Menu
أوريدو

تقريربروتوكول باريس: آلية نهب الاقتصاد الفلسطيني

بوابة الهدف - ترجمة وتحرير: أحمد مصطفى جابر

لا نعرف بالضبط كم من الفلسطينيين قرأ"بروتوكول باريس" الذي يمثل الصيغة الاقتصادية لاتفاق أوسلو، لاستغربوا، أيضا مثل صفقة القرن، كان للنسخة القديمة من السلام مرفقا اقتصاديا، ولنتجاوز السؤال السابق، ونسأل كم قائدا فلسطينيا من المشاركين في تلك المفاوضات قرأ بروتوكول باريس، حسنا، جميعهم قرؤوه، فكم منهم فهمه؟

لأن السؤال يطرح مسألتين غاية في الخطورة، فعدم القراءة جريمة، والتوقيع بدون فهم جريمة، والتوقيع مع الفهم يرتقي إلى درجة الخيانة بلا أدنى شك.

عادة يجهل الجمهور العام ملاحق الاتفاقات، أتذكرون عقود الخدمات والشراكات وغيرها، ووثائق التأمين، عادة يكون في نهايتها، نص خطير جدا مكتوب بخط صغير جدا وبلغة قانونية مفلترة، بحيث أن أغلب الناس لايقرؤونها وإذا قرؤوها، يذهبون منحى حسن النية ، لأنها أصلا مكتوبة على الهامش، ولكنهم يوقعون على النص كله، ليس فقط ما قرؤوه أو ما فهموه.

ما فعله بروتوكول باريس إنه ببساطة جعل الاقتصاد الفلسطيني خاضعا تماما وأسيرا لاقتصاد "إسرائيل"، وفقط في خدمة المصالح "الإسرائيلية"، وتم دمج الاقتصاد الفلسطيني، بموجب السياسات "الإسرائيلية" منذ 1967 في الاقتصاد "الإسرائيلي" ما جعله معتمدا كليا عليه.

بروتوكول باريس واسمه الرسمي "بروتوكول العلاقات الاقتصادية" (1994) ، كان الهدف المعلن منه قيادة الاقتصاد الفلسطيني تدريجياً نحو الاستقلال، ولكن الواقع كان شيئا آخر تماما، وهو خلق طابع مؤسسي مقونن على تبعية الاقتصاد الفلسطيني للإسرائيلي.

لذلك لايكون غريب معرفة أن 85 في المائة من البضائع المصدرة من الأراضي الفلسطينية موجهة إلى إسرائيل ، و 70 في المائة من الواردات الفلسطينية جاءت من إسرائيل في السنوات الأخيرة.

وما يأخذه الفلسطينيون باليمين يعو إلى "إسرائيل بالشمال" حيث يتكدس رأس المال، وتبقى السلطة الفلسطينية دائما، فقيرة ومديونة، ولكن هذا ليس كل شيء، إ أدت هذه العملية إلى تدهور مستمر في حال الاقتصاد الفلسطيني، منذ 1995-2014، ولم يرتفع الناتج المحلي الإجمالي للفرد بالقيمة الحقيقية من 1435 سوى إلى 1737 دولارًا أمريكيًا ، ولم تحدث زيادة في الإنتاجية، وارتفع معدل البطالة من 18 إلى 27 في المائة.

آليات الاستحواذ منذ 1967

بعد الاحتلال، سعى الكيان المحتل إلى السيطرة على كافة مجالات الحياة في الضفة والقطاع، من جميع النواحي، وأهمها هو السيطرة على السوق الفلسطينية الكبيرة، التي أحدثت فارقا عظيما بالنسبة للاقتصاد التسويقي الصهيوني، عبر قدرة شرائية كبيرة، ومصدر واحد للسلع المستهلكة هو الاحتلال، وليس غريبا أن النظام الجمركي الوحدة الذي أنشأه المحتل كان هو الأساس لبروتوكول باريس.

عند اختلال الضفة والقطاع كان الاقتصاد "الإسرائيلي" يعادل عشرة أضعاف نظيره الفلسطيني تقريبا، وكانت حصة القطاع (الصناعي) في الناتج المحلي الإجمالي "لإسرائيل" أكبر بأربعة أضعاف من الناتج الفلسطيني.

رغم ذلك، تمكن الاقتصاد المحلي من "التعافي" النسبي، بعد فتح الجسور مع الأردن، ولكن هذا لم ينطبق على غزة التي كانت تحت إدارة مختلفة سابقا، و زادت الصادرات والواردات من الأراضي الفلسطينية المحتلة وإليها بين عامي 1971 و 1977.

وأيضا أدى فتح سوق العمل، لإيجاد الكثير من الفلسطينيين فرصة للعيش من العمل داخل الخط الأخضر، حيث كانت الأجور التي كسبوها أعلى من الأجور المعتادة في الضفة الغربية وقطاع غزة.

لكن هذا التحسن الاقتصادي لم يدم، بسبب سياسات الاحتلال من مصادرات للأراضي واالعقارات،ائية بمعنى السعي الممنهج لقتل القطاع الزراعي الفلسطيني، وإنشاء مستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وطرد الفلسطينيين من أماكن إقامتهم ، ووفقًا لبيانات البنك الدولي لعام 1993 ، انخفضت المساحة المروية (وبالتالي الصالحة للاستخدام الزراعي) بنسبة ستة في المائة ، بينما ارتفعت أسعار الأراضي والمياه زيادة كبيرة، وتضخمت أسعار العقارات إلى جانب منع الاحتلال لأي تطور، وتوسيع للمدن والقرى الفلسطينية في الأراضي المحتلة ما أدى إلى ارتفاع تكاليف البناء ، خاصة بالنسبة للمؤسسات الصناعية ، والتي أعاقت بشدة التنمية الصناعية الفلسطينية.

