Menu

جدلية الوطني والقومي في القضية الفلسطينية

محمد صالح التومي - المعروفي

 حلمت اتفاقية سايكس – بيكو التي تمت صياغتها والحرب العالمية الأولى تشارف على نهايتها بوطن عربي مجزَّأ، وذلك بعد افتكاكه بواسطة الحرب من تحت السيطرة العثمانية، ثم مواصلة وضعه بواسطة الانتداب والاستعمار تحت سيطرة قوى الغرب حتّى يكون من الممكن وكبداية سرقة أجزاء منه متمثلة في أرض فلسطين، بحيث يفصل الكيان الصهيوني الذي سيقام فوقها مشرق الوطن العربي عن مغربه؛ فيمنع قيام أي قوة قد تكون منافسة للغرب في هذه البقعة من الدنيا الزاخرة بالتاريخ وبخيرات الطبيعة، ثم شاءت تعرجات الزمن اندلاع الحرب العالمية الثانية، وانبعاث حركات التحرر الوطني المسلحة، وذلك بدعم نسبي من الاتحاد السوفييتي بوصفه نقيضًا داخليًا صلب الحضارة الغربية القائدة، فبرز شيئًا فشيئًا ما سيعرف بالنظام الرسمي العربي، الذي رغم صمود بعض الأنظمة العربية الوطنية ضمن مكوناته؛ ستجد الإمبريالية في أغلب أرجائه أنظمة رجعية خاضعة لسلطانها، وقابلة لتقديم الخدمات لفائدتها، ولكن كل هذا الوضع الذي تمكنت الإمبريالية والصهيونية من التعامل مع جميع تناقضاته وإرهاصاته، وبدا لها أنَّها سيطرت عليه من خلال تواصل تدفق النفط والاتفاقيات المبرمة من طراز "كامب ديفيد" و"وادي عربة"  و"أوسلو".. قد ارتجّ فجأة سنة 2000 بانتصار المقاومة اللبنانية، وبروز أنموذج للتصدي خارج تمامًا عن سيطرة هذا النظام الرسمي العربي، وهو أنموذج حزبي وغير خاضع تمامًا لسلطة الدولة، أمكنه رغم ذلك تحقيق انتصارين على حساب الكيان: سنة 2000 وذلك بإجباره على الانسحاب الذليل من جنوب لبنان، وسنة 2006 وذلك بالصمود الذي أهان "تساهال" بصفته كان يعتبر أقوى جيش بالمنطقة، كما أمكن له تعزيز قدرة  قطاع " غزة - فلسطين" على المواجهة.. ما أعلن عن تهاوي ذلك النظام العربي الرسمي سليل الخبث الأنجلو سكسوني، الذي كان وراء بعث الجامعة العربية كإطار لذلك النظام.

أمام كل هذه التطورات، شاركت الصهيونية بمعية أصدقائها من أمريكان وفرنسيس وإنجليز وألمان وأتراك ورجعيات عربية في احتلال العراق سنة  2003، ثم في اختراق حركة الطبقات والفئات والنخب الغاضبة بالمجتمعات العربية، وحولت حلمها - الذي انطلق من تونس أواخر سنة 2010 هادفًا إلى التخلص من استبداد وعمالة الأنظمة الحاكمة-، حولت هذا الحلم إلى كابوس رهيب أسموه "الربيع العربي"، وجعلوه مسودًا بالإرهاب والاحتراب الأهلي والتغييب الكامل لمقومات الأمن الاجتماعي والاستقرار السكاني؛ ما تجسم في تقتيل المدنيين، وخراب الحواضر، ودمار العمران، ونهب الخيرات وكنوز الآثار، وبروز جحافل الهجرة بالملايين نحو مختلف أصقاع الدنيا، مع هدف خفي يتمثل في محاولة ضرب كل موضع للمقاومة أو للممانعة والصمود بكامل أرجاء الوطن العربي، وهو ما أدى في مرحلته البارزة أمام أعيننا:

 - أولًا: إلى إضعاف مركز مؤسسة الدولة ككيان جامع، وهم قد جربوا ما هو أبعد من إضعاف الدولة؛ أي تغييبها، وذلك بمختبر الصومال ورأوا نتائجه عيانًا، فطمحوا إلى تجربته في سوريا ولكن بدون نجاح عند النهاية، وذلك مواصلة منهم لخلق ما يسمونه بالمحيط النظيف حول الكيان الغاصب، ووصولًا إلى محاولة القضاء على الأنموذج الذي أقضّ مضاجعهم في هذه الأزمنة المتأخرة ألا وهو أنموذج المقاومة اللبنانية باعتبارها نوعًا جديدًا من المناهضة لم يجربوه من قبل، وخاصة وهم يرونه متأصلًا في بيئته السياسية المحلية والإقليمية، وبصدد ربط علاقات وثيقة مع بعض فصائل العمل الوطني الفلسطيني بالخصوص.

