ودعت بيروت التي يسرقون منها «بحر الفقراء» ويقومون بإعدامه في قلب المدينة لحساب تعمير الفنادق الفخمة والمباني العالية الباذخة، وعدت إلى باريس التي لا بحر فيها، فوجدتهم نقلوا البحر إليها في «باري بلاج» المجاني، كما في كل صيف من زمان.
نقلوا آلافا من أكياس الرمل الناعم من شواطئ فرنسا إلى إحدى ضفاف نهر السين، ومنعوا سير السيارات فيها، لتحويل واحدة من أجمل مناطق باريس التاريخية إلى مسبح مجاني للفقراء والبسطاء الذين لم يتمكنوا من الذهاب بعيدا في إجازة «شهر آب/أغسطس» لأسباب مقصودة منها ضيق ذات اليد.. والإجازة للفرنسيين تعتبر من أهم بنود «حقوق الإنسان»!
وهكذا، نجدهم في باريس يخترعون بحرا ونحن في بيروت نقوم بإعدام بحرنا. وأترك للقارئ التعليق.
سلامة العامل قبل سلامة أموال الأثرياء
خلف بيتي في باريس مبنى منشورات «هاشيت» الشاهق ويقومون الآن بتجديده، وكي يتم ذلك دونما تعريض العمال للأذى، يقومون ببناء ما يشبه الجسور والأقفاص المعدنية تحيط بالمبنى، لكي لا يقع عنه أي عامل، ولذا لم يحدث مرة أن سمعنا بمن يقضي نحبه من العمال في فرنسا ويدق عنقه، كما نقرأ في صحفنا اللبنانية بخبر مألوف عن سقوط عمال يفارقون الحياة، وآخر ما طالعته كان عن سقوط عاملين سوريين ـ ربما لأن السوريين المشردين يرضون بنصف الأجر بل يقومون بالأعمال الخطرة! ـ ربما حان الوقت في لبنان لوضع قانون «حماية العامل» بحيث ينفق من يرغب في تعمير أو تجديد مبناه على تشييد ما يجعل العامل في أمان (مع الحرص طبعا على سلامة المارة أيضا!!).
أحزنني حقا خبر سقوط العاملين السوريين في جزين وعربصاليم في (الورش) التي كانا يعملان فيها ووفاتهما، بعدما نجحا في النجاة من الموت في سوريا وتوهما أنهما يعملان في (الأمان) بلبنان.
الفلسطيني التائه والصهيوني المغتصب
في بيت صديقتي الفلسطينية/اللبنانية من مهاجري سنة 1948 من فلسطين التقيت بعمتها التي ذاقت مرارة هجرتين، واحدة من يافا إلى سوريا عام 1948 وأخرى إلى بيروت الآن.. لماذا تفرّخ النكبة نكبات أمام العجز العربي والاقتتال المحلي؟ ثم أن تقليص المساعدات للفلسطينيين يزيد في المعاناة ويدفع بالجيل الجديد إلى دروب العنف والضياع.. متى نصحو على أهوال ما يدور؟
بيروت مدينة لا توحي بالثقة
نعود إلى بيروت التي تستقبل كل ضيف أو لاجئ بسخاء. الضيف الأديب الألماني هانس أولريش براندت لم يملك إلا الإدلاء بشهادة صدق، على الرغم من الرشاوى المعنوية كلها التي أحيطت بها إقامته العابرة في بيروت: رشوة المحبة والإلفة والتدليل بصدق وبدفء القلب وفي شهادته المقتضبة، وسط بحر من أمواج الشكر لمن دللوه جاء قوله عن بيروت: «لم أر فيها سوى الفوضى وغياب البنى والمعالم الواضحة، فشعرت بالخوف أيضا، ولم أمنح المدينة ثقتي». يا عزيزي هانس، هذا شعورنا جميعا لكننا نكابد الحب، كعاشق يزداد ولعا بالمحبوبة المريضة كلما ازدادت مرضا.. نحن العشاق الذين يتقنون فن المكابرة، لكنهم أمراء العشق.. وعبيد العشق.. ونعرف أن بيروت لا تطاق لكننا نعشقها!
تحية لملكة جمال البدينات
لفتني في زيارتي المختزلة إلى بيروت برنامج «أحمر بالخط العريض» الذي يقدمه الأستاذ مالك مكتبي وأحببت بالذات تبنيه لانتخابات «ملكة جمال البدينات».
من حيث المبدأ، وقفت منذ بداياتي الكتابية ضد حفلات «انتخاب ملكات الجمال» وعبرت عن ذلك في مقالة بعنوان «ملكات الجمال وسوق الجواري» وهي منشورة في أحد كتبي، أما انتخاب «ملكة جمال البدينات» فأمر آخر تماما يقع تحت خانة شجاعة النساء والاعتراف بالواقع. الواقع يقول ان البدناء، نساء ورجالا، مضطهدون بمعنى ما، بل على عدة مستويات: في العمل، في النكات، في السينما والمسرح، وعلى البدين أن يكون ظريفا وطيبا وخفيف الظل لنقول معتذرين عنه إنه (مهضوم)!.. ويزداد قبولنا له إذا كان ثريا أو صاحب سلطة. باختصار، تلقى البدينة/البدين معاملة (عنصرية) كفئة، وقد لا تحظى بعمل لشكلها الخارجي. البعض يتذرع في اضطهاده الخفي للبدناء بأن البدانة تسيء إلى الصحة للبدين. نعم. والتدخين كذلك. والحروب وأخواتها من قلق فتاك واكتئاب وشعور باللاأمان وتمزق بين خيار الهجرة والوطن والرحيل بينهما. ثم ان «ملكة جمال البدينات» كانت جميلة الوجه حقا، يشع من عينيها ضوء الشجاعة والثقة بالنفس، وهذا أحبه في النساء والرجال أيضا. لكن البدانة ليست واقعا نسائيا فحسب بل تطال الذكور، وسيسعدني أن أرى «ملك جمال البدناء» أسوة بالنساء، ولم لا، وقد عايشنا في بيروت مباريات «ملك جمال الرجال» في إحدى الفترات، كما في باريس.
حرية ما يغلبها غلاب
في كل رحلة عشق للبنان، وحين أصل إلى بيروت أشتري الصحف والمجلات كلها، دون استثناء، وفيها أتعارف على قليل من لبنان أو معظمه.. وأحاول ردم هوة عجزي عن معاقرة الإنترنت بأمر الطبيب.
في المجلات، حتى غير الفنية، لاحظت المشاجرات العلنية بين أهل الفن، على الشاشات بل والطلاقات على الإنترنت أيضا، وهي لا تخلو من التجريح وتتصف بالعنف نفسه الذي نجده بين أهل السياسة.
باستثناء أن عنف أهل الفن ومشاجراتهم يتوقف على الحيز اللفظي ولا يمتد إلى الاعتقال والاغتيال والاختطاف.. لذا نتسامح أمام نشرهم لغسيلهم الإعلامي، قياسا إلى نشر شبكات الألغام والقتل والمتفجرات بفضل بعض أهل السياسة. وفي حوار بالديناميت.. وبالروائح الكريهة في شوارع القمامة وهي ليست رائحة روح بيروت بل (عطور) شهوات مجانين الحكم وعشاق (الكراسي) وليختنق الشعب الذي يحلمون بانفرادهم في حكمه، كبقية شركات التجارة في الأوطان العربية.
المصدر: القدس العربي

