Menu

اهتزاز عرش الطائف

عرفات الحاج

يبلغ نصيب الفرد من الدين العام للبنان ١١٦٦٠ دولار أمريكي، من مجموع ديون البلد البالغة ٧٩.٣ مليار دولار، بما نسبته ١٤٠% من حجم الاقتصاد اللبناني، هذا ما فعلته المنظومة السياسية منذ اتفاق الطائف، وهذا ما فجر انتفاضة الجماهير اللبنانية... السؤال راهنًا هو: ما هي السياسة التي تنوي الحكومة اللبنانية انتهاجها للتعامل مع أزمتها المالية؟ فهي ببساطة وبدون أي مواربة تنوي تحميل عجز الموازنة الهائل والمسؤولية عن سداد الديون للجمهور اللبناني، من خلال مزيد من التقليص في الخدمات، والاستلاب للحقوق الفردية والوظيفية، وزيادة الضرائب، وآخرها الضريبة التي أعلن وزير الاتصالات اللبناني فرضها على مكالمات تطبيق واتساب المجانية، وأخرجت الجمهور للشارع منذ ليلة الخميس الماضي وحتى اليوم.

ومع ذلك لا يمكن القول أن الدوافع المحركة للجمهور ترتبط فقط بمسألة المديونية والسياسات الضريبية، بل بطبيعة النظام الذي انشأه اتفاق الطائف، فلقد تم تقسيم البلد وفق محاصصة طائفية بين زعماء الحرب الأهلية، وأسس النظام الجديد لمناطق نفوذ وهيمنة جغرافية لهذه الزعامات، تعاملت مع البلاد كمجموعة من الجيتوهات، وغدا الحُكم كشراكة في مشروع تجاري، شراكة يحصل بموجبها هؤلاء على موارد البلد ومواقع السلطة.

هذه التركيبة العقيمة سمحت للفساد بالتوحش لحدود غير مسبوقة، وأصبح نهب المال العام سياسة شبه معلنة، فتجتمع الحكومة اللبنانية لإقرار الحصص وتوزيع الغنائم بين هؤلاء الساسة ممثلين بالوزراء ونوابهم، أما ما يجري من تحت الطاولة فهو تقاسم آخر لموارد النهب، فيحتكر أحدهم الكسارات والمحاجر، فيما يتقاسم بعضهم المحروقات، ويحتكر آخر قطاع الاتصالات، وينهب عنصري طائفي آخر قطاع الكهرباء المأزوم في لبنان، وكل هذا يضع بدوره ضغوط لا تحتمل على المواطن اللبناني، ويراكم غضبه.

العقوبات الأمريكية:

أول بلد عربي تمكن من دحر العدو الصهيوني عن أرضه دون اتفاق تسوية أو استسلام سياسي، يعتبر في قائمة الاستهداف الأمريكي الدائم، فالولايات المتحدة لم تتسامح اطلاقًا مع إمكانية خروج هذا البلد من دائرة الهيمنة الغربية، أو مع وجود واحدة من أهم حركات المقاومة المسلحة ضد الكيان الصهيوني على أرضه.

ولبنان الذي كان المعسكر الاستعماري يراهن دومًا على زعامات الطوائف فيه لإلحاق هذا البلد بالفلك الغربي، واستخدامه كرأس جسر للمصالح الغربية في العالم العربي، بدءًا بما عرف بسياسات مكافحة الشيوعية، ومرورًا بما يعرف اليوم في السياسة الإمريكية بمكافحة الإرهاب.

وفي ظل الهزائم السياسية المتكررة للمشروع الأمريكي والاستعماري في لبنان، وتراجع نفوذ وقدرة حلفاء الكيان الصهيوني وأعداء المقاومة في هذا البلد، بات الخيار الأساسي لأمريكا وحلفائها ضرب استقرار هذا البلد، من خلال تصميم نوع من الحصار، يستهدف حزب الله وقدراته السياسية والمالية وجماهيريته، ويسعى للضغط على الجمهور اللبناني وتدفيعه ثمن وجود حزب الله كجزء من النسيج السياسي والاجتماعي في لبنان، هذه هي فلسفة عمل العقوبات المالية الأمريكية، التي راهنت على تعاون النظام المصرفي اللبناني التابع، وتصرفت بدرجة عالية من التنسيق مع حلفائها العرب وغيرهم في المنطقة، وكذلك حلفائها وحلفائهم في لبنان، على أمل أن تنتفض الجماهير اللبنانية ضد حزب الله.

ما فعلته المنظومة المالية اللبنانية منذ تصعيد العقوبات الأمريكية والخليجية ضد لبنان، هو الانحياز فعليًا لهذه العقوبات، والعمل على تسليط تأثيرها على الجمهور اللبناني، ولكن التأثير جاء بشكل مختلف لما توقعته هذه المنظومة، فالغضب المتراكم من الضغط على المواطن اللبناني كان يستعد للانفجار في موضع آخر وبمطالب مختلفة عن تلك التي خطط لها مصممي العقوبات على لبنان.

