Menu

استراتيجية "إسرائيل" في إفريقيا .. هل ستحقق أهدافها؟

محمد أبو شريفة

(تنشر بوابة الهدف مواد الملف الخاص  الذي تناولته مجلة الهدف في عددها الأخير الثامن رقميًا (1482) بالتسلسل التاريخي، بعنوان: إفريقيا والعرب والكيان الصهيوني).

سعى كيان الاحتلال الصهيوني منذ نشأته إلى بناء مقاربات مختلفة مع المنظومات الدولية في مختلف القارات. وأَولى أهمية لبعض الدول وبالتحديد منها بعض الدول الإفريقية لاعتبارات تتجاوز فيها البعد السياسي لتطال البعد المصلحي.

وأقام كيان الاحتلال علاقات استراتيجية ‏استمرت لسنوات طويلة مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وناصرت الدكتاتوريات الدموية في بعض الدول الإفريقية فزودتهم بخبراتها العملية على المستوى العسكري والأمني، ودعمت الحركة الانفصالية في جنوب السودان . كما وقعت معاهدات منذ ستينيات القرن الماضي مع كينيا، راوندا، أثيوبيا، أفريقيا الوسطى وتشاد. ولكن يبقى ملف علاقاتها بالقارة الإفريقية ملتبسًا بسبب أنَّ معظم العلاقات حتى العام 1990 كانت علاقات هامشية، وأخذت طابع المد والجزر والتأثر بالتحولات الدولية والإقليمية وأجواء الحرب الباردة ولم تصل إلى جوهر المنظومة الإفريقية التي بقيت مساندة للقضية الفلسطينية في مختلف المحافل الدولية.

وبقي كيان الاحتلال محافظًا على مستوى محدد من العلاقة مع تلك الدول، ومنها الدول المناصرة للقضية الفلسطينية، والتي تربطها معها مصالح اقتصادية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، نلحظ أنَّ علاقة كيان الاحتلال مع جنوب أفريقيا متوترة جدًا لمستوى يصل إلى أنَّ برلمان جنوب أفريقيا أوصى بقطع العلاقة مع تل أبيب، لكن تجارة الألماس، والتي تدر أرباحًا بمئات الملايين من الدولارات على الطرفين ما زالت مستمرة حتّى الآن!. فالكيان الصهيوني يمتلك ثلاثة عشرة شركة في حلف "افريجروب" التجاري لتجارة الألماس والتنقيب عن المعادن في كينيا وجيبوتي، بالإضافة إلى حصولها على امتياز التنقيب عن الحديد في مناجم أوغندا، وبذلك تسيطر على 75% من مناجم الألماس والمعادن الموجودة في افريقيا! وهذا بجانب المواد الخام المهمة مثل: الخشب، والبن، والزيت، والكاكاو التي تنتجها هذه الدول، فضلًا عن إنتاج دول أفريقية عديدة للنفط مثل: نيجيريا، والغابون، وأنغولا.

وكذلك الأمر مع أرتيريا، والتي أغدقت عليها "إسرائيل" الوعود والإغراءات بعد استقلالها عن أثيوبيا بداية التسعينيات، لكنها أعادت تموضعها في بناء علاقاتها وإقامة تحالفات جديدة مع أثيوبيا المعادية لأريتريا، وانسحبوا من المجال الإرتيري، والتي بدورها أقامت علاقات استراتيجية مع ايران.

أما على صعيد العلاقة مع أثيوبيا، سنجد ضخًا إعلاميًا كبيرًا تسفيد منه إسرائيل، وهي معنية بهذه المبالغات الإعلامية لتسليط الضوء على خدماتها واستشاراتها لسد النهضة، والذي هو في المحصلة النهائية يهدف إلى ممارسة ضغوط كبرى على السودان و مصر عبر الادعاء بالتحكم بمجرى نهر النيل، وذلك لضمان أمنها المائي في الحصول على حصة ثابتة من مياه النيل، ووفقًا للمصادر، فقد بلغ رأس المال الإسرائيلي المستثمر في أثيوبيا أكثر من مليار دولار في نحو ثلاثمئة مشروع.

وتعد أثيوبيا وكينيا الشريك التجاري الأول للاقتصاد الإسرائيلي في أفريقيا، فحسب مؤشرات "المعهد الإسرائيلي للصادرات والتعاون الدولي"  توجد أكثر من 800 شركة إسرائيلية تعمل حاليًا في أثيوبيا وكينيا، بالإضافة إلى جنوب افريقيا.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى جملة من التحولات الكبرى حدثت في العقود الثلاثة الماضية طالت منظومات تلك الدول وعلى جميع المستويات. فالناظر إلى خارطة المشهد السياسي في الدول الإفريقية يرى أنَّ هذه الدول باتت تحتكم للعملية الديمقراطية وصناديق الاقتراع في اختيار قيادتها السياسية، وعلى المستوى الاقتصادي استطاعت الحكومات المنتخبة من بناء نظام اقتصادي يحاول التفلت من التبعية الغربية.

وبالرغم من الأهمية التي توليها إسرائيل للقارة السمراء إلا أنّ ثمة ارتياب في العلاقة بسبب عدم وصولها إلى مستويات عميقة، لأنَّ الدول الإفريقية بعيدة عن حدودها الجغرافية، ولا تشكل خطورة على "شرعيتها". فبعد مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو استطاعت إسرائيل أنْ تنفذ وتتحلل من كل القيود التي فرضتها عليها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية، وبدأت سلسلة من الاعترافات الإفريقية بإسرائيل وفقًا لحجج وتبريرات مختلفة، حيث استأنفت العلاقات مع 44 دولة إفريقية منذ ذلك الحين وحتّى العام 2010، وبررت هذه الدول الاعتراف لشعوبها بأنّه لا يتجاوز مستوى العلاقة التجارية، ولكن المتتبع للميزان التجاري بين الطرفين يلحظ ميلانه تجاه الكيان الصهيوني. فهي التي قدمت خبراتها على صعيد الزراعة والسياحة والتكنولوجيا والخدمات الأخرى، ويضاف إليها الخدمات ذات الطابع الأمني والتسليحي.

