Menu

تونس الباهية.. والصدمة الانتخابية القاسية

سمير دياب

بلاد الياسمين والثورة الشعبية التونسية الأولى، أنهت جولتها الانتخابية الرئاسية الأولى في 15 أيلول الماضي، على وقع نسبة انتخابية ضئيلة، وعدد كبير من المرشحين والمرشحات، وصدمات طالت قوى السلطة وأحزاب المعارضة اليسارية والديمقراطية معاً.          

لقد قال الشعب التونسي كلمته المشهورة في صناديق الاقتراع "ارحلوا". لا نريد وعوداً، ولا أقوالاً. ولا تعنينا المهاترات والخلافات بينكم، ما يهمنا بعد الثورة، هو أن نتنفس ونعمل ونعيش حريتنا ونبني بلدنا في السياسة والاقتصاد والتطور الاجتماعي. لا أن نغرقه في الديون والكوارث الاقتصادية والاجتماعية أكثر. فتجارب الحكم بعد ثماني سنوات من الثورة. لم تقدم نموذجاً على قدر أحلام شعب تونس وتضحياته وثورته.       

لذلك، جاءت النتائج مخيبة لآمال الكثيرين ممن عولوا نظرياً على هذا الشعب المقاوم الصلب، حيث توقف عداد المقترعين داخل وخارج تونس على نسبة  45% فقط. أي بنسبة 18% أقل عن انتخابات عام 2014.

ستة وعشرون مرشحاً ومرشحة قبل انسحاب (مرشحان) في اللحظات الأخيرة، تنافسوا، على مقعد الرئاسة، من كل الأطياف والاتجاهات السياسية والشخصيات المستقلة.. لتفرز الصناديق وصول مرشحين اثنين من خارج السلطة إلى الجولة الثانية. هما، المرشح المستقل قيس سعيد وحصل على نسبة 18,4% (أستاذ القانون الدستوري - بميول إسلامية محافظة). والمرشح عن حزب "قلب تونس" الرأسمالي نبيل القروي حصل على نسبة 14.48% (من رجال المال والأعمال). 

الصناديق أخرجت الغضب الشعبي العارم ضد مرشحي السلطة وأحزابها وضد مرشحي اليسار أيضاً، حيث نال مرشح "النهضة" عبد الفتاح مورو نسبة 12,8%. أما وزير الدفاع التونسي المستقيل الطبيب عبد الكريم زبيدي فقد حصل على نسبة 10%، فيما حقق رئيس الوزراء الحالي يوسف الشاهد عن حزب تحيا تونس (المنشق عن نداء تونس) على 7.3% من الأصوات.

كان "التمرد" حاضراً، وهو سلاح الشعب التونسي للاحتجاج على نسبة البطالة والفقر وارتفاع نسبة الغلاء والديون وفرض الضرائب وفقاً لمعدلات نسبة الدين العام، تحت شروط صندوق النقد الدولي. الركود الاقتصادي مخيف، ويخيف معه الشعب التونسي الذي انتفض عام 2010 من أجل عيش وكرامة وحرية، وشكلت شعاراته شرارة الثورة التونسية التي انتشرت في العالم العربي بعدها.

لقد سقطت "النهضة" وسقط حزب "نداء تونس"، لا في صناديق الاقتراع فحسب، إنما من أحلام الشعب التونسي. والمتابع لبرامج المعركة الرئاسية لدى المرشحين المنتخبين إلى المرحلة النهائية، يستطيع أن يدرك مدى الخطاب الشعبوي لدى المرشح المستقل المنتخب أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد الذي استطاع أن يلعب على الوتر العاطفي – التقليدي ويجذب بطروحاته بعض الأصوات الإسلامية من خلال تبنيه لموقف عدم المساواة في الميراث بين الجنسين، ولمعارضته إلغاء عقوبة الإعدام. لكن شعاره الرئيسي لحملته الانتخابية تمثل في العمل على إجراء الإصلاح السياسي الشامل، مع فكرة نقل الصلاحيات إلى المجالس المحلية، هذه المجالس المفروض أن يتم انتخاب ممثليها مباشرة من الشعب مع إمكانية استبدالهم في أي وقت، يلي ذلك، انتخاب النواب من قبل هذه المجالس مع قابلية عزلهم. هذه القضايا رفعت من رصيده في صناديق الاقتراع، مع رسالة شعبية بعدم الثقة بالسلطة ومؤسساتها وممثليها، بعد تجربة تسع حكومات متعاقبة بعد الثورة.

