يحفل التاريخ منذ قرون بالأزمات الاقتصادية للرأسمالية التي تتخطاها عادة مع الكثير من الكوارث الاجتماعية والإنسانية التي تقع على رؤوس الفقراء.
في العادة، يتمكن النظام الرأسمالي من تجاوز أزماته، وهكذا سيبقى، إلى أن تتمكن الطبقة العاملة وقواها التغييرية من إسقاطه.
لكن يبقى التحدي الأبرز في مدى علاقة الأزمة الاقتصادية الرأسمالية بوعي الطبقة العاملة لها !
في مقال " المد والجزر" بعد أزمة انهيار البورصة عام 1929 أشار " تروتسكي" عام 1932، إلى أن الوعي الإنساني محافظ بطبيعته، ومعظم الناس لا يحبون التغيير، ويتمسكون بالأشكال والأفكار الموجودة في المجتمع حتى يضطرون إلى التخلي عنها بفعل قوة المتغيرات وانعكاساتها السلبية .
قد تتعدد الأجوبة وتختلف بالضرورة، حول أهمية عامل الوعي الطبقي في مواكبة أو في التخلف عن الحالة الموضوعية، كذلك الأمر حول دور الحركة النقابية والمنظمات الجماهيرية التي تتخلف عن الحالة الواقعية. وقبل هذا، عن دور قيادة الطبقة العاملة التي تتخلف كثيرًا عن الحالة الموضوعية.
هذه العوامل، ليست للعرض والتوصيف بقدر ما هي عوامل فعلية، تعود لعقود طويلة من التطور الرأسمالي، ومن التحسن النسبي لمستويات العيش. هذا الوضع ينطبق على البلدان الرأسمالية؛ الأمر الذي إدى إلى "تكيف" وعي الطبقة العاملة إلى حد كبير في هذه الدول مع سلة الاصلاحات والتقديمات والخدمات وهامش الديمقراطية... بخلاف وضع هذه الطبقة في الدول النامية، حيث جرى "تكييف" قسم أساسي منها بالقوة والعنف، وبما تيسر من وسائل الترهيب والتهديد والتقطيع والتوصيل والتطييف ..الخ.
قد نستطيع القول، أن الطبقة العاملة وحدها قد لا تمتلك القدرة على تحليل الأزمة الاقتصادية وتبعاتها، كما هو حال أحزابها المفترض أنهم يمتلكون المنهج والقدرة على تحليل الوضع والعمل على تمليك الطبقة العاملة وسائر الفئات الشعبية الكادحة والمفقرة "الوعي" اللازم لمعرفة طبيعة الأزمة وكيفية مواجهتها لكسرها والقضاء على نظامها.
وعلى أساس ذلك، يصبح التأثير الأول الذي تخلفه الأزمة العميقة – كما حالنا اليوم – يتمثل لدى الجماهير الشعبية المتروكة في "الصدمة"، واعتبارها الأزمة ظرفية وعابرة. وعلى أساس هذا التحليل، تصبح مسألة "التكيف" مع سياسة شد الأحزمة والتقشف مسألة ظرفية لتقطيع الأزمة. في العادة، يكون هذا الافتراض منطقيًا لدى هذه الجماهير التي تميل نحو النوستالجيا وصور الزمن الجميل وأمجاد النضال .
لكن الطامة الكبرى، أن يتبنى قادة الطبقة العاملة من يسار إصلاحي وبورجوازي فكرة أنه يمكن أن تحل الأزمة من خلال إدخال بعض التعديلات أو الاصلاحات مع ضوابط للرقابة والمحاسبة والتنظيم وترشيد الانفاق .. هذه الأمور- ربما - تعيد ترتيب الأوضاع جزئيًا مع تحسينات طفيفة، لكن هكذا علاجات مع النظام الرأسمالي وأتباعه لم تعد نافعة.
فالأزمة وفق التحليل اليساري الثوري، ليست عابرة ولا مؤقتة، لأنها تشكل قطيعة جذرية في السيرورة. ولا يعني، هذا، استحالة العودة إلى الانتعاش الاقتصادي مجددًا، فهذا أكيد عند نقطة معينة.
لكن، وفي الوقت الذي تفتش فيه الرأسمالية عن مخرج لأزمتها، فإنها تستنفر كل حيلها وألاعيبها، إما لخلق توترات أمنية، أو لفرض حروب وصراعات، أو تفرض عقوبات اقتصادية، أو تمرر أفظع القرارات والإجراءات بحق الفقراء... هي بمثابة عقوبات اجتماعية وحياتية أبرزها الضرائب لسداد الديون التي تشكل وصفة سم قاتلة لحدوث أزمة أعمق.
لقد اخترعت الرأسمالية نظرية "فرضية كفاءة السوق" وادعت أنها جديدة، لكنها في الواقع نظرية قديمة جداً تعود إلى فكرة، إن السوق إذا ما ترك لنفسه قادر على أن يحل كل المشاكل، وسوف يتمكن من تحقيق التوازن لنفسه بنفسه، فما دامت الحكومة/ الحكومات لا تتدخل، ولا تشوه آلية السوق الجميلة هذه، فإن كل شيء سيصير، عاجلًا أو آجلًا على ما يرام . يعني من وجهة نظر ماركسية سنكون عاجلًا أو آجلًا موتى على منصة إعدام الرأسمالية.
لكن، لا سبيل لوقف هذه الإعدامات، ولا مفر من وقف زحف الحروب والصراعات ونشر الفقر والإعدام الرأسمالي للبشر والشجر والبيئة.. سوى بالعمل والتمسك بالحقوق البشرية والنضال مع الطبقة العاملة والفئات الاجتماعية الكادحة والمهمشة، وتسليحهم بالوعي على أهمية خوض الصراع الطبقي بجلاء ووضوح، ومقاومة السرطان الرأسمالي بكافه وجوهه الأصلية والتقليدية والمستعارة، بمشروع تحرري جذري وشامل للقضاء عليه، وإعادة الحياة للبشرية.

