في مثل هذا اليوم الخامس عشر من آب/أغسطس 2005، قام الكيان الصهيوني بتفكسيك مستوطناته في قطاع غزة وسحب جميع المستوطنين والقوات العسكرية، في إطار خطة أريل شارون "فك الارتباط" التي أثارت الكثير من ردود الفعل والمعارضة في الكيان الصهيوني ولكن الحقائق تظهر أن ما حدث في ذلك الوقت لم يكن انسحابا أبدا، ولكنه كان ليس أكثر من إعادة إنتاج الاحتلال بطرق أخرى تناسب الكيان الصهيوني أكثر كما اعتقد في ذلك الوقت رغم أن وقائع التاريخ تنفي هذا الاحتمال أيضا.
كانت خطة فك الارتباط نموذجا آخر للعقل المحتل، لإعادة انتاج نظام التحكم والسيطرة على الأرض المحتلة وسكانها دون التورط المباشر فيها، وهي خطة تعكس المسعى الصهيوني الدائم المتمثل بالنظر إلى الأراضي المحتلة والناس تحت الاحتلال كمادة للتجريب والفعل دون الاعتراف بحقوقهم ووجودهم.
في ذلك اليوم بدأت العملية لتنهي التواجد الاستيطاني والعسكري الصهيوني المستمر منذ 1967، حيث كان الكيان قد أنشأ في هذه المدة حوالي 21 مستوطنة زرعت فيها أكثر من 9000 مستوطن صهيوني.
كان القرار نتيجة مباشرة لكلفة الاحتلال الباهضة، حاول الكيان عبرها، وعبر وضع سحب المستوطنين تحت عدسات الكاميرات تصدير صورته للرأي العام العالمي بأنه مستعد للتسوية وإنه يريد "إحياء عملية السلام".
ولكن كيف تبدو الصورة بعد أربعة عشر عاما؟ حيث ما يزال الكيان يحتفظ بسيطرة كاملة على الحدود البرية والبحرية والمجال الجوي للقطاع وسط حصار مطبق يخضع له سكان القطاع عبر احتلال "التحكم عن بعد" الذي يخنق الغزيين ويدمر حياتهم.
لم تكن خطة "فك الارتباط" الشارونية، وليدة الصدفة، ولكن كان التفكير بها قد بدأ منذ الانتفاضة الثانية عام 2000 حين طرح شارون لأول مرة فكرته.
ورغم ذلك كان شارون قد روج في دعايته الانتخابية في عام 2003 دعمه لاستمرار السيطرة على القطاع زاعما أن "مصير تل أبيب هو مصير نتساريم" ولكنه غير رأيه بعد الانتخابات زاعما فيما بعد أن "الغرض من خطة فك الارتباط هو الحد من الإرهاب قدر الإمكان، ومنح المواطنين الإسرائيليين أقصى درجات الأمن".
وأضاف شارون "ستؤدي عملية فك الارتباط إلى تحسين نوعية الحياة [الإسرائيلية] ، والمساعدة في تعزيز الاقتصاد الإسرائيلي ، [...] ستزيد من الأمن لسكان إسرائيل وتخفف الضغط على جيش الدفاع الإسرائيلي [قوات الدفاع الإسرائيلية] ] وقوات الأمن ".
انتقل شارون لتنفيذ خطته عمليا بعرضها على الرئيس الأمريكي حينها جور بوش الإبن وشملت أ]ضا تفكيك أربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.
كان بنيامين نتنياهو من أشد معارضي الخطة عند مناقشتها في المنيست ومنحها الموافقة المبدئية، نتنياهو الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية هدد بالاستقالة من الحكومة في حال امتناع شارون عن طرح الخطة لاستفتاء عام، ولكنه تراجع عن تهديداته زاعما أن "الوضع الجديد" الذي ينبؤ به رحيل الرئيس ياسر عرفات الذي توفي في 11 تشرين ثاني 2004.
بدأ الكيان تنفيذ الخطة عمليا في مثل هذا اليوم عام 2015 حيث أعلنت غوش غطيف منطقة عسكرية مغلقة وكذلك تم إغلاق معبر كيسوفيم، الشريان الرئيسي الذي يربط المستوطنة بالميان.
وبحلول 22 من الشهر كان الإخلاء قد اكتمل إلى حد كبير، ودمر الجيش الصهيوني آلاف الوحدات الاستيطانية وغيرها في المستوطنات وفي 21 أيلول أعلن العدو عن القطاع "منطقة خارج القانون" وعينت المعابر إلى القطاع كحدود دولية تتطلب وثائق سفر.
ورغم أن "فك الارتباط" كان سابقة تاريخية إلا أنه كان بداية حصار مطبق على قطاع غزة من جميع النواحي، حصار مدمر تخلله ثلاث عمليات عسكرية كبيرة أحدثت دمارا أكثر من 38 عاما من الاحتلال للقطاع.
يزعم الكيان الصهيوني في سرديته المعلنة عن "فك الارتباط" إنه منح الفلسطينيين فرصة ذهبية ليصبحوا مزدهرين اقتصاديا، وكان العدو يقصد منشآت ادفيئات التي تركت خلف المستوطنين والتي أنتجت فعليا ما يعادل 20 مليون دولار من الخضروات والفواكه جاهزة للتصدير إلى أوروبا وما وراءها، معظمها تعفن في الخريف بينما كانت تنتظر عمليات التفتيش الأمني في معبر كارني الحدودي، و وفقا لتقديرات الأمم المتحدة ، تم تصدير أربعة في المائة فقط من موسم الحصاد.
في كانون ثاني/ يناير 2006 ، أجريت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني وفازت فيها حركة حماس كما هو معروف، بـ 74 مقعدًا من أصل 132 مقعدًا ، وعين إسماعيل هنية رئيسا للوزراء في السلطة الفلسطينية.
وبحلول شهر شباط/ فبراير ، كانت "إسرائيل" قد علقت نقل الرسوم الجمركية إلى السلطة الفلسطينية، وفرضت قيودًا على سفر أعضاء حماس في غزة، بعد أن رفضت فتح التعاون مع الحكومة التي تقودها حماس وقادت الأحدث إلى الانقسام المشؤوم في جزيران/يونيو 2007 .
في نهاية عام 2007 ، قامت حكومة الاحتلال بإغلاق حدود غزة بالكامل، مما جعله تحت حصار صارم استمر حتى اليوم. ليستمر خنق غزة على مدى 12 عاما، وثلاث عمليات عسكرية وأكثر من 4000 شهيد، وما لايمكن إحصاءه من الهجمات الجوية وأدى هذا مع الحصار وسوء الإدارة والفساد الداخلي ومنع الاستيراد إلى تدمير البنية التحتية الصحية وأصبح أكثر من 54% من الشكان عاطلين عن العمل، في حين يعيش 53 في المائة تحت خط الفقر الرسمي البالغ دولارين في اليوم.
في الكيان الصهيوني يستمر النظر إلى فك الارتباط على أنه خطأ ، ليس بسبب الظروف الإنسانية القاسية التي تؤثر على الفلسطينيين في أعقابها، ولكن لأنها لم تحقق أي "ميزة أمنية أو دبلوماسية" للكيان.
واليوم يدعو العديد من السياسيين الصهاينة يوميا تقريبا إلى إعادة احتلال القطاع، ويبدو أن هذا موجود فعليا ضمن ثلاث فك الارتباط وإعادة بناء المستوطنات هناك. ويعتبر هؤلاء أن هناك فرصة لتصحيح خطأ شارون التاريخي ووضع الفلسطينيين مرة أخرى تحت الحكم العسكري.

