Menu

الاستشراس ضد كوربن

د.فايز رشيد

في 12 ديسمبر/كانون الأول الحالي ستجرى انتخابات برلمانية جديدة في بريطانيا. وكان حزب العمال وأحزاب المعارضة الأخرى قد اقترحوا إجراء الانتخابات في التاسع من هذا الشهر، معللين ذلك بأنه سيضمن أن طلاب الجامعات على الأرجح سيكونون قادرين على المشاركة، كون ذلك سيكون في فترة الفصل الدراسي، وهو ما يشير إلى أهمية وحرص كافة الأحزاب وخاصة المحافظين والعمّال على حيازة أصوات أكثر من الحزب الآخر. لقد أيّد برلمان ويستمنستر اقتراح إجراء هذه الانتخابات بالرغم من كونها تُجرى قبيل أعياد الميلاد؛ بهدف كسر الجمود الطويل بشأن بريكست.

لقد وضع النواب خلافاتهم جانباً، ودعموا بأغلبية ساحقة دعوة رئيس الوزراء المحافظ بوريس جونسون لإجراء الانتخابات المبكرة، ويصادف تاريخها قبل يومين فقط من تجاوز الموعد الثالث (وهو النهائي) للانفصال عن الاتحاد الأوروبي. وإذا لم يحقق أي حزب فوزاً حاسماً فسوف يظل مصير انفصال بريطانيا معلقاً من جديد، مع خيارات تتراوح بين انفصال فوضوي من دون اتفاق، أو إجراء استفتاء آخر يلغي عملية الانفصال برمتها.

يأمل رئيس الوزراء جونسون الفوز بأغلبية لتطبيق اتفاق انفصال أبرمه في اللحظة الأخيرة مع الاتحاد الأوروبي في الشهر الماضي، بينما يريد منافسه الرئيسي زعيم حزب العمال جيريمي كوربن تشكيل حكومة اشتراكية، وإجراء استفتاء آخر على الخروج من الاتحاد الأوروبي، ويعتبر كوربن الانتخابات فرصة من أجل تغيير حقيقي في بريطانيا، فهو يصف حزبه (العمال) بأنه بديل اشتراكي للتفاوت الاجتماعي وللعلاقات الوثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما وعد بتأميم شركات السكك الحديدية والمياه والطاقة، وفرض ضرائب على أصحاب الدخول المرتفعة لتمويل خدمات عامة.

لذلك، تشهد بريطانيا الآن حراكاً انتخابياً قوياً بين حزب المحافظين الذي يقود الحكومة الحالية، وحزب العمال المعارض الذي يقوده كوربن، والذي يعدّ على نطاق واسع -استناداً لتصريحاته وتحركاته- مؤيداً قوياً لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وقد تبنى ذلك في برنامجه الانتخابي. ولأن فرص حزب العمال قوية بالفوز في هذه الانتخابات، تحركت اللوبيات الصهيونية والتجمعات اليهودية في بريطانيا، مستخدمة الفزاعة المعروفة والتاريخية «معاداة السامية»؛ لتحاول بذلك إضعاف فرص الحزب وقائده في الانتخابات للنيل منه.

لقد حاولت هذه اللوبيات ولا تزال تحاول تصوير كوربن بأنه «الشيطان» و «الجاهل» الذي لا يصلح لقيادة بريطانيا، في تدخل فظّ ومباشر في الانتخابات، وذلك بكل الأسلحة الصهيونية القذرة وبخاصة الإعلامية منها. ففي تصريح صحفي لكبير حاخامات بريطانيا إفرايم ميرفس اعتبر كوربن «معادياً للسامية»، واتهمه بأنه «يعمل جاهداً على نشر هذا السمّ ليس في داخل حزبه فقط، بل بين عموم البريطانيين». ولقد وصفه أيضاً بأنه ضعيف وغير قادر على تولي رئاسة الوزراء البريطانية.

للعلم رفض زعيم حزب العمال الاعتذار كما طالبه كبير الحاخامات، وأكّد مجدداً تأييده الكامل لقيام دولة فلسطينية مستقلة دون مستوطنات. أيضاً وخلال مقابلة تلفزيونية مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) سُئل كوربن مراراً عما إذا كان يرغب في تقديم اعتذار إلى الطائفة اليهودية بسبب «إخفاقه» المفترض في قمع المشكلة داخل الحزب اليساري، فأجاب قائلاً: «أنا مصمم على أن يكون مجتمعنا آمناً للناس من جميع الأديان».. وتابع: «لا أريد أن يشعر أي شخص بعدم الأمان في مجتمعنا، وستحمي حكومتنا كل مجموعة من سوء المعاملة التي تتلقاها». ويعتقد مراقبون كثيرون وفقاً لصحيفة «الجارديان» أن الحملة الصهيونية ضد كوربن ستتكثف في الأيام المقبلة، حتى تصل إلى ذروتها قبيل الانتخابات، في محاولة لتشويهه في الأوساط الشعبية البريطانية؛ للحيلولة دون وصوله إلى قيادة السياسة البريطانية المؤثرة في العالم، والتي من الممكن حينها أن تؤثر كثيراً في مقاربتها للقضية الفلسطينية.

بالطبع، هذا لا يعني أن حزب العمال البريطاني ثوري ويعادي كيان الاحتلال، أو أن رئيسه ينادي بإزالة «إسرائيل»، ذلك بالرغم من تميزه حقيقة عن غيره في حزب العمال، إنْ في تأييد الحقوق الوطنية الفلسطينية، أو تطبيق كافة قرارات الأمم المتحدة الصادرة بشأن القضية الفلسطينية. ولكن موقف كوربن من القضية الفلسطينية في هذه المرحلة الخطِرة يسجل له، ويسهم إلى درجة ما في تعكير صفو السياستين الصهيونية والأمريكية، ويعزز من الصوتين الفلسطيني والعربي الرافضين لتصفية القضية الفلسطينية. لهذا من الأجدى عربياً دعم كوربن بالطرق الشرعية من خلال حشد الأصوات العربية في بريطانيا؛ للتصويت لحزب العمال ورئيسه.