كفلسطيني، أتطلع يميناً ويساراً، وأعلى وأسفل، ثم يعود البصر دون أن يرى شيئاً يؤشر إلى اتجاه! ويظل السؤال حائراً: إلى أين يتجه الوضع الفلسطيني؟ وأتساءل: هل يظل جامداً كحاله منذ سنوات، بينما كل شيء من حوله يتحرك؟ «هدايا» الرئيس الأمريكي لا تنتهي، وآخرها إضفاء «الشرعية القانونية» على المستوطنات! و«الأزمة السياسية» في «إسرائيل» لا توقف عجلة الضم والاستيطان، وكل المفردات التي يحويها القاموس الصهيوني قيد الاستعمال: القتل والاعتقال وهدم البيوت والتهديدات العسكرية، بل إن العمليات العسكرية تتواصل وإن كانت متقطعة. و«المجتمع الدولي» ليس لديه إلا «السلب» و«عدم الاعتراف» بالجرائم المرتكبة.
الوضع الفلسطيني وحده جامد يدور في حلقة الكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. العالم كله في حركة، والوضع الفلسطيني، والفلسطينيون جالسون في قاعة الانتظار. ماذا ينتظرون؟ لا أحد يعرف. هل ينتظرون تشكيل حكومة «إسرائيلية» جديدة، يرأسها أو لا يرأسها بنيامين نتنياهو؟ هل ينتظرون انتخابات الرئاسة الأمريكية ويأملون أن لا يفوز ترامب بولاية ثانية؟ هل ينتظرون من الاتحاد الأوروبي أن يعلن الحرب على «إسرائيل» لتطبيق «حل الدولتين»؟ هل ينتظرون تحقيق «المصالحة الفلسطينية»، أم الانتخابات كمقدمة للمصالحة؟! الثابت الوحيد هو أنهم جالسون في قاعة الانتظار. والمشكلة أنهم يعرفون أن أياً من تلك «المعجزات» التي ينتظرونها لن تخرجهم من قاعة الانتظار التي يتمترسون فيها، وإن خرجوا فإلى وضع أسوأ من الوضع الذي هم فيه، طالما أنهم لا يغيرون مقارباتهم العاجزة.
قرأت لكاتب فلسطيني مقالاً نشر له، قبل أيام، عنوانه « فلسطين تستطيع أن تقلب الطاولة»! قلت في نفسي: كيف، يدنا تحت حزامك؟ لقد قرأت المقال، ولم أجد فيه ما يقلب الطاولة، لأن حيثيات هذا «الانقلاب» هي نفس «المقولات» التي عجزت الأطراف الفلسطينية عن تحويلها إلى وقائع على مدى عقد ونصف، وهي «إنهاء الانقسام، وتوحيد جبهات المقاومة، والاتكاء على المجتمع الدولي والقانون الدولي». كان عليه أن يدلنا على الطريقة «السحرية» التي تنهي الانقسام، ولم يفعل. ولا داعي للتوقف عند ما بقي من «المقولات» التي ثبت ليس عجزها بل تآمرها على الشعب والقضية الفلسطينية على مدى يزيد على سبعة عقود! فالمجتمع الدولي لا تزال تتحكم فيه الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي مربوط بذيل الولايات المتحدة، وبقية دول «المجتمع الدولي» تبحث عن مصالحها، والعرب لم تعد «إسرائيل» عدواً لمعظمهم، والقانون الدولي يداس عليه في كل يوم، و«قرارات الشرعية الدولية» نعرف كم صار سعرها السوقي، وأين ترمى قبل أن تصدر.
كنا ولا نزال نقول ونردد: ما أخذته «إسرائيل» بالقوة يسترد بالقوة.. وفقط بالقوة. ومن أجل ذلك لا نحتاج إلى قوة العالم، ولا إلى قوة العرب (إن كان لا يزال لديهم قوة)، لو أخلصنا لقضيتنا، لكن المشكلة في قياداتنا؛ فجزء منها لا يرى ذلك، ويرى أننا أعجز من أن نواجه «إسرائيل» وأنصارها، بل ولا يرى غير «المفاوضات والتنسيق الأمني» سبيلاً، وجزء آخر يصر على «التعامل» مع هذا الجزء الأول بافتراض أنه يقف على أرض وطنية، وهو يعرف حقيقته وحقيقة مواقفه وأفعاله، وجزء ثالث يهمه أن يؤمّن بقاءه بأي ثمن، وهو «يقاوم» لكنه بشكل أو آخر، يدري أو لا يدري، يسلك طريق الجزء الأول أيضاً. والجميع، من يريد، ومن لا يريد، منهم أن ينهي «الانقسام» ويحقق المصالحة والوحدة، فهم بما يرون، وبتصرفاتهم وأساليب عملهم، يؤبدون الانقسام، ويمنعون الوحدة، ويطيلون جلستهم العبثية في قاعة الانتظار. لكن الانتظار، المعزول عن الفعل، لا يوصل إلا إلى تقطيع الوقت بل تضييعه دون جدوى. هذا النوع من الانتظار يوصل إلى النهاية، نهاية كل شيء ممكن ومأمول. على الجميع أن يغادروا هذه القاعة، فالخروج إلى الفضاء يوفر على الأقل قليلاً من الأوكسجين والهواء النقي!

