وبدأت رحلة السؤال والاستنكار،محمود درويش الشاعر الشاب الذي عرف به اول من عرف الناقد الراحل رجاء النقاش، درويش يترك القضية كما يرى البعض ليحلم بنوبل، كما فعل شاعر عربي اخر مرشح دائم لها، لكن على قارعة النسيان، رحل درويش ولم ينل نوبل وهو اكبر من الجوائز كلها، لا بل ان منحه اياها، هو واي شاعر عربي ممن هم حقا شعراء، يعني اعترافاً بشرعية هذه الجائزة، وتطهير لها من دنس السياسة.اثارت اعمال درويش الاخيرة الكثير من النقاش الذي لايخلو من الاتهام المباشر، بان الشاعر قد تخلى عن قضيته التي اعطته هذه الشهرة ذائعة الصيت، القضية التي جعلت منه اسطورة حقيقية، فما ان يحل ضيفا بأي بلد عربي، الا وتجد مئات الالاف تحتشد لحضور امسياته، والسعيد من يستطيع الوصول الى مصافحته.
بعض الدارسين رأى ان الملحمة الكبرى التي انجزها درويش كانت مديح الظل العالي عام 1982م، بل وصل الامر ببعضهم الى دعوتهم للتوقف عن الكتابة، لانه حلق بجناحين من فضاء لامحدود، وقد تجاوز ذرا الابداع الحق في هذه الملحمة ولن يكون بإمكانه، هو ذاته ان يتجاوزها يوما ابدا.
بكل الاحوال، الشاعر الذي شغل النقاد والدارسين، ليس موضع اتهام احد، لا بل لايحق لاحد مهما كانت مرتبته الادبية والفكرية ان يفعل ذلك، لان درويش نفسه قد حلل وشرح التحولات التي صار اليها في مجموعاته الشعرية الاخيرة، وقد توقف نقاد عرب عند هذا التحول، ودرس احمد دلباني هذه المجموعات في كتاب هام صدر عن دار التكوين بدمشق تحت عنوان موت التاريخ..منحى العدمية في أعمال محمود درويش الأخيرة, وقد نشر الدلباني قسما من هذا الكتاب كدراسة في موقع الحوارالمتمدن، ومن الدراسة المذكورة نقف عند المقطع التالي:يقول دلباني في دراسته التي نشرها موقع الحوار المتمدن:
من الثورية إلى العدمية: هذا هو المسار الذي جسدته تجربة محمود درويش. هذا، بالطبع، ليس تقييما لتجربة شعرية وفكرية غنية بقدر ما هو وصف لمسار قاد صاحبه إلى أن يكون ممثلا لوعي ظل يعتمل داخل رحم المرحلة وظل يرسم منحاها العام، أعني ذلك المنحى الذي خبا فيه ضوء التاريخ بوصفه انبجاسا لينابيع المعنى ولأبجديات التحرر الشامل للإنسان. لقد أصبحت العدمية السمة الأكثر حضورا في كتابات درويش الأخيرة. العدمية مفهومة على أنها غياب القيمة وغياب الأساس الأنطولوجي لكل ما يتأسس عليه المعنى. إنها العالم وقد رد إلى اللاتشكل، والتاريخ وقد أصبح كابوسا مليئا بالصخب والعنف. إنها - في كلمة - انتفاء العلو.
لقد تم عبور درويش إلى هذه الضفة التي جعلت بول فاليري يتحدث - يوما ما - عن «سأم الحياة المحض».
من الثورية إلى العدمية؟ قد يبدو هذا الأمر مستهجنا قليلا أو- على الأقل - مستغربا؛ فمن المعروف أن الموقف الثوري موقف إيجابي يرتكز على رؤية فلسفية وإيديولوجية تعتقد بجدوى العمل من أجل التغيير الذي يكتنزه التاريخ بوصفه صراعا جدليا يفضي حتما إلى انبلاج عهد الإنسانية المتحررة نهائيا من الاستلاب. أما العدمية - على النقيض من ذلك - فهي ظلت تعتبر موقفا إيديولوجيا بورجوازيا تأمليا أذنت شمسه بالأفول التاريخي لطبقته. ولكن تحول درويش إلى هذه الحساسية العدمية في شعره الأخير لم يكن - برأينا - تحولا فرديا وإنما كان، أيضا، موقفا معبرا عن تحولات المرحلة والوعي بعد انهيار المنظومات الإيديولوجية الشمولية التي ادعت، طويلا، إمكان إنقاذ الإنسان من المصادفة الكونية العمياء، وتدشين عهد الخلاص التاريخي من الاغتراب.
