أنا ومحمد ومسعف ثالث. قدّمنا له العلاج الأوّلي وتمّ حمله على نقّالة.

في طريقنا لجهة الغرب رأينا مصاباً كان بين الأشخاص الذي اقتربوا من السياج، أصابته مباشرة - في عينه اليسرى على ما أعتقد - قنبلة غاز أطلقها الجنديّ الذي أطلّ من سقف الجيب. وقع الشابّ أرضاً. كنّا قريبين منه أنا ومحمد الذي كان يحمل نقّالة. عندما تقدّمنا نحو الشابّ أطلق الجنديّ الذي كان يقف فوق الجيب قنبلة غاز أخرى وأصاب محمد. وقع محمد وأمسكته. كان يضع يده على خدّه. أخذ الدّخان ينبعث من القنبلة فقط بعد أن أصابته ووقع على الأرض. أسعفت محمد وهو مستلقٍ على الأرض. كان يتألّم كثيرًا. بعد ذلك جاء مسعفون آخرون وحملوه على نقّالة إلى سيّارة الإسعاف المتوقّفة في شارع جكر. كان لا يزال في حالة وعي تامّ. بعد ذلك عدت أنا إلى الميدان وبقيت هناك حتى السّاعة 19:00 تقريباً.

معظم الإصابات التي شاهدتها في ذلك اليوم كانت إصابات مباشرة جرّاء إطلاق قنابل الغاز وكان آخرون قد أصيبوا جرّاء استنشاق الغاز.

استشهاد بسّام صافي (22) عاماً وإصابة المصّور منيب أبو حطب (23) عاماً في البطن

في يوم الجمعة الموافق 22 شباط/فبراير، أصيب شخصان بقنابل غاز مسيل للدموع أطلقها جنود نحو المتظاهرين خلال مظاهرة جرت شمال بلدة خزاعة. أحدهما بسّام صافي البالغ من العمر (22) عاماً من سكّان مُخيّم خان يونس للّاجئين. أصيب بسّام نحو السّاعة 17:00 بقنبلة غاز استقرّت في وجهه. في شريط فيديو نشرته مواقع التواصل الاجتماعي يظهر بسّام مستلقياً أرضاً والدّخان ينبعث من رأسه في منطقة قريبة من شارع جكر على بُعد 150 - 200 متر من السياج، تمّ نقله إلى المستشفى الأوروبيّ جنوب خانيونس حيث أجريت له عمليّة جراحيّة لإخراج القنبلة. ظلّ بسّام في غيبوبة طوال رقوده في المستشفى إلى أن استشهد مُتأثراً بجراحه في يوم 11 آذار/مارس الماضي.

إفادة مهنّد النجّار (19) عاماً من سكّان خان يونس وهو طالب جامعيّ يدرس علوم الحاسوب

في الجهة الأخرى من السياج كانت 4 - 5 جيبات عسكريّة. اثنان منها يطلقان نحو المتظاهرين دفعات ثقيلة من قنابل الغاز المسيل للدّموع. وكان عدد من الجنود يطلقون قنابل الغاز من قاذفات محمولة. أنا أعرف من تجربتي في المظاهرات أنّ قنابل الغاز التي يطلقها الجنود بواسطة القاذفات المحمولة تصل إلى مسافات بعيدة جدًّا وأحيانًا تسقط في منطقة خيام العودة.

القنابل التي تطلق من الجيبات مداها محدود واندفاعها أبطأ ولذلك يتمكّن المتظاهرون من تجنّبها. في ذلك اليوم أطلق الجنود ذخيرة حيّة أيضًا وأصابوا عددًا من الأشخاص. شاهدت أيضًا كثيرين أصيبوا جرّاء استنشاق الغاز المسيل للدّموع.

بين السّاعات 17:00-16:30 كنت أقف في منطقة شارع جكر وأتناول المكسرات. كان خلفي على بُعد بضعة أمتار منّي شابّ عرفت لاحقًا أنّ اسمه بسّام صافي. كان واقفًا ولم يفعل أيّ شيء. أطلق الجنود الذين يعتلون السّواتر عددًا من قنابل الغاز المسيل للدّموع وأصابت إحداها بسّام في رأسه. عندما نظرت إلى الخلف رأيته ملقًى أرضاً على ظهره وغاز كثير ينبعث من رأسه.

