مسألة الدين والدولة في الكيان الصهيوني ليست جديدة، راوحت فيها العلاقة منذ اليوم الأول لإنشاء هذا الكيان وبيان بن غوريون أو تنازله الكبير للمتدينيين في الاتفاق المشهور، بين التوازن والتقاتل والابتزاز، ولكن دائما كان الدين هو أيدلوجية الجميع لأنه على أساس الأسطورة الدينية تتحدد عناصر ما يسمى الإجماع القومي الصهيوني.
في الظاهر والممارسة اليومية تحدد التجاذب في المحاولات المستمرة للتيار المتدين التوراتي بفرض قوانين الشريعة على الجمهور وجعل الخطاب الديني هو الساسائد في العلاقات الجتماعية والممارسات اليومية للأفراد.
ورغم أن هذا ليس جديدا، ولايمكن ان يعتبر شاذا في الحياة السياسية في الكيان الصهيوني، إلا أن من امناسب إلقاء نظرة على هذا في الصراع الانتخابي الآن، كيف تقدمت القضايا الدينية على جدول الأعمال الانتخابي لجميع الأطراف تقريبا وتراجع العنوان الرئيسي الذي حكم خلال سبعين عاما على العموم أي القضية الفلسطينية، والتي طبعا لاننسى وضعها على الرف إسرائيليا منذ أوسلو وحتى اليوم بشكل عام، ولكن ما الذي يتغير؟
من المعتاد خلال الأشهر الماضية القول أن مسألة دينية أرثوذكسية كانت ربما العامل الحاسم في تفجير انتخابات الكنيست 21، والفشل في تشكيل ائتلاف، والذهاب إلى انتخابات جديدة. حيث أن رفض أفيغدور ليبرمان التفاوض مع الأحزاب المشتددة، ورفض التزحزح عن صياغته لقانون التجنيد للشبان الأرثوذكس كانت سببا في الفشل، سببا رئيسيا إلى جانب أٍباب أخرى، ولكن لايمكن إنكار أن ليبرمان هو الذي فجر الائتلاف قبل نشوئه، وكان موضوع التفجير مسألة دينية بامتياز. وذهب ليبرمان أبعد من هذا حين قال إنه آن الآوان لإنهاء التحالف المستمر بين اليمينين الديني والعلماني في الكيان، ذلك التحالف الذي وضع أسسه عمالي بالأساس.
علاقة بن غوريون بالأمر تكشف أن االأمر لم يكن دائما تحالفا بين اليمين العلماني واليمين الديني، هذا برز بالتحديد بعد "الثورة الليكودية" عام 1977، وما عزز هذا التحالف هو وضعية احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة التي أنتجت شراهة اقتصادية، استيطانية، عبر ضخ المستوطنين في إسكان رخيص مدعود من الدولة التي زاوجت بين الاحتلال العسكري الاستعماري بنموذجه اتاريخي وكذبة العودة غلى أرض الميعاد، كان الحافز الديني مهما ولكن ترجمته الحرفية ذهبت عبر مسار المكاسب الاقتصادية من الاحتلال، وهذا هو التناقض الذي يتبناه ليبرمان ضمنيا، إن أن "الدولة منحتهم "أرض الأجداد" التي لايريدون الدفاع عنها ولايريدون الخدمة في الجيش الذي يواصل احتلالها.
الحاخامات بدورهم لم يسكتوا، رفضوا قطعيا قانون ليبرمان، وكان الحدث الأبرز هو تنظيم حدث عام في العفولة أثار غضبا علمانيا عارما وذهب إلى المحاكم، حيث اعتمد فيه الفصل بين الجنسين على أساس الهالاخاة، بل إن وزير المواصلات المؤقت وممثل اليمين الديني في حكومة نتنياهو بيزائيل سموتريتش نادى بفرض القانون الديني اليهودي وتحدث وزير التعليم عن تأييده لعلاج "التحويل" لتأكيد اليهودية، وهو أمر يثير غضب العلمانيين، ليرد نتنياهو بتعيين وزير مثلي في محاولة لتحسين صورته.
