صدق حسن نصر الله وعده، ورد على الغارة التي شنتها إسرائيل على ضاحية بيروت الجنوبية. غير أن الرد هذه المرة لم يكن من النوع التقليدي الذي تحرص فيه أطراف الصراع على مراعاة التكافؤ في الوسائل المستخدمة والأهداف المبتغاة. فقد تم في وضح النهار وليس في جنح الظلام، واستخدمت فيه الصواريخ لضرب مركبة عسكرية، وليس طائرت مسيرة لضرب أهداف مدنية. لذا جاء قويا متحديا، وحمل في طياته رسائل سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية، حرص نصر الله على أن تصل إلى عناوينها الصحيحة:
*الرسالة الأولى: بدت موجهة إلى إسرائيل وحلفائها في المنطقة والعالم، مفادها أن المقاومة لن تتهاون بعد اليوم مع أي اعتداء تقدم عليه إسرائيل، ولديها من الوسائل ومن إرادة الفعل ما يكفي للردع ولإلحاق الأذى، بكل من يخاطر بارتكاب حماقة، وباتت جاهزة لمواجهة كافة الاحتمالات، بما في ذلك الدخول في حرب شاملة إن لزم الأمر. لذا لم يعد أمام حلفاء إسرائيل في المنطقة والعالم، سوى العمل على كبح نزواتها وإجبارها على النزول من أعلى الشجرة، إن هم أرادوا حقا أن يسهموا في تحقيق السلم والأمن الدوليين.
*الرسالة الثانية: بدت موجهة إلى حلفاء الداخل والخارج، مفادها أن حزب الله يحرص على أمن لبنان قدر حرصه على أمنه الشخصي. ولأن هدفه الأساسي هو حماية المقاومة أولا وقبل كل شيء، التي يصبح أمن لبنان في غيابها مكشوفا تماما ومعرضا لكل أنواع المخاطر، ينبغي على جميع أطراف المعادلة في الداخل اللبناني أن تدرك أن دعم المقاومة والوقوف معها في الخندق نفسه، هو السبيل الوحيد للمحافظة ليس فقط على أمن لبنان ككل، وإنما أيضا على أمن كل مكون أو فصيل فيه في الوقت نفسه.
يشير المسار الذي سلكته التفاعلات التي انطلقت في أعقاب ضربة حزب الله الأخيرة، إلى أن رسائل نصر الله وصلت بالفعل إلى عناوينها الصحيحة، وجرى استيعابها من جانب المخاطبين بها، بدليل حرص الجميع، بما في ذلك القيادة الإسرائيلية، التي جاء ردها على الضربة هذه المرة محدودا وباهتا على غير العادة، على منع التصعيد، وتحركهم الفوري للحيلولة دون اتساع نطاق الاشتباكات، وتحولها إلى حرب شاملة، الأمر الذي يفسر توقف الاشتباكات تماما، وعلى غير العادة أيضا، بعد ساعات قليلة من اندلاعها. فهل يعني ذلك أن العلاقة بين إسرائيل وحزب الله باتت محكومة حقا بمعادلة جديدة تقوم على «توازن الرعب»، كما يؤكد حسن نصر الله؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام والأسابيع المقبلة.
وأيا كان الأمر، فمن الواضح أن ما جرى على الحدود اللبنانية الإسرائيلية خلال الأيام القليلة الماضية، يعكس عمق التحولات التي طرأت على إدارة الصراع العربي الاسرائيلي، فالصراع المحتدم على المنطقة وفيها يدور الآن في جوهره حول مشروعين:
*الأول: مشروع استعماري توسعي عنصري، تجسده حركة صهيونية تسعى للسيطرة على المنطقة كلها، وليس على فلسطين وحدها، بالتمكين لدولة يهودية كبرى تمتد من النيل إلى الفرات. وقد مرّ هذا المشروع بمنعطفات كبرى قبل أن تؤول قيادته إلى جيل جديد يختلف كثيرا عن جيل الآباء المؤسسين، يمثله اليوم بنيامين نتنياهو. ولأنه جيل يتيه زهوا بما حققته الأجيال السابقة من انتصارات، يتوقع أن يظل شديد الحرص والتصميم على البناء فوق ما حققته الأجيال السابقة، لتمكين الحركة الصهيونية من تحقيق انتصارها النهائي وضمان وصول الدولة اليهودية إلى حدودها «التوراتية».
