تبدو لنا بعض الكلمات واضحة في ذاتها ولا تحتاج إلى تفسير، مثل: الثقافة والوطنية والسياسة.. ربما كان الأمر صحيحًا لولا أنَّ الحاجة العملية تطرح بعض الأسئلة حولها، أو أنَّ تطبيقها العملي يكشف بين الحين والآخر عن بعض الغموض، والأساسي في هذا أنَّ تلك الكلمات الثلاث "وما يُشتق منها"، لا تتضح إلا في تطبيقها العملي الذي يتجاوز، دائمًا تعريفاتها النظرية مهما بدت دقيقة.
الوطني والسياسي والثقافي
قد تُعطي الكتب والدراسات هذه الكلمات تعريفات محدودة، وقد يتحمس لهذا بعض "المثقفين المختصين"، الذين يستظهرون ما تقول به الكتب، غير أنَّ تجربتنا الفلسطينية تُعطي رأيًا آخر، جاء به تاريخنا الوطني، الذي أظهر دائمًا وحدة عضوية وعفوية بين الثقافي والوطني، وبينهما معًا والقضايا السياسية.
انطلق أبو سلمى ومطلق عبد الخالق وإبراهيم طوقان وغيرهم من الشعراء، من الحسِّ الوطني العام مما كان يشعر به ويحسه أبناء شعبهم، لا من الكتب والدواوين الشعرية؛ ذلك أنَّ الثقافة الوطنية إحساس ومشاعر ومعرفة، في آن، فهي ليست صناعة، ولا يمكنها أنْ تكون صناعة إلا لدى دول مُغتصبة أو حركات سياسية مصطنعة.
صدرت عن وحدة الثقافي والوطني بعد نكبة 1948، ثقافة المنفى والرد عليه، وثقافة اللجوء والمقاومة، على اعتبار أنَّ ثقافةَ المضطهدين فعلٌ يتضمن النقد والتحريض والمقاومة. لم يهجس الفلسطينيون في زمن ما بعد النكبة، بما يُدعى "المشروع الثقافي"، كانت ثقافتهم تعبيرًا عفويًا عمّا عاشوه واصطدموا به بعد ضياع الوطن.
إنَّ ما يُدعى المشروع الثقافي، وهو مرآة لفعل مستقبلي، لا معنى له إلا في حال وجود تنظيم وطني – سياسي، غايته استمرارية الفعل الوطني والارتقاء به، والثقافة بهذا المعنى لا تُختصر في علاقات القراءة والكتابة، كأنْ يستظهر الفلسطينيون قصائد شعرائهم، إنّما يُقصد بذلك، وحدة الوعي والقيم والمعرفة والأخلاق؛ ذلك أنَّ الفلسطيني الجدير بوطن، إنسانٌ نوعي يرتقي أخلاقيًا وسلوكيًا قبل أنْ يفتخر بقراءة كتاب أو يتباهى بانتسابه إلى تنظيم.
وعلى الرغم من أنَّ الفلسطينيين تحدثوا كثيرًا، بعد ظهور المقاومة المسلحة عام 1965، عن "المشروع الثقافي الفلسطيني"، فإنَّ هذا المشروع تبقّى عائمًا أو ضيّق الحدود لأسبابٍ مختلفة، عاد ذلك رُبما إلى تعدد التنظيمات التي قامت على التنافس لا على التكامل، وعلى التعصب لا الحوار، وتلك الموالاة "التي اقتربت أحيانًا" من حدود العشائرية والقبائلية، ما بدد جهودًا كبيرة، عوضًا عن أنْ يوحّدها ويبنى منها "كتلة متفاعلة مبدعة ومتجددة".
وإذا كانت ضبابية المشروع الثقافي في وجه منها إلى الانقسام وغياب الوحدة، فإنَّ وجهًا آخر عاد إلى "تصور خاص" للعمل المسلح، حيث اعتُبرت البندقية في ذاتها ثقافة، والذي يُحسن استعمالها أفضل من "المثقف الأكاديمي"، كما لو كانت الرصاصة فعلًا آليًا لا يحتاج إلى تفكير، من هُنا جاء ذلك الشعار الغريب العجيب "بالدم نكتب لفلسطين"، كما لو كان "الحبر" مادة مستسلمة يكتُب بها ناس لا يهتمون بالعودة إلى فلسطين.