بعد كل هذا من الطبيعي أن يحتل الخطاب الديني مكانة متقدمة بل رائدة في الحملات الانتخابية للكنيست 22، وقد عكست العديد من استطلاعات الرأي أن القضية الفلسطينية تراجعت إلى رف هامشي في اهتمامات الناخب اليهودي في الكيان الصهيوني، طبعا هناك علاقة وطيدة بين هذا وبين تراجع الكفاح الفلسطيني ومحاصرته سياسيا وعسكريا، بحيث أن هذه القضية لم تعد ضاغطة على الناخب العادي، وهذا االأمر له نتائج ثنائية القطب على نتنياهو، فبمقدار ما يتكسب من تقاربه مع اليمين الديني، لدرجة أصبح يعتبر ممثله الشرعي والأبرز، فإنه يخسر حججه الأمنية باعتباره (السيد أمن) في وسط انتخابي لايهتم كثيرا للصراع مع الفلسطينيين، لذلك يرى معلقون صهاينة أن الفرصة الوحدية لنتنياهو هي بناء تحالف علماني يميني ديني ليفوز في دورة حكم جديدة.
هذا التحليل أعلاه يتعرض للكثير من النقد، أبرزه يأتي فعليا من عناوين الصحافة الصهيونية التي تغرق الجمهور بأخبار أمنية حربية: قصف في سوريا، قصف في العراق، بوادر حرب مع إيران، اشتباك عالي الحدة مع حزب الله، يضاف إليها مقاومة فلسطينية مستمرة ومتصاعدة تتصدر عناوين الأخبار بين قتل مستوطنين وطعن ومحاولات خطف وتفجيرات، ومظاهرات يومية، دون الحديث عن غزة.
يضاف أيضا نشاط حركة المقاطعة المصنفة كخطر استراتيجي، حتى يكاد الجمهور الصهيوني يعجز عن تعداد المخاطر الاستراتيجية التي تواجه كيانه، ما يعني أن قصة تصدر الدين للخطاب في الكيان هي مسألة شكلية وإن لم يكن تماما، ففي التفاصيل تبرز الحقائق الصارخة المتعلقة بالقضية المهملة والصراع مع الشعب الفلسطيني وهي المسألة التي تحدد جوهر الوجود الصهيوني.
هل يأتي تقديم الخطاب الديني او الاجتماعي أو غيره وسيلة للمؤسسة الصهيونية لتجاهل التزاماتها تجاه القضية الفلسطينية وتجاهل التقدم في "عملية السلام" اعتمادا على الوقائع أعلاه وتمسكا بأهداب صفقة ترامب مجهولة المعالم والزمان؟ هذا وارد طبعا ولكن في الجوهر، فإن الإجماع الضمني للمستوى الحزبي الصهيوني يتركز على إستمرار احتلال الأراضي الفلسطينية المستولى عليها عام 1967، ومنع أي تقدم أو فرصة لمنح فكرة دولة فلسطينية مستقة أي معنى، عبر التجاهل الذي ينعكس، ممارسات سياسية تغير اوقائع على الأرض سواء في الضفة أو القدس ، وعبر شد ورخي حبال حياة السلطة الفلسطينية، فلا هي ميتة فينبثق بديل قد يقلب الطاولة أو حية قادرة على فعل أي شيء مفيد.
أكثر من ذلك ووراء هذا كله لكن بشكل خلفية حادة تبرز مشكلة الانتخابات التي تتمحور حول رجل واحد، ما بين من يريد استمراره في الحكم، وبين من يريد إسراله إلى السجن، وهذه التفصيلة الصغيرة في حياة الأمم، تتضخم في حالة الكيان الصهيوني الذي يبرز شذوذه بالذات في الاندماج الكلي خلف برنامج الإجماع القومي والصراع على من سينفذ هذا البرنامج.

