Menu

زمن الحراك.. مساراته ومستقبله

عبد الله السّناوي

نقلا عن الخليج الإماراتية

بفارق زمني ثماني سنوات تعاقبت على العالم العربي، موجتان ثوريتان اختلفت مسارات تجاربها وتناقضت مصائرها بين الآمال الكبرى والانهيارات المدوية.
التعاقب - بذاته - دليل على استحكام أزمات الشرعية في نظم حكم عربية عديدة وأنه لا يمكن مصادرة الحق في التغيير بأية ذريعة.
كان الاتساع النسبي للموجة الثانية، التي شملت في عام واحد (2019) أربع دول عربية هي السودان والجزائر والعراق ولبنان، دليلاً آخر على أن هناك شيئاً عميقاً يتحرك في العالم العربي يطلب الالتحاق بالعصر ونظمه المدنية الحديثة وقواعده في الحكم الرشيد، رغم ما يبدو على السطح من مظاهر توحي بأنه غادر التاريخ وأصبح عبئاً على الجغرافيا السياسية.
ما جرى في الموجة الأولى، التي جرت وقائعها الرئيسية عام (2011) وشملت تونس و مصر وثلاث دول أخرى لحقتها مصائر دموية مرعبة هي سوريا وليبيا واليمن، ألهم الموجة الثانية من زاويتين، أن التغيير ممكن وتجنب المزالق ضرورة.
التجربة السودانية، رغم كل تعقيداتها وحجم الدماء التي أريقت فيها، تكاد تكون الوحيدة - حتى الآن - في الموجة الثانية التي وصلت إلى نقطة أمان تنبئ بإمكانية إنجاز مهام المرحلة الانتقالية على نحو يؤسس لدولة مدنية ديمقراطية حديثة توقف الاحترابات الداخلية المنهكة وتفسح المجال لحل المعضلات الاقتصادية المتفاقمة.
بقدر حجم التحديات يقف السودان عند مفترق طرق يتحدد بعدها مصيره لعقود طويلة مقبلة، لكنه اكتسب بثورته الشعبية ثقته في نفسه وقدرته على مواجهة ما يعترضه، وهذه أهم نتائج تضحياته ومثابرته في الميادين، رغم التنكيل الذي تعرض له أهله.

الصورة تختلف في الجزائر، التي زامن حراكها ما جرى في السودان، كأنهما توأمان في التوقيت.
ليست هناك مرحلة انتقالية جزائرية، حيث يخشى القادة العسكريون الذين يمسكون بزمام الأمور من أن تطول دون مدى معلوم وتدخل البلاد إلى مجهول فيما يخشى مئات الألوف الذين يخرجون للشوارع جمعة تلو أخرى من أن يعيد النظام إنتاج نفسه بوجوه جديدة تخضع لمنطق ما يطلق عليه «حكم العصابة»، والتعبير لقائد الجيش نفسه.
في الحراكين السوداني والجزائري تبدت قوة الرفض العام لانسداد القنوات السياسية والاجتماعية وتوحش الفساد وإهدار الموارد العامة وتأبيد الرئاسات في قصور الحكم دون أمل في تداول السلطة بين رجال وتيارات وبرامج.
الأوجاع الاقتصادية كانت الشرارة التي دعت السودانيين للاحتجاج في الشوارع غير أن عمق الأزمة أضفى على الاحتجاجات طابعها السياسي وأحالها إلى ثورة متكاملة الأركان تجاوزت إزاحة «عمر البشير»، إلى التطلع لبناء نظام ديمقراطي جديد على قاعدة السلم الأهلي.
لم تمض الأمور على هذا النحو في الجزائر، بدأ الحراك بشعور عام طاغٍ بالإهانة من أن رئيساً مريضاً لا يقدر على الحركة يتطلع لعهدة رئاسية خامسة تحكم البلاد باسمه «عصابة» متهمة بالفساد والطغيان.
بالقياس على التجربة السودانية بدت التجربة الجزائرية أقل دموية وأكثر سلمية، شعاراتها تطورت بعد إجبار الرئيس «عبدالعزيز بوتفليقة» على مغادرة منصبه إلى بناء نظام جديد يغلق صفحة الماضي وحكم الجنرالات من خلف الستار ويحيل الفاسدين إلى المحاكمات.
ملفات الفساد المتخمة كانت أحد الدوافع الرئيسية للحراكين العراقي واللبناني، فالناس تعاني اجتماعياً بقسوة، تفرض عليها ضرائب وترفع الأسعار وتقطع الكهرباء وتتدنى الخدمات الأساسية في التعليم والصحة وكافة مرافق الحياة، فيما تجني النخب الحاكمة أموالاً طائلة بغير حق ولا حساب.
هكذا بدأت الاحتجاجات في الحراكين بدوافع اقتصادية واجتماعية، غير أن البيئة العامة المسممة بالمحاصصات الطائفية دعت إلى تطوير الخطاب الاحتجاجي إلى دعوات تطالب بتفكيك النظام الطائفي وإزاحة النخب الفاسدة التي تتقاسم الثروات في محاصصات ويخضع قرارها لحسابات لا علاقة لها بمصالح اللبنانيين والعراقيين.
بتلخيص ما، فإن العنوان الرئيسي المشترك للموجتين الأولى والثانية هو: التطلع إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية حديثة. علت نداءات دولة المواطنة فوق أي نداء آخر. كان ذلك أفضل ما أسفر عنه الحراكان العراقي واللبناني اللذان افتقرا إلى أية قيادة معروفة تفاوض باسمهما.
رفعت بالميادين لافتات تقول: «الشعب يطالب ولا يتفاوض».
يبقى السودانيون بمفردهم في كل تجارب الحراك بموجتيه الأولى والثانية، الذين تسنّى لهم بناء قيادة متفق عليها وكلمتها نافذة وقادرة على التفاوض والتوصل إلى اتفاقات مع قوة الأمر الواقع.
في كل تجارب الحراك العربي تصدر الشباب المشهد العام وغلبت وسائل العصر الأساليب التقليدية في الحشد والتعبئة.
لا يمكن توقع نهاية النظم الطائفية بضغطة زر، أو برسالة غضب في الشوارع تتبناها قطاعات واسعة تنتمي إلى مذاهب أريد لها أن تكون متناحرة، فالقوى التي تعمل على تكريسها متغولة ولن تستسلم بسهولة، واستخدام العنف الدموي المفرط في العراق، دليل على ضراوة المواجهة.