ركضت نحوه لكي أساعده لكنّ بدني قد اقشعرّ من المشهد الذي رأيته وأرعبني الغاز المنبعث من رأسه ولم أقو على الاقتراب. أخرجت هاتفي وأخذت أوثّق بالفيديو ما يجري. بعد أن خفّت كثافة الغاز اقترب من المصاب مواطنون ومسعفون أعتقد أنّهم من الهلال الأحمر. وضعوه على نقّالة وحملوه إلى سيّارة الإسعاف المتوقّفة في شارع جكر.

منيب أبو حطب (23) عاماً من سكّان خان يونس ويعمل مصوّراً صحفياً. وصل منيب إلى منطقة المظاهرة نحو السّاعة 15:00.

في يوم الجمعة الموافق 22 شباط/فبراير الماضي، قرابة السّاعة 17:00 شاهدت جنديًّا يطلق قنبلة غاز نحو المتظاهرين. بعد ذلك رأيت المتظاهرين يركضون نحو أحد المصابين. ركضت أنا أيضًا لأنّني كنت بعيدًا عنهم. عندما وصلت رأيت شابًّا ملقًى على الأرض على بُعد نحو 200 متر من الشريط ودخان كثيف ينبعث من رأسه. حاول الشبّان وقف الغاز وتقديم الإسعاف الأوّلي له. فيما بعد تبيّن لي أنّه بسّام صافي الذي حُمل إلى سيّارة الإسعاف.

بعد مضيّ بضعة دقائق تقدّمت نحو السياج لكي ألتقط صورًا للمظاهرة والمتظاهرين. وصلت إلى بُعد نحو 100 متر من السّلك اللّولبيّ الشائك وكان أكثر من مئة متظاهر على مسافة تراوحت بين 50 - 100 متر منه. كانت معي كاميرتان. ترجّل أحد الجنود من جيب عسكريّ وصوّب قاذفة قنابل الغاز نحوي ثمّ أطلق قنبلة أصابتني في بطني في الجهة اليمنى فوقعت على ظهري. كانت الكاميرا معلّقة من جهة ظهري ووقعت عليها فتألمت كثيرًا حتّى أنّني صرخت من الألم. أحسست كأنّ شيئًا يحترق داخل جسمي. تعرّقت كثيرًا وشعرت بدُوار. عندما وقعت وصرخت تقدّم لإسعافي عدّة مسعفين وشبّان. ضمّدوا جرحي وحملوني على نقّالة إلى سيّارة إسعاف متوقّفة في شارع جكر ومن هناك نُقلت في سيّارة الإسعاف إلى الخيمة الطبّية حيث فحصني عدّة أطبّاء ثمّ نقلت إلى المستشفى الأوروبيّ. وصلت إلى المستشفى أعاني حروقاً وانتفاخاً في مكان الإصابة. بعد عدّة أيّام خرجت من المستشفى.

ضمن عملي كمصوّر صحفيّ في مسيرات العودة، لاحظت في الفترة الأخيرة أنّ جنود الاحتلال يصوّبون قاذفات الغاز في معظم الأحيان مباشرة نحو المتظاهرين بقصد إصابتهم وليس بقصد تفريقهم.

 

إصابة جبريل الكفارنة (14) عاماً في الرأس

في يوم الجمعة الموافق 22 شباط/فبراير الماضي، وصل الفتى جبريل الكفارنة (14) عاماً - تلميذ في الصفّ التاسع من سكّان بيت حانون - للمشاركة في مظاهرة جرت شرق مخيّم جباليا للّاجئين. نحو السّاعة 16:00 أصابته قنبلة غاز مسيل للدّموع مباشرة في رأسه فأغمي عليه. نُقل جبريل إلى المستشفى الإندونيسي قرب المخيّم ومن هناك تمّ تحويله إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزّة. من بين المتواجدين في المكان أحمد الزعانين (27) عاماً من سكّان بيت حانون وهو متزوّج وأب لولدين ويعمل فنّي كهرباء.