 - ثانيًا: إلى انكفاء كل مجتمع عربي على إشكاليات وجوده الخاصة تغييبًا لإمكانية تفكيره بعمق في قضاياه الاستراتيجية، وتفاعله الإيجابي بصفة مشتركة مع القضية القومية المركزية، ألا وهي قضية فلسطين.

ونحن لو نظرنا بالتدقيق الآن وبصفة بانورامية على امتداد كل العقود الممتدة من أواسط القرن العشرين إلى اليوم، ونحن على مشارف العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين.. لأمكن لنا متابعة الصهاينة وهم ومنذ انبعاث كيانهم وفي محاولاتهم  لضرب المقاومة الفلسطينية ولمنعها من الارتباط ببعدها القومي:

 * يطاردون الثائر الفلسطيني من أرض إلى أخرى، ويضيقون عليه الخناق، سواء أكان ذلك في الأردن ( أيلول/ سبتمبر 1970) أم في لبنان (1982) أم في تونس (  1985).

*ويشنون الحروب الظالمة على المحيط القومي لفلسطين، فينتصرون (حرب حزيران/ يونيو 1967)، وينهزمون جزئيًا (حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973)، أو يتعرضون للإهانة العسكرية (لبنان 2006)، فيلعقون جراحهم ويُعدون العدة لعدوان جديد ما أمكن لهم ذلك، ويعتبرون كل أجزاء الوطن العربي مسرحًا لعدوانهم مثلما أوضحوه تكرارًا في اعتداءاتهم على سوريا ولبنان والعراق.

* ويحتلون الأراضي: غزة والضفة الغربية من فلسطين، سيناء المصرية، الجولان السوري، وجنوب لبنان، وينسحبون كليًا أو جزئيًا، وبعد المساومة إما من جانب واحد (مثال غزة)، أو تحت ضربات المقاومة الموجعة (مثال جنوب لبنان)، أو بفعل المعاهدات الاستسلامية المفروضة، سواءً بالوعود والهبات من قبل قوتهم المالية الجبارة، أو بالتهديدات، أو بالضغوط الدبلوماسية (مثالًا الانسحاب من سيناء بموجب كامب ديفيد، ومن الضفة الغربية بموجب أوسلو) أو يحتفظون بما هو متاح لهم الاحتفاظ به، أكان ذلك نفوذًا على الأنظمة الراضية بالخضوع لسطوتهم، وهي أنظمة معروفة، أو أراضٍ يحتلونها: الجولان ومزارع شبعا.. كأمثلة واضحة على الاحتفاظ بالأراضي.

* ويتحركون على كل الواجهات دبلوماسيًا وتجاريًا ورياضيًا وثقافيًا وسياحيًا لفرض التطبيع الكامل أو الجزئي على الفئات الحاكمة بالمجتمعات العربية، مع النجاح النسبي في الأمر.. في انتظار فرض هذا التطبيع على الطبقات الشعبية التي تصر دائمًا على رفضهم، انطلاقًا من موقف قومي ثابت لديها مناصر لفلسطين.. فذلك ما يؤرقهم.

* ويشعلون بواسطة مخابراتهم الخاصة أو الحليفة نيران الفتنة داخل التنوع الإثني واللغوي والديني والطائفي والمذهبي للسكان المستقرين بمنطقة القومية العربية؛ خلقًا للشروط التي تمكنهم من التحالف مع هذا الطرف أو ذاك حسب الظروف، كما فعلوا مع بعض الأكراد وليس كلهم، ومع بعض السنة وليس كلهم، ومع بعض الشيعة وليس كلهم، ومع بعض الأمازيغ وليس كلهم.

