Menu

القائمة الخضراء في نقابة المهندسين ما لها وما عليها!

حاتم استانبولي

لكي نرى واقع القائمة الآن لا بد أن نلقي نظرة تاريخية موجزة عن دورها، وعن بنيتها، والتغيرات التي طرأت عليها. لا بد من الإشارة أن القائمة الخضراء إطارًا جبهويًا وطنيًا مهنيًا؛ لعب دورًا هامًا في التصدي للمهمات الوطنية والديمقراطية والمهنية، وتأثر هذا الإطار في المد والجزر للحركة الوطنية التي كانت لها انعكاسات عليه.

بالرغم مما طرأ على الحركة الوطنية الأردنية من تغيرات بنيوية تاريخية، إلا أن هذا الإطار بقي محافظًا على جوهره الوطني الديمقراطي، الذي كان معياره وما زال الموقف من القضية الفلسطينية التي لها وقعًا خاصًا في الأردن؛ بحكم المنشأ التاريخي لها المرتبط اجتماعيًا وسياسيًا بترابط ضفتي النهر تاريخيًا. الصفة الوطنية الديمقراطية لهذا الإطار لها أبعاد وطنية ديمقراطية تحررية مهنية، حيث لعب دورًا ديمقراطيًا وطنيًا مدافعًا ومنذ تأسيسه عن القضايا الوطنية والقومية، وقد عانى ممثلوه من أشكال عديدة من القمع والاضطهاد في فترة الأحكام العرفيّة حتى طالت لقمة عيشهم، وحرمانهم من خدمات الدولة ووظائفها. 

بالرغم من قيادتهم للنقابة في تلك الفترة، فقد كان هذا الإطار محافظًا أمينًا على مصالح المهندسون وأموالهم، وكان للخضراء دورًا مميزًا في الحفاظ على الطابع الوطني الديمقراطي والمهني للنقابة، وخاض نضالاته المهنية المطلبية إلى جانب مطالبه الديمقراطية، وعمل بجهد من أجل تطوير المهنة، وكان له دورًا مميزًا في تطوير القطاع الخاص المهني، وبذلك كان دوره رائدًا في عملية البناء الوطني، لما لهذا القطاع من دور في دعم الاقتصاد الوطني. وبالرغم من معاناة ممثليه وجماهيره في فترة الأحكام العرفية؛ إلا أن المساومة الغير متكافئة التي حصلت بين النظام والقوى الوطنية التي أنتجت مرحلة جديدة تصالحية نتج عنها اعتراف متبادل بشرعية كل من النظام والمعارضة، ولكن هذه الشرعية لم تترجم بمشاركة فعلية للمعارضة في مؤسسات الدولة والنظام، واقتصرت على إطلاق العفو العام وعلنية العمل السياسي ضمن قانون انتخابي وحزبي، لا يعكس موازين القوى الاجتماعية، ومشاركتها في السلطة التشريعية والتنفيذية. 

لقد أدرك النظام أن الديمقراطية التي كانت تناضل من أجلها الحركة الوطنية الأردنية، هي ضرورة في ظل المتغيرات الدولية التي رافقت فترة نهاية الثمانينات، حيث اعتبرت الحركة الوطنية ممثلة بقواها اليسارية والقومية وشخصياتها الوطنية أن الانجاز الديمقراطي الذي أقر كنهج، هو انتصار لها وتتويج لانتصاراتها؛ إلا إنها لم تنجز مساومة (عادلة) مع النظام، يعطيها دور ملموس وفعّال، بالمشاركة الفعلية في الحياة السياسية. انعكس هذا سلبًا على بنية القوى وتوجهاتها ورؤيتها، حيث حصل أن غادرها كم هائل من كادراتها لأسباب ومنطلقات عديدة، ولكن جوهرها أنها لم تستطع استيعاب المساومة التي حصلت بين النظام والقوى السياسية، وانتهت بمصالحة عشائرية، لم تقدم للقوى التي عانت وضحت على مدار عشرات السنين سوى علنيتها، ولم تعطِ أي دور فعلي في المشاركة السياسية. هذا الكادر لم يستطع مغادرة العمل الوطني، فوجدوا الإطار النقابي للقائمة الخضراء بديلًا للتعبير عن آرائهم واستمرار لنضالاتهم الوطنية والمهنية، جنبًا الى جنب مع القوى اليسارية والقومية. 

