Menu

وليد دقة يحدثكم من الزمن الموازي

وليد دقة

الهدف_ محمود الحاج

حكم بالسجن المؤبد مدى الحياة بعد إدانته ورفاقه إبراهيم ورشدي أبو مخ وإبراهيم بيادسة بالعضوية في خلية نفذت عملية خطف وقتل الجندي الصهيوني "موشي تمام" في العام" 1984، فكتب لنا من الزمن الموازي الذي لا تُستخدم فيه وحداتنا الزمنية من دقائق وساعات، ملخصاً لنا أن قيمة الوقت الحقيقية تتجسد في لقاء العائلة قرب نافذة الزيارات.

هو الأسير وليد دقة من مدينة باقة الغربية ولد في 18/7/1961 واعتقل 25/3/1986، يعتبر من أقدم الأسرى السياسيين الفلسطينيين، عقد قرانه داخل سجن عسقلان على سناء سلامة من مدينة الطيرة عام 1999، ولم يخرج من الزمن الموازي حتى يومنا هذا.

استفاد وليد دقة من سجنه وبدأ يكتب عن كل ما يراه من حوله، فظهرت رسائله الغنية بالتفاصيل الحميمة والمشغولة بالقضايا الكبيرة، والتي تكشف عن ثقافة سياسية رفيعة كما في رسالته إلى عزمي بشارة والتي جاءت بعد عشرين عاما من أسره، فأصبحت رسائله محط أنظار الفنانين الفلسطينيين، مستفيدين منها في أعمالهم الفنية التي تعكس واقع الأسرى.

أحد هؤلاء الفنانين هو المخرج المسرحي بشار مرقص الذي خرج بمسرحية " الزمن الموازي" المستوحاه من حياة دقة، يقول:" هذه التجربة أخذت مني وقت طويل امتد لتسعة شهور لان نصوص وليد دقة رائعة ومغرية جدا ولديه قدرة عالية على الكتابة، حتى وان تناولت نصوصه أشياء غير مهمة إلا أنها تمتلك قيمة عالية وتشكل مادة زخمة للمسرح".

مضيفا "عندما بدأت البحث لهذا العمل كنت احمل أفكار مغلوطة عن الأسرى وحياتهم، حتى بمجرد تخيل الأسرى كنت أتخيل أنهم أشخاص لا يمارسون في حياتهم سوى الأسر، بمعنى أنهم أبطال مجردون لا يحبون لا يحلمون لا يقومون بأي فعل آخر، لذلك عندما بدأت العمل على المسرحية اخترت أن أتناول قصة الأسرى من جانب إنساني، مستعينا برسائل الأسير وليد دقة، لأظهر أن الأسير إنسان عادي لديه مواقف قوة وضعف، غضب وخوف، تحدٍ وصمود، كوميديا وحزن، تماماً مثلنا نحن الذين نظن أننا خارج السجن".

في ذات السياق قالت محامية وليد دقة وناشطة حقوق الإنسان عبير بكر في مقابلة تلفزيونية على فضائية فلسطين:" هناك أدب واسع يخرج من داخل السجون يتمحور حول السجن وجدرانه والعذابات بداخله، ووليد دقة هو الذي عرفني على اللغة الخاصة بالأسرى، حيث هناك مصطلحات ولَّدها السجن يستعملها الأسرى، ومن الجميل جدا أن يتم التعبير عن هذه المصطلحات بلغة فنية لإظهار إنسانية الأسير الذي يحاول السجان أن يمحيها."

كل الحديث عن دقة حتى هذه اللحظة كان من أشخاص سمعوا قصته وتناقلوها كغيرهم، لكن يبقى الحديث لمن عايشه بين جدران السجن ، فيقول الأسير المحرر أحمد أبو السعود الذي عايش وليد دقة أكثر من عشرة سنوات :" وليد إنسان مناضل، صاحب قدرات جسدية متواضعة استطاع بها حماية ذاته طوال ما يقارب الثلاثين عاماً، حيث استطاع أن يشكل شخصيته، ساعده في ذلك الواقع الصعب والظروف القهرية، إلى جانب ما يمتلك من طموحات عالية، كانت في البدايات تدور حول استكماله للدراسة الجامعية، فحقق ذلك بامتياز و حصل على شهادة ماجستير، فكان يدرس بالفصل الواحد ساعات أكثر مما هو مطلوب بحثاً عن العلم والمعرفة وليس فقط النتيجة والشهادة، هو شغوف جداً بالعلم والمعرفة."

ويضيف أبو السعود " وليد ككل الأسرى له أحلام، لكن المميز فيه انه يترجمها إلى واقع، حيث انه ترجم بعض أحلامه وثقافته إلى كتابات متميزة تصور واقع الأسرى والسجون والسجانين.

يذكر أن دولة الاحتلال رفضت الإفراج عن دقة بعمليات تبادل الأسرى التي جرت بعد اعتقاله، كما ورفضت أي حديث عنه وعن أسرى الداخل الفلسطيني من قبل المفاوض الفلسطيني وبالتالي تجاوزته افراجات العملية السلمية، مما يعني أن حكمه هو 99 عاما ويوما واحدا.

 وزير التربية والتعليم في دولة الاحتلال نفتالي بينت، قرر إخراج المسرحية التي تتحدث عن وليد من "السلة الثقافية" وهدد بوقف تمويل وزارته للمسرح الذي عرضها، مبررا ذلك بأن " المواطنين لن يمولوا من جيوبهم عروضا مسرحية تتسامح مع قتلة الجنود"، وليد بقدر ما هو انسان هو فكرة حاول الاحتلال قتلها بالسجن، ويحاول قتلها بحظر المسرحية من العرض لكن الأفكار لا تموت.

تقول رسالة دقة لمن لا يعرفه : " نحن في الزمن الموازي، قابعون فيه قبل انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره الاشتراكي، نحن قبل انهيار سور برلين وحرب الخليج الأولى والثانية والثالثة، قبل مدريد وأوسلو وقبل اندلاع الانتفاضة الأولى والثانية، عمرنا في الزمن الموازي من عمر هذه الثورة وقبل انطلاقة بعض فصائلها، قبل الفضائيات العربية وانتشار ثقافة الهمبورجر في عواصمنا، بل نحن قبل اختراع الجهاز النقال وانتشار أنظمة الاتصالات الحديثة والإنترنت، نحن جزء من تاريخ، والتاريخ كما هو معروف حالة وفعل ماضٍ انتهى، إلاّ نحن ماضٍ مستمر لا ينتهي، نخاطبكم منه حاضرًا حتى لا يصبح مستقبلكم".