* ويتمسكون  كصهاينة أو كيهود كبار بصلفهم وبمركب عليائهم وبعقدة غرورهم، معتمدين في ذلك:

 أولًا: على نفوذهم المالي الجبار، حيث تسيطر عائلة روتشيلد مثلًا، وهي إحدى عائلاتهم فقط، على صندوق النقد الدولي، وعلى بنك التنمية العالمي، ومن هناك تملي شروطها وتعليماتها على جميع المتعاملين معها تقريبًا.

وثانيًا: على تغلغلهم داخل مفاصل التجارة العالمية ومنظماتها وبورصاتها، وهو التغلغل الذي حققوه بانغراسهم الطاغي والمعروف بالأسماء وبالأرقام داخل هذه المفاصل، وذلك توسلًا بإتقانهم لفنون التجارة والصنائع والمضاربات عبر التاريخ، بل لبراعتهم فيها أحيانًا.

وثالثًا: على سيطرتهم على وسائل الإعلام والاتصال بأنواعه، كما على وسائط التواصل الاجتماعي  بتفرعاته الحديثة.

 ورابعًا: على اختراقهم بواسطة اللوبيات والمحافل والأندية الماسونية المتعددة لمراكز القرار في عواصم الحضارة القائدة في أمريكا والاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا، دون إغفال بقية العواصم العالمية الأخرى عند الإمكان واللزوم.

إنَّ هذا المقدار من القوة يجعلهم يحلمون بوضع الفلسطينيين وكل مكونات القومية العربية تحت سلطانهم، وهكذا، فَهُم حتّى لما انكفأوا عنوة إلى معزلهم الكبير والجديد الذي رسموه بأنفسهم ببناء الجدار العازل؛ فإنَّهم سارعوا إلى رفع شعار "الدولة اليهودية" الذي ربطوه في البداية بشعار "الشرق الأوسط الكبير"، ثم ها إنهم يربطونه اليوم بما يسمونه: صفقة القرن. 

إنَّ المجال الجغرافي للشرق الأوسط الكبير الذي ينوون إنجاز صفقة القرن داخله قد تحدد من قبلهم  في منتديات من شاكلة هرتزيليا وآيباك وبيلدربارغ، فهناك جعلوا هذا المجال في تصوراتهم ممتدًا من موريتانيا إلى الباكستان وأفغانستان، مرورًا بكامل الوطن العربي بمغربه الكبير وبمشرقه، وهم لا يرون أنفسهم  في علاقة بالوطن العربي تخصيصًا إلا بمنزلة  قوة رئيسية داخله، مع وجوب  كنتنته الآن حسب رأيهم (أي تحويله إلى كانتونات وإمارات)؛ وذلك بعد تجزئته سابقًا بمقتضى اتفاقية سايكس- بيكو، غير ملتفتين حتّى إلى ما يحتويه شعار "الدولة الدينية" المصاغ بمثل هذه الصفة من نفي تام ومعلن للديمقراطية التي يتبجحون بها باطلًا، ذلك أنَّ مثل هذه الدولة الدينية التي يحلمون بها زيادة على رغبتها في الهيمنة على الشعوب، وهو ما سيبعث المقاومات المشروعة ضدها، لا يمكن لها  تحقيق ذاتها بدون ترانسفير لجزء مهم من سكان الكيان الذين تمَّ اعتبارهم عند انبعاثه مواطنين إسرائيليين، سواء أكانوا من المسلمين أم من المسيحيين، ألا وهم "عرب الـ 48"، وهو الاسم الذي  يطلق عليهم، والذين سيعتبر تهجيرهم - إنْ أمكن لهم ارتكابه- جريمة عنصرية  من أشنع  جرائمهم.

 هل يمكن القول بناءً على كل ما سبق بيانه من تعرجات التاريخ أنَّ الصهاينة وكبار اليهود كما حددناهم قد انتصروا؟ نجيب بأنَّهم – هم وقبل غيرهم-  يدركون أنَّ ما حققوه ما زال قابلًا لإعادة النظر فيه أمام التاريخ، بل ما زال قابلًا للزوال أصلًا؛ فرغم أنَّ المقاومات العربية ما زالت:

- متفرقة الصفوف ولا تتحرك إلا في مستوى رد الفعل فقط؛ أي: إنَّها لا تشتغل إلا عندما يتسلط الفعل على المعطيات الوطنية لأجزائها بدون تنسيق فعلي بين مكوناتها قوميًا، وليس دائمًا بالسرعة  المطلوبة فوق ذلك، ولم تنجح بعدُ  في رسم استراتيجية:

تكون أولًا: متكاملة وشاملة؛ أي فيها تناغم يتجاوز عوائق ما هو قطر ي أو طائفي أو مذهبي في مكوناتها، فهذا التناغم المطلوب ما زال غير متبلور إلى حد اليوم.