*والثاني: مشروع دفاعي مقاوم، تجسده حركة عربية إسلامية، تسعى للتصدي لمشروع صهيوني تدرك يقينا أنه بات يمثل عقبة كأداء تحول دون نهضة وتقدم الأمة. وقد مرّ هذا المشروع بدوره بمنعطفات كبرى قبل أن تؤول قيادته إلى جيل جديد من الثوار، يختلف كثيرا عن جيل الآباء المؤسسين، يمثله اليوم حسن نصر الله. ولأنه جيل يبدو مثقلا بهموم الهزائم التي منيت بها الأجيال السابقة، خاصة تلك التي حكمت وتحكمت في مصائر دول الطوق المحيط بإسرائيل، يتوقع أن يسعى جاهدا لتجنب الأخطاء السابقة، وهو ما يحاول تحقيقه من خلال إدارة مختلفة للصراع، تعتمد على حرب العصابات والمقاومة المسلحة غير النظامية.
وسوف نحاول في السطور التالية بناء صورة للصراع الجاري في المنطقة من خلال المقارنة بين السيرة الذاتية لرجلين، أحدهما آلت إليه قيادة المشروع الصهيوني وهو بنيامين نتنياهو، والآخر آلت إليه قيادة حركة المقاومة وهو سماحة السيد حسن نصر الله.
لم يكن بنيامين نتنياهو قد ظهر بعد إلى حيز الوجود حين أعلن بن غوريون قيام دولة إسرائيل عام 1948، بعد مسيرة طويلة للحركة الصهيونية بدأها ثيودور هرتزل عام 1898. فقد ولد في تل أبيب عام 1949، لأب من أصول بولندية وأم من أصول أمريكية، أي بعد عام واحد من قيام دولة إسرائيل، التي ترعرع في حضنها وشهد انتصاراتها، رغم أنه لم يشارك في أي من حروبها، حيث لم يخدم في الجيش الإسرائيلي، إلا خلال الفترة من 67-72، أي بعد انتهاء حرب 67 وقبل اندلاع حرب 73، توجه بعدها لدراسة الهندسة في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا MIT، وهناك حصل على درجة البكالوريوس في الهندسة المعمارية ثم على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، وألحق بقطاع الصناعة قبل أن يظهر اهتمامه بالعمل السياسي المباشر. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن نتنياهو هو الابن المدلل للدولة الاسرائيلية والممثل الحقيقي للجيل الذي قادها تدريجيا نحو التطرف يمينا. فلم يكن عمر نتنياهو قد تجاوز 35 عاما حين عين مندوبا دائما لإسرائيل في الأمم المتحدة (84- 88)، وانتخب عام 1988 نائبا في الكنيست، أي قبل أن يصل إلى سن الأربعين، ثم تولى رئاسة حزب الليكود عام 1993، فانفتح أمامه الطريق ليصبح رئيسا للوزراء عام 1996، مسجلا بذلك لقب أصغر رئيس وزراء في تاريخ إسرائيل. ورغم خسارته للمنصب عام 1999، إلا أنه راح يشغل مناصب وزارية متعددة طوال السنوات العشر التالية، منها منصب وزير الخارجية في عهد شارون، إلى أن استطاع العودة إليه من جديد عام 2009 وبقي فيه حتى يومنا هذا، مسجلا بذلك رقم قياسيا جديدا تفوق به على بن غوريون نفسه. وإذا كان لنتنياهو أن يفاخر بشيء فليس تاريخه السياسي البهلواني سوى قدرته على تخريب «عملية السلام»، ونجاحه في منع قيام دولة فلسطينية على حدود 67. ورغم أنه يواجه اليوم اتهامات بالفساد قد تقوده إلى السجن، إلا أنه يراهن على الفوز في الانتخابات التي تعقد بعد حوالي أسبوعين، والتي يأمل ليس فقط في أن تنقذه من السجن، ولكن أيضا في أن تتيح له فسحة من الوقت تسمح له بتحقيق حلمه الصهيوني الكبير، في أن يصبح ملكا متوجا لإسرائيل التوراتية بعد إقامة الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.