 

إفادة أحمد الزعانين عن إصابة جبريل الكفارنة

كنت أقف على بُعد نحو 200 متر من الشريط ولم أتقدّم أكثر بسبب كثافة قنابل الغاز المسيل للدّموع والأعيرة الناريّة التي أطلقها الجنود نحو المتظاهرين. رأيت هناك جبريل الكفارنة وهو فتًى أعرفه من بيت حانون.

بين السّاعة 15:30 والـ 16:00 رأيت ابن عمّي يُصاب برصاصتين في رجله اليسرى ويقع أرضاً وفي اللّحظة نفسها رأيت قنبلة غاز تصيب مباشرة رأس جبريل الكفارنة وترتدّ إلى الخلف. كان جبريل يبعد عنّي مترًا واحدًا أو مترًا ونصف المتر. هو أيضًا وقع. لم أعلم إلى من ينبغي عليّ الذهاب لمساعدته أوّلًا جبريل أم ابن عمّي. جميع المتظاهرين فرّوا من المكان بسبب قنابل الغاز. تقدّمت سريعًا من جبريل الذي كان ملقًى أرضًا مغمًى عليه والدّماء تغطّي رأسه ووجهه. حملته وأخذته إلى سيّارة إسعاف كانت تبعد عنه بضعة أمتار.

عدت فورًا لكي أسعف ابن عمّي وحملته هو أيضًا إلى نفس سيّارة الإسعاف. صعدت إلى سيّارة الإسعاف لمرافقة جبريل. كان مغمًى عليه والمسعفون عاكفون على إسعافه داخل السيّارة. ضمّدوا رأسه وزوّدوه بالأوكسجين. وصلنا إلى الخيمة الطبّية ولكنّهم لم يستقبلوه بسبب خطورة إصابته. وضعوه في سيّارة إسعاف نقلته إلى المستشفى الإندونيسي شماليّ غزة ورافقته بنفسي. عندما وصلنا قرّروا تحويله إلى مستشفى الشفاء نظرًا لخطورة حالته فرافقته إلى هناك أيضًا. في مستشفى الشفاء أفاق جبريل لكنّه لم يكن في كامل وعيه. أجروا له صور مقطعية (CT)وأدخلوه إلى غرفة العمليّات وعندما جاء أفراد أسرته غادرت.

 

إفادة جبريل الكفارنة

كنت على بُعد نحو 200 متر من السياج جالساً على الأرض وأنظر شرقاً إلى المتظاهرين. كان السّاعة تقريبًا الرّابعة بعد الظهر. فجأة أحسست بدوار وضربة قويّة من جسم ما ارتطم برأسي. فقدت الوعي وعندما صحوت وجدت نفسي في قسم الجراحة في مستشفى الشفاء وحولي أفراد أسرتي. قالوا لي إنّ قنبلة غاز مسيل للدّموع أصابت رأسي وإنّني خضعت لعمليّة جراحيّة استغرقت 3 ساعات. كان لديّ كسر في الجمجمة. أحدثت القنبلة ثغرة في رأسي عمقها عدّة سنتيمترات. كانت إصابتي خطيرة وقد رقدت للعلاج في مستشفى الشفاء طيلة أسبوع تقريبًا. كانت حالتي صعبة - تشنّجات وأوجاع ودُوار وضيق تنفّس كما فقدت السيطرة على خروجي وكنت أتقيّأ عدّة مرّات في اليوم. لم أكن قادرًا على الوقوف ولا على تناول الطّعام. كنت آكل اللّبن أو أشرب العصير. لكنّ الأطبّاء عالجوني وتحسّن وضعي.

خرجت من المستشفى في يوم الخميس الموافق 28 شباط/فبراير ومنذ ذلك الحين ووضعي يستمرّ في التحسّن. ما زلت لا أستطيع المشي ولكنّني آكل أفضل من ذي قبل ونوبات الدّوار قلّت، أتناول مسكّنات الأوجاع بسبب آلام الصداع، لا أستطيع النوم بسبب الآلام، أقضي معظم اللّيل مستيقظاً.