 وتكون ثانيًا: مبوبة بحكمة على مراحل تكتيكية واضحة، ومسارب بديلة عند اللزوم، ومرتسمة في  أفق هجومي عند النهاية، مع التفريق في كل مرة بين الهدف العاجل والحارق، وبين الهدف الثانوي وبين الهدف الرئيسي، خالقة تناسقًا دائمًا بين الأهداف جميعها.

وتكون ثالثًا: عارفة بقوانين التعامل مع كل  الجوار الجغرافي، كما مع الأصدقاء وأنصاف الأصدقاء، ومثل ذلك مع الأعداء وأنصاف الأعداء، وكل واحد في حدوده.

قلنا إنَّه رغم كل ما سبق، فإنَّ الصهاينة يعرفون قبل غيرهم أنَّ كل ما أنجزوه يمكن أنْ يكون مرشحًا للزوال، فهم عند النهاية يفهمون أنَّهم  أمام ثلاثة عناصر صلبة، هي:  الأرض، والتاريخ، والإنسان، وهم واعون تمامًا أنَّ هذه العناصر إذا ما تناسق فعلها، بإمكانها طال الزمن أم قصر، أنْ تجعل من مرورهم في المنطقة العربية بمكانة الطفح الجلدي الموضعي الذي لا بُدَّ يومًا أنْ يزول.

وهم كموثقين وكقراء للتاريخ، يعرفون أنَّ تضافر هذه العوامل هو الذي طرد الصليبيين بعد أكثر من قرنين من استقرارهم بأرض العرب، كما طرد العرب أنفسهم – وكان معهم اليهود – بعد استقرارهم بالأراضي الإسبانية التي سموها "أندلسا" لمدة ثمانية قرون بالتمام والكمال.

كما يفهمون أنَّ هذه العوامل هي التي رفضتهم، وسوف تظل ترفضهم بعد تسللهم إلى أرض فلسطين العربية بكل ما يملكون من أساليب العنف والخداع، وما صاحبها من مجازر ومن حروب ومن مظالم في حق البشر والشجر والعمران، وذلك رغم عربدتهم بكل طريقة؛ من أجل الإيهام بتفوقهم العسكري والسياسي والعلمي والحضاري عساهم يفرضون بقاءهم؛ فالمقاومات العربية بكل درجاتها الحالية قادرة على تجاوز هزائمها ونقاط ضعفها - من طراز ما أشرنا إليه آنفًا- وتحويلها إلى عناصر للقوة وإلى انتصارات.

ويمكن الاكتفاء بخاتمة تبيِّن انكسار المشروع الصهيوني إنْ عاجلًا أو آجلًا، وذلك من خلال ما نشرته جريدة هآرتس، وفيه كلام منسوب إلى أحد الصهاينة ويُدعى جدعون ليفي، حيث جاء فيه وهو يتحدث عن الشعب الفلسطيني الكنعاني العربي، وبعد استعراض آيات صمود هذا الشعب ومقاومته للاحتلال بالسلاح والأنفاق والذكاء والدهس والطعن والانتفاض والصواريخ، إذ قال: "خلاصة الحديث: إننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ.. ولا حل معهم بدون الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال".

إنَّ انكسار المشاريع الظالمة يبدأ بالضبط حين يصاب الظالمون بالإحباط المعنوي أمام صمود أصحاب الحق، وهذا ما نحن عليه شهود رغم كل مظاهر الغطرسة، فلا عبرة هنا بعدد السنوات.     إنَّ هذا الانكسار لدى العدو هو ما يحققه الفلسطيني المتمسك بحقه في أرضه، يناصره في ذلك أحرار كل الأمم، وتخصيصًا أحرار الوطن العربي الداعمين له في نطاق جدلية الوطني والقومي  بجميع أشكال الدعم الممكنة، ماضيًا وحاضرًا، وهي الأشكال الواجب تطويرها مستقبلًا.