في المقابل تتجلى صورة حسن نصر الله كنقيض تام لصورة نتنياهو. فقد ولد نصر الله عام 1960، أي بعد اثنا عشر عاما من الحرب العربية الاسرائلية الأولى، التي شارك فيها لبنان بشكل رمزي وانتهت بنكسة عربية شاملة واحتلال إسرائيل لأكثر من ثلاثة أرباع فلسطين التاريخية. وترعرع نصر الله في مسقط رأسه في الجنوب اللبناني، بعيدا عن حضن الدولة ورعايتها، حيث ذاق شظف العيش في طفولته، وتجرع مرارة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب في شبابه، قبل أن يبدأ في شق طريقه نحو الموقع الذي هيأته له العناية الإلهية، ليقود من خلاله محور المقاومة، ألا وهو موقع الأمين العام لحزب الله. كان نصر الله قد أتم تعليمه الابتدائي في الجنوب اللبناني في ظروف معيشية صعبة، قبل أن يتوجه إلى بيروت لاستكمال دراسته الثانوية، غير أنه اضطر للعودة إلى الجنوب بعد أن داهمته الحرب الأهلية. وحين قرر الذهاب إلى النجف لتلقي العلوم الدينية، التقى هناك بعباس الموسوي، الذي لعب الدور الأهم في حياته. فبعد أن داهم البوليس العراقي محل إقامة الموسوي للقبض عليه ولم يجده، أدرك نصر الله أن أيامه في العراق باتت معدودة، وقرر العودة للجنوب، وهناك داهمه الاجتياح الاسرائيلي الذي تمكن من الوصول إلى بيروت العاصمة. تجدر الإشارة هنا إلى أن نصر الله كان قد بدأ نشاطه السياسي في حركة أمل، وأصبح مندوبها في البقاع وعمره لم يتجاوز 20 عاما. غير أن الاجتياح الإسرائيلي للبنان، وما أدى إليه من تشكيل «جبهة الإنقاذ الوطني»، تسبب في شق الحركة إلى تيارين، أحدهما معتدل، يطالب بالانضمام للجبهة، والآخر أكثر راديكالية، يرفض الانضمام لها بسبب وجود بشير الجميل فيها، فانحاز نصر الله إلى التيار الراديكالي الذي شكل لاحقا العمود الفقري لحزب الله، ثم سعى لاحقا لمواصلة دراساته الدينية في قم، لكنه سرعان ما قطعها وعاد إلى الجنوب اللبناني عقب اندلاع اشتباكات مسلحة بين حركة أمل وحزب الله. وهكذا وجد نصر الله نفسه من جديد في معمعة عمل يبدو حزبيا من حيث الشكل، لكنه في جوهره مكرس لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي للجنوب اللبناني، خاصة بعد إجبار المقاومة الفلسطينية على الرحيل. وبعد انتخاب عباس الموسوي أمينا عاما لحزب الله، اختاره نائبا له، فانفتح الطريق أمامه لقيادة الحزب عقب اغتيال الموسوي عام 1992. وقد تمكن حزب الله، تحت قيادة نصر الله، من تحقيق أهم الانتصارات العسكرية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي كله. ففي عام 2000 تمكن من تحرير جنوب لبنان من الاحتلال الاسرائيلي وأعوانه، بدون قيد أو شرط، وفي عام 2006 خاض حربا شاملة في مواجهة إسرائيل، ثم راح الحزب منذ ذلك الحين يواصل بناء قدراته العسكرية رغم القصف والحصار الإسرائيلي المتواصل، إلى أن وصل اليوم إلى مرحلة «توازن الرعب» التي يتحدث عنها نصر الله كثيرا في هذه الأيام واستند إليها في كلمته الأخيرة ليعلن سقوط «الخطوط الاسرائيلية الحمر»، وهو ما يعد دليلا مؤكدا على حجم التغير الذي طرأ على قواعد إدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي، خاصة في زمن يصعب فيه على أي من قادة النظم العربية الحاكمة أن يقول لإسرائيل (لا)، أو أن يمسها بسوء.
توحي المقارنة بين هذين النموذجين بأن صورة نتنياهو تبدو أقرب ما تكون إلى بهلوان سياسي يجيد اللعب على حبال أمجاد قديمة لم يشارك في صنعها، بينما تبدو صورة حسن نصر الله أقرب ما تكون إلى صورة الثائر، الذي يخرج من بين الأنقاض رافعا سيفه ومصرا على رفض الهزيمة. فهل أبدو متفائلا أكثر مما ينبغي بمصير الصراع العربي الإسرائيلي؟
*كاتب وأكاديمي مصري