التحريض الطائفي والعنصري كمخرج:

في ظل استمرار اخفاقات وكوارث النخبة الحاكمة، راهنت قطاعات منها على تفريغ الغضب الجماهيري المتراكم بالاتجاه التقليدي الذي اعتادته هذه الزعامات الطائفية، أي التحريض الطائفي والعنصري، وتنافست في ذلك أحزاب لبنانية عدة، بل وتبارى وزراء الحكومة اللبنانية وتوابعهم من رؤساء للبلديات والمجالس المحلية، على تنفيذ اجراءات عقابية استهدفت اللاجئين السوريين، واللاجئين الفلسطينيين، وصلت لنبش القبور ومنع الدفن في بعض المناطق على أساس طائفي، وما كانت انتفاضة المخيمات الفلسطينية ضد قانون العمل ووزيره العنصري، إلا مقدمة من الرد الشعبي على هذه الأشكال من التحريض العنصري والطائفي.

ظهرت هناك أسماء أكثر من غيرها في هتافات الجمهور اللبناني، تنالهم الشتائم، ويتبارى الناس في نظم الهتافات ضدهم، لعل أبرزهم جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني الحر، الذي قاد واحدة من أبشع حملات التحريض العنصري والطائفي ضد اللاجئين الفلسطينيين والسوريين... في إشارة لوعي جماهيري فريد بما حاول هؤلاء فعله، أي البناء على رهانات الحرب الأهلية والشحن الطائفي والعنصري، وأسوأ ما فعله جبران باسيل في هذا الاتجاه أنه كان يغطي جرائم تحريضه وممارساته الطائفية والعنصرية بغطاء تحالف حزب الله مع التيار الوطني الحر والرئيس اللبناني ميشال عون.

معركة ضد السماجة:

إلى جانب باسيل هناك طابور طويل من الساسة اللبنانيين، منهم وزراء وزعامات حزبي القوات والكتائب اللبنانية، ورئيس المجلس النيابي اللبناني نبيه بري، ورئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري، هؤلاء جميعًا بلا استثناء أعلنوا في مواقف إعلامية تأييدهم وتفهمهم للحراك الجماهيري، بل وأسوأ من ذلك اِدعوا أن الجماهير التي في الشارع تحمل رؤيتهم السياسية - أينها؟- من بقية الساسة اللبنانيين.

جزء أساسي من معركة الجمهور اللبناني اليوم هي ضد الوقاحة التي يتحلى بها هؤلاء الساسة، واستعدادهم الدائم للمناورة وفق قواعد اللعبة الطائفية، تجاه أي حدث مهما بلغت جذريته وسمو أهدافه وتطلعاته، وهذا جوهر المناورة التي يقوم بها هؤلاء الساسة اليوم، فخلال الأيام التالية من الانتفاضة الجماهيرية دفع هؤلاء بأنصارهم تارة للانضمام للمظاهرات والاعتصامات وترداد شعارات تتهم خصومهم وتحاول حرف اتجاه الحراك، وفي تارة أخرى دفع بعضهم بمسلحيه للشوارع لقمع الجمهور والتنكيل به.

المؤكد اليوم أن الميادين مفتوحة أمام كل تأثير بما في ذلك تأثير وألعاب زعامات النظام الطائفي، وأن هؤلاء لن يسلموا مصالحهم أو حساباتهم البنكية بسهولة، ولو أحرقوا البلد عن بكرة أبيه، ولكن المؤكد أكثر أننا أمام حالة مهمة ونوعية من الوعي الجماهيري المتناغم، والمتجاوز لحدود الطوائف والمناطق، وأن المكاسب المتحصلة للجمهور حتى الآن هي كبيرة بالفعل.

سقطت فرص العنصري جبران باسيل وأحلامه في رئاسة لبنان خلفًا لصهره الجنرال ميشال عون، وانتفضت طرابلس في وجه النفوذ التقليدي لسعد الحريري وتيار المستقبل، وعصابات التعبئة الطائفية التكفيرية، وفي الجنوب هناك انتفاضة لها الكثير مما تقوله في وجه امبراطورية نفوذ تحاول الاتجار بمقاومة لم تمارسها، بل وحاولت طويلًا محاربة حزبها وأنصارها قبل أن تيأس وتختار سرقتهم فحسب.

نحو عقد اجتماعي جديد:

كل هذا يبدو مهددًا، وكل منجز حققه الجمهور في الأيام الماضية يبدو عرضة للانقضاض عليه مجددًا، أو الالتفاف عليه واحتوائه وتذويبه تدريجيًا، فأعمدة التحالف الطائفي والنظام المصرفي، مصممين على الاستمرار في لعبتهم، والقفز عن مطالب الجمهور دون إصلاح جدي، وقد يكون أسوأ ما يحيق بلبنان أن يتم خداع الجمهور بتغيير سطحي، يسمح لهذا النظام بإعادة الانقضاض على حقوق الجمهور؛ فمطالب الجمهور عبرت عن رغبة حقيقية في تغيير جذري، يُحدث تحول تاريخي في مسار هذا البلد وفي علاقات السلطة والثروة وتوزيعها فيه، وهو ما يستحق ويستوجب الكثير من التنظيم والانتباه في المرحلة المقبلة.