ولعلّ العلاقة بين الكتابة النقدية المسؤولة، وهي فعلٌ وطني بامتياز، هي التي أوجدت صورة غسان كنفاني الكاتب -القائد والأديب- المحرّض، وتلك الطاقة المبدعة المتعددة التي جمعت بين الرواية والقصة والمسرحية والكتابة عن الأدب الصهيوني وشعراء الأرض المحتلة وثورة 1936، وجمعت تاليًا بين الثقافة السياسية والإبداع والمقاومة. صدر إبداع الأديب الشهيد عن حسّ وطني فطري، وتأمل في تجربة المنفى، وعودة إلى تاريخ فلسطين، ومساءلة جادة إلى تاريخ الحركة الصهيونية.. انتهى غسان إلى كتابة وطنية جامعة؛ لأنَّه قرأ الظواهر جميعًا من وجهة نظر وطنية، وبوعي ناقد يميّر بين الفلسطيني الذي يحمل مسؤولية عودته، عن "الآخر" الذي يجعل قضيته مسؤولة عنه، أو يحوّلها إلى "مهنة" قليلة الأسئلة.
أما المشروع الثقافي؛ فيقوم نظريًا على أربعة عناصر أساسية: أولها؛ اعتبار الوحدة الوطنية فعلًا ثقافيًا يستلزم وعيًا بأهمية الوحدة وإدراكًا لغيابها أو تعثرها أو ضعفها، فالفلسطيني المثقف هو الذي يتمسّك بوحدة الفلسطينيين، ويدرك أنَّها قاعدة الكيان الفلسطيني، والشرط الأول له. وثاني العنصريْن تتمثل بالاعتراف أنَّ الوحدة تتضمّن التعدد والاختلاف في الآراء، وأنَّ الحوار ضامن للوحدة، وفعل وطني معين، بل إنَّ غياب تعددية الرأي، إفقارٌ للوحدة واختصارها في موقف وحيد عاجز بالضرورة، عن التماس سُبل الحقيقة.
لا مشروع ثقافي فلسطيني، وهنا العُنصر الثالث، إلا بذاكرة وطنية تصطف ثقافة الحاضر على ثقافة الماضي، وكفاح الحاضر على كفاحٍ سبقه، وتقرأ الماضي من وجهة نظر قضايا الحاضر؛ ذلك أنَّ شعبًا لا ذاكرة له، لا تاريخ له، وأنَّ الذاكرة التاريخية تحوّل دروس الماضي، إلى أدواتٍ فاعلة، في كفاح الحاضر.
ومما لا شكّ فيه أنَّ الذاكرة الفلسطينية هي مجموعة ذواكر: ذاكرة الأرض والكفاح والشقاء والهزيمة والمنفى وإرادة الحياة، وأنّ هذه الذواكر مجتمعةً هي التي شكّلت ولا تزال تشكل الشخصية الفلسطينية؛ فهويّة هذه الأخيرة من كفاحها المستمر من أجل هزيمة المشروع الصهيوني، وهذا ما يجعل الزمن الفلسطيني الحقيقي قائمًا في حاضره ومستقبله، فهما المجالان اللّذان يتجلّى فيهما التحدي الفلسطيني- الصهيوني.
لم تسمح الظروف الموضوعية ولا الذاتية رُبما، لتحقيق مشروع ثقافي فلسطيني متكامل ومتطوّر. ولعلّ هذا الأمر، لا فرق إنْ كان واضحًا أو لا وضوح فيه، هو الذي جاء بمصطلحٍ آخر أكثر بساطة وعفوية، وأقل طموحًا، هو: المشهد الثقافي الفلسطيني، الذي يُشير إلى صورةٍ يظهر فيها كتّاب ومجلات واتحاد كتّاب، دون أنْ يكون له سياسة ثقافية محدّدة المعالم والملامح.
وواقع الأمر، أنَّ التخلي عن "المشروع الثقافي"، الذي يعني اجتهاد فكري متعدد الوجوه، يربط الحاضر بالمستقبل، هو الذي دفع ممارسات شكلانية قليلة الفاعلية، مثل: وجود اتحاد كتاب له اجتماعات وانتخابات دوريّة، يعبر عن ذاته لا عمّا يتطلبه الكفاح الفلسطيني، وطباعة عدد كبير من المجلات، لا رغبةً في الفعل الثقافي، بل استجابة لرغباتٍ تنظيمية، هو الذي ألغى الفرق بين الصحفي المبتدئ والمفكّر السياسي، مثلما همّش حضور المرأة الثقافي تهميشًا مفرطًا، وجعل من المرتبة الحزبية مرتبة فكريّة، إلى أنْ تحوّل معنى المثقف إلى عمومية فقيرة، لها مجموعة من العادات لا جملة مبادرات تقرأ وتُحلل وتستشرف.