حياتي الآن مشلولة بسبب الإصابة، لا أستطيع الخروج من المنزل واللّقاء مع أصحابي، قبل الإصابة كنت أركب الدرّاجة يوميًا وأزور عمّي وأصدقائي أو أجلب أغراضًا للمنزل، الآن لا يمكنني أن أركب الدرّاجة بتاتًا ولا أن ألعب كرة القدم مع أصدقائي في الحي، أتحسّر أحيانًا عندما أسمع صوت أصحابي يلعبون في الخارج، أتمنّى أن يكتب الله لي الشفاء العاجل لأعود وألعب معهم.

 

جدّة جبريل أميرة الكفارنة (61) عاماً هي التي ربّته واعتنت به بعد طلاق والديه. أدلت أميرة بإفادتها عن اليوم الذي أصيب فيه حفيدها وعن فترة رقوده للعلاج في المستشفى:

عندما وصلت إلى المستشفى كان جبريل في غرفة العمليّات وكان والده وأعمامه قد وصلوا قبلي. أخذوا يهدّئون من روعي ويصبّرونني وكانوا يسندونني لئلّا أتهاوى حيث أعاني من مرض السكّري وارتفاع ضغط الدّم كما أنّ لديّ مشاكل في الغدّة الدرقيّة وفي القلب. قال لي الأطبّاء إنّ وضع جبريل صعب ولذلك عندما خرج من غرفة العمليّات اطمأنّ قلبي قليلًا. بكيت كثيرًا وعانقته وقبّلته. لقد احترق قلبي عليه. كان جبريل لا يزال تحت تأثير المخدّر ولم يتكلّم أبدًا. بقيت إلى جانبه حتى منتصف اللّيل ولم أشأ العودة إلى المنزل وتركه هناك ولكنّ أولادي أخذوني إلى المنزل. خرجت من المستشفى وأنا أبكي.

رقد جبريل في المستشفى طيلة أسبوع وكنت أذهب إليه كلّ يوم منذ السّاعة 6:00 صباحًا لكي أطمئنّ أنّ كلّ شيء على ما يرام. عندما أفاق من الغيبوبة بعد يومين تقريبًا كنت إلى جانبه. تعانقنا وبكينا. قال لي "لا تبكي يا أمّي ها أنا قربك وبخير كما ترين". قضيت ذاك الأسبوع أبكي عليه، كنت إذا نظرت إلى ملابسه أبكي وإذا رأيت درّاجته أبكي. بكيت طوال الوقت ورَجَوْتُ الله أن يشفيه ويعيده إلى بيته سليمًا معافى.

عندما خرج جبريل من المستشفى وعاد إلى المنزل لم أصدّق أنّني أراه بصحّة جيّدة وفي البيت أمام عينيّ. من شدّة فرحي أخذت أغنّي وأصفق. كانت سعادتي لا حدود لها. من بعد الإصابة اعتنيت به أكثر من ذي قبل ودلّلته طوال الوقت. في اللّيالي كنت أنام إلى جانبه. لم أتركه حتى للحظة واحدة لأنّني خفت أن يصيبه شيء لا سمح الله. الحمد لله الذي أرجع لي جبريل ليملأ البيت سعادة وفرحاً.

من متابعة أجرتها باحثة "بتسيلم" الميدانيّة تبيّن أنّ جبريل الكفارنة وبعد مضيّ خمسة أشهر على إصابته لا يزال يعاني آلاماً شديدة وكثيرة وأنّه منذ إصابته أصبح قلقًا ويميل إلى ردود الفعل العصبيّة.

إصابة ص. ع. (12) عاماً في الساق

في يوم الجمعة الموافق 1 شباط/فبراير نحو السّاعة 13:30 حضر الفتى ص.ع. (12) عاماً وهو تلميذ في الصفّ السّابع من مخيّم جباليا للّاجئين ليشارك في مظاهرة جرت شرقيّ المخيّم. خلال المظاهرة رشق الحجارة بواسطة مقلاع نحو عناصر قوّات الأمن المنتشرين في الجانب الآخر من الشريط.

