Menu

بعض المجتمعات مشكلتها شخصيتها

حاتم استانبولي

في كل مناسبة يتحدث بها السياسيون الرسميون العرب في المحافل الدولية، أو اقرأ لبعضهم، أو للمروجين لهم، أو أسمع قنواتهم والمدافعين عن قادتهم، يحضر سؤال دائم: أين تكمن المشكلة؟

الشخصية الشرقية هي الإشكالية هذه الشخصية الحالمة التي تتموضع بين حدود الفضيلة وشرورها، بين الوهم والواقع، بين الحقيقة والكذب، بين السذاجة والاستخفاف، بين الواقع والطموح، هذه الشخصية التي تقدس المكان وتخرجه من سياق الزمان.

هذه الشخصية التي تخرج المقولة والحدث من سياقه التاريخي.

هذه الشخصية التي تقدس الماضي وتتجاهل حاضرها، ولا تعير أي أهمية لمستقبلها، بل كلمة مستقبل لا تدخل في حساباتها.

هذه الشخصية التي تقدس رغباتها الفردية وتستخدم إمكانياتها وموقعها لتحقيقها .

هذه الشخصية التبريرية التي لا تعترف بأخطائها .

السؤال الأهم: لماذا لم تتغير هذه الشخصية وسلوكها؟ وأين تكمن الأسباب؟

المشكلة تتمحور حول المعرفة ومنشأها وطرقها!

المعرفة التي هي انعكاس للواقع، وتدخل معه في علاقة تبادلية، وبقدر تفاعلها مع الواقع الملموس بقدر تطورها .

كلمة تطور تعني التفاعل الواعي والدائم مع الواقع بماضيه وحاضره ومستقبل؛.

والنقيض للمعرفة الواقعية هو عدم الاعتراف بأن المعرفة هي نتاجه، بل أن الواقع هو نتاج المعرفة، ومن هنا منشأ فكرة القدرية التي تفسر أن بؤس الفقراء هو قدرهم، وأن خضوعهم لأسيادهم وطاعتهم لقادتهم هو قدرهم، وتكون سببًا في تكون شخصيتهم عبر التاريخ، هذه الشخصية التي تبحث عن خلاصها في النصوص والخطابات وأبيات الشعر، عوضًا عن بحثها عن أسباب بؤسها الواقعية، فتسود نزعات الولاء والرياء والازدواجية، وتقديس الخطاب، والابتعاد عن الواقع وتغييره، وعدم الاكتراث بأهمية الزمان، وتقديس الماضي، وتناسي الواقع، وتجاهل المستقبل، وتعزز دور الفرد وسيادة مفهوم الخلاص الذاتي التي تضفي ضبابية على الفضيلة وشرورها.

فترى الفرد يستخدم قيم الفضيلة للصعود على أكتاف الواهمين الذين يتوافدون على موائده ويروجون لكذبه، ورياءه واستخدامه الخطاب الإطرائي لشحذ وهمهم ويتناسى واقعهم.

وترى سيادة البغبغاوية بلا تدقيق أو فهم عميق!

وترى الاعتماد على أحد الحواس في التقييم، وتلاحظ حاسة السمع هي السائدة،

ويسود الجهل المعرفي الواعي، وتصادر قوة القانون لحساب هيمنة القائد الفرد، وترى السذج يمجدون الأفرادـ ولا ينظرون إلى أن واقعهم هو نتاج أعمال قادتهم .

عندما تمتلك القوة المادية إن كنت في السلطة أو المعارضة، فإنك تمتلك قوة أحداها إن لم تستخدمها بشكل خلاق لتغيير الواقع، تتحول لقوة معيقة للتطور والتقدم، وتسقط صفة القيادة، وتقوض الوعي الجمعي وتخضعه لمقاييس وعي الفرد .

بعض القادة ربطوا تطور الظاهرة بسقف وعيهم وحاربوا الأفكار التي عارضتهم حينها، ومع الزمن فرض الواقع رؤية معارضيهم عليهم وأصبحوا ممثليها، ولكنهم لم يدركوا قيمة الزمان بأن هذه الفكرة كانت صحيحة في مقاييس الزمان والمكان في حينه، وأن الاقتناع بها الآن هو قفزة في الوهم الذاتي لتحقيق رغبة ذاتية لنقص عانوا منه.

انظروا لقوانين الطبيعة في فصولها الأربعة وتناسقها وتداخل قواها السببية في دورتها السنوية، وتراكم أفعال الأحياء التي تفرض شروط استمرار الحياة العامل المحرك للظواهر، هو تناسق قوانينها الموضوعية، وإذا تعارضت قوانين البشر مع قوانين الطبيعة ينشأ التناقض بينها وتكون قوانين الطبيعة هي الحاسمة للتناقض.

انظروا للمجتمعات التي تقدمت وأصبحت في مقدمة سلم التطور المعرفي، ماذا عملت؟

بكل بساطة وضعت برنامج لإنتاج المعرفة للأجيال الشابة (بغض النظر عن الجنس أو اللون)، بمعيار الممارسة والتجربة وتبادل الخبرة لتطور الفرد في إطار المجموع وحمتها بمنظومة قوانبن، وأعطت أهمية قصوى للقضاء ووضعته فوق السلطة التنفيذية بشكل حاسم، وأصبح القانون له مفاعيله وهو الناظم والمعيار لسلوك القادة والمجتمع .

فلا مكان للسفهاء أو الفاسدين وإن وجدوا، فإن منظومة القوانين تكشفهم عندما تكون دوائر السلطة والرقابة خاضعة للقانون وليس للفرد، هذه المنظومة القانونية المدعومة من منظومة وعي جمعي مجتمعي، لا تقيم وزنًا لمصالح العلاقات العائلية أو العشائرية أو القبيلية، وتخضعها للمنظومة القانونية. هذه العلاقات وتقديسها هي أحد اسباب سيادة التخلف الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ومنبت للفساد والتمييز والعنصرية،

والناظم الذي يجمع هذه المجتمعات أنهم احترموا الفكرة الفردية والإيمان الفردي، ولكنهم أخضعوها لمعيار القانون الإنساني.