في ظل استمرار المعيقات المقوننة للعمل السياسي الديمقراطي والهجوم الممنهج من قبل مراكز قوى في النظام على النشاط الحزبي، انكفأ الجيل الجديد عن الأحزاب اليسارية والقومية، وأصبح الطريق سهل أمام الأفكار التي تستخدم الدين لأهداف سياسية، والتي كانت متحالفة مع النظام في فترة الأحكام العرفية التي اشتركت معه في العديد من المناسبات في قمع وملاحقة الوطنيين والقوميين واليساريين، حيث كانت هي الأداة الفكرية للنظام في مرحلة الأحكام العرفية؛ يستخدمها في حرف وتحريم النضال التحرري الوطني، وجميعنا يذكر دورهم في تحفيز الشباب للقتال في أفغانستان تحت شعار مكافحة الكفر.

بداية مرحلة التسعينات تغير دورها، حيث كافأ النظام حليفه بمساعدته في الانقضاض على النقابات المهنية، ومنها نقابة المهندسين التي ترافقت مع تراجع وطني عام، وضبابية في المعايير الوطنية والديمقراطية المستحدثة التي غلب فيها دور الفرد والمصلحة الخاصة ورؤية الخلاص الفردي، وتزامنت مع أسباب وعوامل موضوعية أخرى؛ ساهمت في سيادة أجواء من التراجع والإحباط، وأمام هذه الصورة فقد سعت مراكز في النظام إلى تغذية النزعات الفردية والعشائرية، ودعمها وسن القوانين التي تدعم هذه التوجهات لمحاصرة العمل الحزبي الوطني المنظم، لخوفها منه، وهذا مرده عدم ثقتهم بالعمل الوطني المنظم، لأسباب تتعلق ببعض مراكز القوي التي نمت في ظل الأحكام العرفية التي تتعارض مصالحها مع أي توجه لتصحيح العمل السياسي الوطني وبناءه على أسس وطنية يكون فيه (سيادة) القانون هو الحكم ولا سيادة سوى للقانون.

إن عدم إدراكهم أن القوى الوطنية هي ضد الظواهر الخاطئة السائدة في بنية النظام والمجتمع، وفي ظل مجابهتها للقوى الوطنية المدافع العنيد عن الدولة، فإن دعمها للتيارات التي تستخدم الدين لأهداف سياسية، هي بموقفها هذا تدعم التيار الذي لا يؤمن بالوطن والدولة، وأفكاره تتعدى حدود الدولة وتلغي جوهرها الوطني، وعقدها الاجتماعي بين كافة تياراته الفكرية والقومية والعرقية، وتكون فتحت الباب واسعًا أمام تقويض مفهوم الدولة الوطنية. هذه الرؤية المصلحية الضيقة لبعض مراكز القوى في النظام السياسي، نابع عن مصلحة ضيقة لمصالحهم الفئوية التي ترى الوطن من خلال تحقيقه لمصالحهم الداخلية والخارجية، وهنا يكمن التقاطع بين هذين الاتجاهين البيروقراطي المتحالف مع الدين السياسي والليبرالي (الكمبرادوري)، رؤية تجمعهما بأن الوطن ليس انتماء، وإنما جسرًا لتحقيق مصالحهم، وفي أول اختبار حقيقي يتخلون عنه؛ الأول لأسباب عقائدية، والآخر لأسباب مصلحية، مرتبطة بعلاقات نفعية خارجية، لهذا السبب فإن دعم التيارات الدينية التي تأخذ من الدين غطاءً سياسيًا، يكون دعمًا لتقويض الدولة، وبناء عليه فإن المجابهة في نقابة المهندسين بين القائمة الخضراء والبيضاء، ليس مجابهة بين ألوان، وإنما مواجهة بين رؤيتين؛ الخضراء التي ناضلت على مدار عشرات السنين من أجل نقابة للجميع وبالجميع، هي ديمقراطية بحكم بنيتها التي تعكس كافة الأطياف السياسية والنقابية والوطنية والمهنية، وهي تعكس الوطن بقواه الاجتماعية. أما البيضاء، فهي تعكس مكون عقائدي متحالف مع التيار البيروقراطي، يأخذ من الدين واجهة لأهداف سياسية، تعكس رؤية فئوية تُجيّر كل مدخرات وطاقات النقابة لأهدافها السياسية، ولا تشرك أو تؤمن بالمشاركة المتكافئة، وهي مع سياسة الإقصاء والمشاركة الشكلية، ولا تملك رؤية وطنية من أجل تطوير نقابة المهندسين كجزء فاعل في بناء الدولة الوطنية العصرية.