ربما كان دلباني اكثر الدارسين العرب قدرة على تقديم اراء نقدية حقيقية تذهب بعيدا في كشف وسبر غور هذه التحولات التي مر بها درويش، ولكنها مع ذلك لا تقدم أي اجابات على اسئلة مثل: لماذا علينا ان نكون انسانيين مع عالم لايعرف الا الوحشية والهمجية؟ وما الذي جناه درويش من هذا المنحى الذي قال انه شعر صاف، انه انساني، ومن قال له: ان العالم يحترم النزعة الانسانية، ليت محمود درويش كان على قيد الحياة ليرى ما تفعله الانسانية بنا، لا بل هو شاهد على الكثير مما ارتكب باسم الانسانية، ولنا ان نسأل أليس الدفاع عن فلسطين عملا انسانيا، وهل استطاع العرب ان يفعلوا شيئا بروحهم لنقل الانسانية وما قدموه ؟
اسئلة كثيرة ليس مجال ذكرها الان ابدا، ولكن لابد من طرحها لان الشاعر ليس عاديا، ولا التحول كان عاديا ابدا، وهذا ما استدعى فخري صالح ان يعقد بحثا هاما تحت عنوان: محمود درويش من شعر المقاومة الى شعر الانسانية، جاء في الكتاب الذي اصدره مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت في ذكرى رحيل درويش، وتحت عنوان: هكذا تكلم درويش -دراسات في ذكرى رحيله،يرى صالح ص135 ان درويش اصبح في هذه المرحلة صانع اساطير، يولد حكايات من حكايات ويبني عالما اسطوريا تتمازج فيه حكايات الشعوب واحلامها في ارض القصيدة التي تسعى الى وضع حكاية الفلسطينين في افقها الكوني وتخليصها من محليتها ومباشريتها، وقد انعكس ذلك غموضا فاتنا على صوره وعالمه الشعري الذي ظل لفترة يحاول التخلص من حمولته السياسية المباشرة لصالح انجاز قصائد كبيرة قادرة على ان تجدل الراهن بالعابر للتاريخ والمتجدد عبر الزمن.
محمود درويش الشاعر والمناضل والانساني، ترك الحصان وحيدا، ولم يعتذر عما فعله، وحتى سرير الغريبة بقي كما هو، وطفحت الاسئلة التي جاءت اليوم لتزيد من حيرتنا وتذكرنا بما قاله في مديح الظل العالي:
هـــــذه الـصــحــراء تـكــابــد حـولــنــا
صــحـــراء مـــــن كـــــل الــجــهــات
صـحـراء تأتـيـنـا لتلـتـهـم القـصـيـدة والحـسـامـا
هـــل نخـتـفـي فـــي مايـفـسـرنـا ويشـبـهـنـا
وهل...هـل نستطـيـع الـمـوت فــي ميـلادنـا الكحـلـى
أم
تحتل مئذنة ونعلن في القبائل ان يثـرب اجـرت قرآنهـا ليهـود
خــــــــــيــــــــــبـــــــــــر
الله اكــــــــــــــبـــــــــــــــر
هــــــــذه آيـــاتـــنـــا فــــاقـــــرأ
بــاســـم الـفــدائــي الــــــذي خــلــقــا
مــــــــن جــــزمـــــة افــــقـــــا
بــاســـم الـفــدائــي الـــــذي يـــرحـــل
مـــــــن وقــتــكـــم.. لــنــدائـــه الاول
الاول الاول
ســــنــــدمـــــر الـــهـــيـــكــــل
محمود درويش عاشق الارض والانسان عاشق الشام جناح الحرية، لم يكن قلبه الذي خذله، بل الانسانية التي ارادها ان تكون عنوان مرحلة وبداية لتحول جديد، محمود درويش ليتك ترى ما يفعل الانسانيون بالشام وانت القائل فيها:
في دِمَشْقَ،
يُقَطِّعُ يوسُفُ،
بالنايَ،
أَضْلُعَهُ
لا لشيءٍ،
سوى أَنَّهُ
لم يَجِدْ قلبَهُ مَعَهُ
في دِمَشْقَ،
يَعُودُ الكلامُ إلى أَصلِهِ،
اُلماءِ:
لا الشِعْرُ شِعْرٌ
ولا النَثْرُ نَثْرٌ
وأَنتِ تقولين: لن أَدَعَكْ
فخُذْني إليك
وخُذْني مَعَكْ !
في دِمَشْقَ،
ينامُ غزالٌ
إلى جانب امرأةٍ
في سرير الندى
فتخلَعُ فُسْتَانَها
وتُغَطِّي بِهِ بَرَدَى !
في دِمَشْقَ،
تُنَقِّرُ عُصْفْورَةٌ
ما تركتُ من القمحِ
فوق يدي
وتتركُ لي حَبَّةً
لتُريني غداً
غَدِي
المصدر: الثورة السورية