تكشّفت الشكلانية الثقافية في المجال الفلسطيني بغياب التجديد وتراجع معنى الصدمة، ولهذا ارتبط الإبداع الثقافي الكبير بأسماء محددة سبقت العمل الفدائي، واستمرت بعده: كتب غسان كنفاني القصة القصيرة ولم يبلغ العشرين بعد، وأعطى جبرا إبراهيم جبرا رواياته في مناخٍ أقرب إلى العزلة، واشتهر إميل حبيبي كأديبٍ مرتبط بحزب "راكاح"، لا كوجهٍ ثقافي مرتبط بالعمل التنظيمي الفلسطيني، وجاءت صورة محمود درويش من إبداعه الفردي قبل غيره.
عرفت الأسماء السابقة صدمة الخروج من الوطن إلى المنفى، وردت على الصدمة بإبداعاتٍ أدبية مختلفة. ولهذا جسّدت عفوية أدبية منطلقة من التجربة المعيشة، لا من الشكليات الكتابية التي تكتفي باللحظة المباشرة، ولا تنظر إلى المستقبل.
لم يكن غريبًا في إطارٍ شكلاني تنظيمي الحسابات أنْ يتراجع معنى الصدمة، على مستوى الكتابة، إلى حدود الانكفاء. كان غسان قد أعلن عن صدمته الكُبرى في "رجال في الشمس"، وعبّر محمود درويش عن إيمانه الوطني في قصيدته "سجل أنا عربي". لم نعرف بعد الخروج من بيروت عام 1982 أعمالًا أدبية حملت سمة الصدمة، ولم يأتِ اتفاق أوسلو عام 1993 بجديد، باستثناء مساهمات نسوية لافتة ومحتشدة بالغضب والنقد. عبّر عن ما بعد أوسلو الراحل حسين البرغوثي بعمليْن فريدين مشبعين بالحزن والرثاء.
يحضر في هذا الإطار سؤال قديم - جديد: ما العلاقة بين المثقف والسياسي؟ والسؤال فلسطينيًا، لا معنى له لأسبابٍ ثلاثة على الأقل: فالمسألة الفلسطينية سياسية بامتياز، قوامها صراعٌ بين صاحب الأرض بمكتسب خارجي مدعوم من قوى سياسية، كان لها أو لا يزال أهداف سياسية. وثانيًا أنَّ مؤسسي التنظيمات الوطنية الفلسطينية قادةٌ يعملون في السياسة، فالتنظيم أي الحزب تعبيرٌ سياسي أيديولوجي. وثالثًا أنَّه لا سياسة بلا استراتيجية وتكتيك، وهما تعبيران سياسيان أيضًا. والمثقف الفلسطيني بدوره إنسانٌ يقرأ العلاقة بين الفكرة السياسية وتطبيقها؛ أي بين الكفاح واستعادة الأرض السليبة، بل يُمكن القول إنَّ الطريقة التي يُفكّر بها كل فلسطيني عاقل سياسيًا، تربط بين ميزان القوى والهدف، وبين الاحتلال والمقاومة، وبين المقاومة و "التحرير"؛ أي أنَّها طريقة تفكير منسوجة من جملة من المصطلحات السياسية. ولهذا؛ فإنَّ اختصار قضية فلسطين إلى قضية أخلاقية أو دينية أو حضارية، تفكير غريب عنها، فهي بدأت قضية سياسية، ولا تُحل إلا بطريقة سياسية متعددة الأدوات.
إنْ كان للسؤال السابق معنىً محدد، فهو التالي: هل فكر المسؤولون الفلسطينيون دائمًا بشكلٍ سياسي يرقى إلى مستوى قضيتهم؟ أو هل أنتج الفلسطينيون فكرًا سياسيًا بالقضية التي قاتلوا من أجلها؟ بل يمكن القول بشكلٍ أكثر بساطة، هل هناك ما يُدعى بعد مئة عام من الكفاح والتضحيات والشهداء، شيء مُحدد يُدعى الفكر السياسي الفلسطيني؟ وما هو الثابت وما هو المتغير فيه؟ وما هو مبرر الثبات وما هو مسوّغ التغيّر؟ الإجابة صعبة ومربكة ومعقدة!!