إفادة ص.ع. عن إصابته

قرب السّاعة الواحدة والنصف توجّهت إلى ساحة مسجد الخلفاء في المخيّم وصعدت إلى حافلة تقلّ المتظاهرين إلى موقع المظاهرة في أرض أبو صفيّة شرق المخيّم. كان عددنا تقريبًا 40 متظاهرًا. وبعد نصف ساعة أخذ يصل مزيد من المتظاهرين. تقدّمت في اتّجاه الشريط مع بعض المتظاهرين وأخذنا نرشق الحجارة. أنا أستخدم مقلاعًا وكنت أصوّب نحو جيب للجيش كان يقف وراء السياج. لاحقًا ذهبت مع عدد من المتظاهرين إلى الجزء الجنوبيّ من أرض أبو صفيّة. وقفنا أمام بوّابة السياج وأخذنا نرشق الحجارة نحو جيب للجيش وساتر يقف خلفه جنود في الجهة الأخرى من السياج.

عند السّاعة 16:30 تقريبًا عندما أردنا العودة إلى الوراء والذهاب إلى البيت اقترب جيب إطلاق الغاز المسيل للدّموع وترجّل منه جنديّ صوّب نحونا سلاحه وأطلق علينا قنبلة غاز. استلقيت على الأرض على بُعد بضعة أمتار من الشريط ومعي تقريبًا سبعة متظاهرين آخرين. أحسست بقنبلة غاز تصيبني في ساقي اليمنى. حملني الشباب فورًا وكان الغاز ينبعث من رجلي لكنّهم وضعوني بعد لحظة لأنّهم استنشقوا الغاز المسيل للدموع. أخذوا يسحبونني من طاقيّة بلوزتي لكي يُبعدوني عن الشريط ويقدّموا لي الإسعاف. بعد أن أبعدوني عدّة أمتار جاء مسعفون وحملوني على نقّالة. أحسست بحرق في رجلي. أخذني المسعفون إلى الخيمة الطبّية حيث تلقّيت الإسعاف الأوّلي ثمّ نُقلت إلى مستشفى العودة في المخيّم. هناك أجريت لي عمليّة جراحيّة لإخراج القنبلة التي كانت منغرسة في رجلي اليمنى. كان في رجلي حفرة فوق الرّكبة في الموقع الذي أصابته القنبلة وكنت أعاني أوجاعًا شديدة. ما زلت أرقد في المنزل وأعاني جرّاء الإصابة بقنبلة الغاز.

إفادة والدة الطفل (ص.ع)

عندما وصلت إلى المستشفى كان ص. يرقد في سرير ويعاني أوجاعًا شديدة. أدخلوه إلى غرفة العمليّات وعندما خرج قال لنا الأطبّاء إنّ حالته خطيرة جدًّا وإنّهم قطعوا العضلات الأماميّة في رجله. ذُهلت عندما سمعت أنّ قنبلة الغاز كانت مغروسة في فخذه. بعد مضيّ يومين نقلوه إلى عيادة "أطبّاء بلا حدود" في المستشفى بسبب وضعه الحرج، بقي هناك مدّة أسبوعين تقريبًا وخضع خلالهما لعدّة عمليّات جراحيّة. بقي والده معه هناك طوال الوقت وكنت أنا آتي في السّادسة صباحًا وأبقى حتى منتصف اللّيل. كنت منهكة وحزينة وأدعو له بالشّفاء، لم أتمكّن من الاعتناء بإخوته الأصغر منه أو بالمنزل، كنت مشغولة فقط به، في كلّ يوم كان أولادي يسألونني هل سأكون في البيت لدى عودتهم من المدرسة فأقول لهم إنّني سأكون عند ص. في المستشفى.

منذ إصابته لا يستطيع ص. المشي بدون عكّازين أو التنقّل سوى في كرسي عجلات، كما أنّه لا يذهب إلى المدرسة ويقضي معظم وقته في السّرير وإذا خرج ليستنشق الهواء يعود بعد قليل ويقول إنّه انزعج لأنّ الجميع ينظرون إليه بسبب العكازين. ص. كان يحبّ ركوب الدرّاجة ولكنّه لا يستطيع ذلك الآن. أنا ألاحظ كم هو حزين ومكتئب عندما يرى بقيّة الأولاد يلعبون. كذلك مرّت فترة كان يعاني فيها من الكوابيس فيصرخ في اللّيالي ولذلك صرت أنام إلى جانبه وأحضنه. أريد له أن يعود إلى المدرسة وأن ينهي الفصل الدراسي مثل أصدقائه وزملائه وأن يمشي على رجليه من جديد ويعود ليمارس حياة طبيعيّة.