أما المرشح المنتخب الثاني في المعركة الرئاسية، فهو رجل "البزنس والمال" نبيل القروي، صاحب المحطة التلفزيونية "نسمة" التي روجت وساهمت عام 2014 في فوز الرئيس الراحل الباجي السبسي. قد قدم نفسه كمرشح من خارج النظام، بعد أن انشق عن حزب نداء الوطن (السلطة)، وقدم نفسه من حزب "قلب تونس"، محاولاً تلميع صورته وتنظيف سجله من خلال مؤسسة خيرية، بعد أن تم إلقاء القبض عليه خلال الحملة الانتخابية بتهمة غسل الأموال والربح غير المشروع والتهرب الضريبي.

يبدو أن توقيف القروي، أسفر- ربما- عن تعاطف ودعم شعبي له.. حقق له الفوز والانتقال إلى المرحلة الثانية لمواجهة خصمه قيس سعيد.      

حتى الآن الاستطلاعات لم تحسم من سيفوز بالجولة الثانية، فالأحزاب السياسية تفاضل بين المرشحين، وتقرر مواقفها تباعاً, لكن، بغض النظر عن الفائز بالرئاسة، فإن المؤكد هو أن الأزمة الوطنية العامة، ولا سيما الاقتصادية منها، ستبقى وتتفاعل وتتعمق على كافة المستويات أكثر؛ لغياب البرنامج السياسي الوطني البديل والعمل على تظهيره كما أراد شعب تونس الثائر على الظلم والقهر والجوع والاستغلال.. والذي أبلغ أرفع الرسائل بامتناعه عن التصويت، ومعاقبة المسؤولين من أية جهة سياسية انتموا، ومحاسبتهم عن واقع هذا الشعب الكارثي بعد الثورة.

أما نتائج اليسار التونسي، فكارثية، قياساً لدوره وحضوره ومساهماته النضالية الثورية، لكن خلافاته وتشتته فعلت فعلها في توزيع وتصفير وتكسير نسب الاقتراع لصالح أي من مرشحيه. فالأمين العام لحزب العمال، ومرشح ائتلاف الجبهة الشعبية (خلافات داخل الجبهة) الرفيق حمه الهمامي حصل على 0.7% فقط من الأصوات، وهو ما يمثل تراجعاً كبيراً بالمقارنة مع نسبة 7,8% التي حققها في انتخابات 2014، عندما ترشح باسم "الجبهة الشعبية" واحتل المركز الثالث يومها بعد الباجي قايد السبسي ومحمد المنصف المرزوقي. أما المرشح اليساري عن حزب الوطد (حزب الشهيد شكري بلعيد) الرفيق منجي الرحوي فقد حصل على نسبة 0.8% من الأصوات. والقيادي السابق في الاتحاد العام للشغل، والأمين العام لحزب "تونس إلى الامام" عبيد البريكي فقد حصل على نسبة 0.2% من الأصوات.

حقيقة الأمر، أن اليسار التونسي بحاجة ماسة للوقوف عند هذه النتائج بصفتها المعبر الحقيقي عن مستوى الغضب والسخط والتمرد الشعبي، وبحاجة إلى قراءة سياسية واجتماعية تكون لسان العمال والشغيلة والفقراء، وبحاجة إلى تقويم موضوعي لاستخلاص الدروس ووضع أساس برامج المراحل النضالية القادمة.

هي معركة رئاسة فقط، لكن تونس الثورة، هي أمانة في أعناق أهلها، وقوى اليسار والديمقراطية لإكمال مهام الثورة الشعبية الرائدة التي أسست لمرحلة انعطافية- مفصلية في الوطن العربي. اسمحوا لي بمحبة أن أقول لكم رفاقي الأعزاء في تونس، كما نقول لأنفسنا: أن المهمة اليوم عندكم، كما عندنا، كما عند اليسار العربي والأممي، تكمن في العودة وتفعيل العمل والنضال مع العمال والشغيلة والمزارعين والشباب والطلاب والنساء وكل الفئات الشعبية المسحوقة، لبناء حركة شعبية ديمقراطية، بقيادة يسارية موحدة تقود تونس إلى بر التغيير الديمقراطي على طريق الاشتراكية.