وحتى نكون أكثر إنصافًا في فهم مواقف هذه الدول، فهي لم تكن البادئة في فتح تلك العلاقة، لكنها شاهدت المنظومة العربية قد بدأت تتهاوى رأسًا على عقب، وتوقع معاهدات واتفاقيات وتقيم علاقات مع الكيان الصهيوني. وفي المحصلة النهائية نرى أنَّ الدول الإفريقية حتى الآن ثابتة في مواقفها مع القضية الفلسطينية باستثناءات قليلة جدًا. وتدرك دول الاتحاد الإفريقي أنها الخاسر الأكبر من الانهيارات العربية الكبرى التي جرت في بعض الدول العربية، وبالتحديد الإفريقية؛ لأنَّ الدول العربية الإفريقية كانت على الدوام تقود المشروع الإفريقي للتحرر، والمنظومة الإفريقية بوعيها السياسي تدرك ذلك، وتنتظر عودة الاستقرار لهذه الدول لاكتمال التوازن لديها. ولطالما نجحت الجهود العربية في كل من منظمة الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة في استصدار قرارات إدانة لإسرائيل وسياساتها التوسعية والاستيطانية.

كما تدرك إفريقيا أنّ "إسرائيل" تسعى للتأثير في مستوى التصويت للدول الإفريقية في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى من أجل كسب التأييد لها، وبالمقابل إضعاف التأييد الإفريقي للقضايا العربية لا سيما القضايا ذات العلاقة بالصراع العربي – الإسرائيلي؛ الأمر الذي يفقد العرب حليفًا قويًا مؤيدًا لهم بالمحافل الدولية، وذلك بحكم الثقل التصويتي للدول الإفريقية في مختلف المنظمات الدولية. فالكيان الصهيوني يعي أهمية الكتلة الإفريقية وثقلها التصويتي في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية، حيث تشكل نحو 32% من إجمالي أصوات أعضاء المنظمة الأممية.

وبالتالي مهما ادعت إسرائيل أنها استطاعت اختراق القارة الإفريقية فإنَّه ادعاء وهمي وكاذب لأسباب كثيرة، أولها أنَّ كيان الاحتلال لا يمتلك الإمكانات اللازمة لإدارة ملف قارة بأكملها. فهي تعتبر ثاني أكبر قارات العالم بعد آسيا، وتبلغ مساحتها  302 مليون كيلومتر مربع، وعدد سكانها تجاوز المليار نسمة، ويشكلون 14.8% من إجمالي سكان العالم. وثانيًا لا تستطيع إسرائيل التأثير في القرارات السياسية لمعظم الدول الإفريقية التي تبنت النظام السياسي الديمقراطي. وإذا أمعنا النظر فيما تبقى لها من علاقات مع إفريقيا سنجد أنها تقيم علاقات فقط مع الدول التي ما تزال بعيدة عن المسار الديمقراطي. ويمكننا أنْ نستدل على هذه الحيثية بمثال حي وواضح تجسد بقرار موريتانيا بعد إجراء انتخاباتها الرئاسية الجديدة طرد السفير وإغلاق السفارة الاسرائيلية، بل وإرسال جرافات لهدم مبنى السفارة برمته، وتعتبر هذه الخطوة سابقة لموريتانيا كأول دولة عربية إفريقية. 

وثالثًا ثمة أزمة كبرى في إسرائيل متصلة بوزارة الخارجية والسفارات والقنصليات والممثليات الخارجية التابعة لها، حيث بدأ نشاطها الدبلوماسي يذوي في العقد الأخير لأسباب داخلية تتعلق بشخص رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو.

في الواقع، لم يغفل حزب الليكود أهمية العلاقة مع إفريقيا منذ وصوله إلى السلطة في الكيان الصهيوني، فقد رفع حينها شعار "عائدون إليكِ يا إفريقيا". وشرع في نسج العلاقة على قاعدة الحفاظ على الأمن القومي الصهيوني، والعمل على إقناع أكثرية الدول الإفريقية بأحقية إسرائيل بالوجود، وترسيخ وجودها كدولة ذات سيادة وكعضو فاعل في المجتمع الدولي. وفي العام 2016 زار بنيامين نتنياهو 4 دول في شرق إفريقيا (أوغندا، كينيا، راوندا وأثيوبيا)، واعتبرت هذه الزيارة هي الأولى التي يقوم بها رئيس وزراء إسرائيلي منذ العام 1978، وكان هدف الزيارة زيادة التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد، واستغلال تواجد الجاليات اليهودية في أفريقيا، حيث يتوزعون على عدد من الدول (أثيوبيا، كينيا، جنوب أفريقيا وزيمبابوي) وذلك لتعزيز الضغط الديمغرافي في إسرائيل، وزيادة الكثافة السكانية فيها.

جميع هذه المساعي التي تسير وفقًا لمخطط استراتيجي صهيوني إنْ لم تجد أي مقاومة عربية أو إفريقية لصدها وإفشالها؛ فسوف تحقق أهدافها وغاياتها في القارة الإفريقية؛ الأمر الذي يشكل تهديدًا مباشرًا للمصالح العربية الإفريقية، وخطرًا كبيرًا على الأمن القومي العربي والإفريقي؛ ما يتطلب تعزيز التعاون العربي– الإفريقي لتقليص محاولات التغلغل الصهيوني في إشفريقيا.