إن القائمة الخضراء بكل مكوناتها تسعى لإعادة الاعتبار لنهجها ورؤيتها، عبر رؤية جديدة آخذة بعين الاعتبار كافة التوجهات المهنية والديمقراطية والوطنية، مستفيدة من تجاربها السابقة، وعليها إرجاع نقابة المهندسين لمهندسيها، عبر رفع المشاركة الفاعلة بهيئاتها، واستثمار أموال المهندسين في المشاريع الهندسية التي يجب أن تنعكس ايجابًا على النقابة ومنتسبيها، من خلال فتح فرص عمل أمامهم، وعلى البناء الوطني عمومًا، وتصبح النقابة وبحكم حجمها ودورها ركنًا فاعلًا في البناء الوطني والمهني والديمقراطي، وإعطاء دور فاعل ومميز للمهندسين والمهندسات (الشباب)، وفتح لهم آفاق من أجل عيش كريم، ومستقبل أفضل، والعمل على إعادة تأهيل مهندسين القطاع العام، لسرعة دمجهم في الحياة المهنية، والاستفادة من تجاربهم في تطوير الآليات القانونية, ولهذا فإن كافة الجهود التي تبذل من أجل إعادة تصحيح عمل القائمة الخضراء، بما يتلاءم مع التطورات لمجابهة التحديات التي أفرزتها قيادة البيضاء للنقابة، وفشلها في الحفاظ على جوهرها الديمقراطي، يجب أن تجد دعمًا من كافة القوى والفعاليات والنشطاء الوطنيين الديمقراطيين. وفي 2015 جرت جهود حثيثة من أجل إعادة بناء الخضراء والنقابة، على أسس ومعايير ديمقراطية داخلية، لكن هذه المحاولات جوبهت بقوة من قبل تحالف قوى لا تؤمن بالعمل الحزبي الديمقراطي، وأعلنتها صراحة بكل المناسبات مع اتجاه داخل الخضراء، لم يستطع أن يخرج من عباءة الفردية والهيمنة، واستخدموا مواقعهم كممثلين لتيارات حزبية في تقويض الإطار الجبهوي للخضراء، وأطلقوا إطارًا جديدًا، وللمفارقة أن هذا الإطار تمثل بذات الشخوص التي كانت تترأس الخضراء وأوصلتها لحالة من الشلل، وأرادت أن تجدد ذاتها بتغيير عباءتها وحطتها، ولكن التجربة أكدت فشل هذه التجربة، وانفضاض جمهورها الذي أدرك أن مساومة حصلت مع البيضاء في الدورة الأخيرة التي كان لها انعكاسات عميقة على النقابة ودورها. وبالرغم من حسن نية البعض، ولكن التجربة أثبتت أن المصالح أقوى من حسن النوايا، ومرة أخرى تم الهجوم على الخضراء وجوهرها، ولم يدرك البعض أن إلغاء الخضراء، هو يهدف لإلغاء الذاكرة الجمعية التاريخية لدورها الهام في نقابة المهندسين. وبهذا الصدد فإننا نناشد كافة المهندسين بغض النظر عن انتماءاتهم للمشاركة في الحوار المبني على الاحترام المتبادل لكافة الأفكار المستندة على مصلحة المهندسات والمهندسين، من أجل تصحيح عمل نقابتنا، ورفع سوية العمل المهني والوطني والديمقراطي في إطار الخضراء، واعتبارها إطارًا جمعيًا جبهويًا، نعمل بشكل مشترك على تطويره برنامجيًا وتمثيليًا.

إن البرنامج الذي طرح في 2015 في المؤتمر الموسع للقائمة الخضراء، كان يشكل مدخلًا لحل الأزمة البنيوية للنقابة واستثماراتها وصناديقها وقانونها.