و أدى عدم القدرة على التنافس مع انخفاض أسعار السلع "الإسرائيلية" بالإضافة إلى محدودية الإنتاج الفلسطيني بسبب قلة الطلب والموارد والمواد الخام إلى الاختفاء التام للعديد من الشركات الصناعية الفلسطينية.

كما اتخذت سلطة الاحتلال تدابير إدارية لمنع تنمية القدرة الإنتاجية للاقتصاد الفلسطيني: حيث تخضع جميع الأنشطة الاقتصادية للفلسطينيين للحكم العسكري في الأراضي المحتلة وكل نشاط اقتصادي يتطلب تصريحًا، وغالبًا ما كانت خطط رجال الأعمال والسيدات الفلسطينيين لإنشاء شركة جديدة أو توسيع شركة قائمة ، غالباً ما يعوقها التأخير في إصدار التصاريح أو حتى إحباطها بسبب رفض التصاريح. ومن المعروف أن الفلسطينيين يحتاجون إلى تصاريح لجميع الأنشطة المرتبطة بشراء العقارات ، وإنشاء المباني ، ونقل البضائع ، وكذلك التصدير والاستيراد.

علاوة على ذلك، كانت الضرائب المفروضة على الأنشطة التجارية في الأراضي المحتلة مرتفعة للغاية. كان على الشركات الفلسطينية دفع ضريبة القيمة المضافة على جميع المواد الخام المستوردة عبر "إسرائيل"، ويجب أن يكونوا قد استردوا ضريبة القيمة المضافة المدفوعة ، لأن المواد الخام لم تمر إلا عبر "إسرائيل"، ومع ذلك ، كان هناك تأخير طويل في استرداد الأموال ، مما تسبب في مشاكل سيولة حادة وخسائر مالية كبيرة للشركات الفلسطينية.

منذ بداية الاحتلال في عام 1967 وحتى اليوم ، يتم التعامل مع جميع الصادرات والواردات الفلسطينية من خلال الموانئ والمطارات "الإسرائيلية"، و لهذا الغرض ، تحتاج الأعمال التجارية الفلسطينية إلى شركة "إسرائيلية" ، بحيث تستفيد من الاقتصاد الفلسطيني ، مما يخفض العوائد المنخفضة بالفعل، بينما يزيد النظام الجمركي الموحد من تكاليف الإنتاج للشركات الفلسطينية مما يؤدي إلى فقدان المصدرين الفلسطينيين قدرتهم التنافسية في أسواقهم التقليدية في البلدان المجاورة، على الرغم من أن الصادرات من قطاع غزة والضفة الغربية إلى الأردن ومن هناك إلى الدول العربية الأخرى قد زادت في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات ، إلا أن معدلات التصدير ظلت منخفضة للغاية، و سمحت الدولة "الإسرائيلية" لهذه الصادرات لأنها حققت مكاسب مالية من سعر الصرف عند شراء العملة "الإسرائيلية".

بالإضافة إلى ذلك ، أعاق النظام المالي في الأراضي المحتلة النمو الاقتصادي وتحقيق المبادرات الاقتصادية، و منذ حرب 1967 ، كان هناك فراغ في القطاع المالي ، حيث كان على البنوك الأردنية إغلاق فروعها بما في ذلك البنك العربي ، الذي كان يعتبر البنك الفلسطيني الأكثر أهمية، و في أواخر الثمانينات فقط سمحت السلطات الإسرائيلية بفتح فرعين صغيرين لبنك القاهرة عمان، و تم التعامل مع معظم الأعمال المصرفية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عبر الأردن ، لكن ذلك لم يكن كافياً لتعزيز الاقتصاد الفلسطيني.

نظرًا لحجمها وقوتها التكنولوجية ووصولها إلى الموارد والدعم الحكومي ، تمكنت الشركات "الإسرائيلية" من تقويض الشركات الفلسطينية الصغيرة المنتجة للسوق المحلية وطردها،على الرغم من أن نصيب الفرد من الدخل في الأراضي المحتلة أقل بكثير منه في "إسرائيل" ، إلا أن هناك طلب من ملايين المستهلكين الفلسطينيين على السلع الأساسية وحتى الفاخرة.

إن القدرة الإنتاجية المحدودة وعدم قدرة الصناعة الفلسطينية على المنافسة مع أسعارها ومنتجاتها في السوق "الإسرائيلية" تسمح بتدفق السوق الفلسطيني بسلع رخيصة وأحياناً أفضل من الشركات "الإسرائيلية"، وبهذه الطريقة ، حال النظام الجمركي الموحد دون قيام اقتصاد فلسطيني مستقل قوي ، وحول الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى سوق لبيع البضائع "الإسرائيلية".

بروتوكول باريس: إضفاء الطابع المؤسسي على اقتصاد تابع

بعد توقيع اتفاقية أوسلو الأولى (1993) وإنشاء السلطة الفلسطينية في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة في أيار/ مايو 1994 ، كان هناك أمل في تحسين الوضع الاقتصادي ، ودعم الشركات والمؤسسات التجارية المحلية والاستثمارات الدولية والتعاون الاقتصادي الإقليمي، وفر التزام الدول الغربية والمملكة العربية السعودية بالمشاركة في تمويل برنامج إعادة الإعمار وعملية السلام رأس المال اللازم، وافق البنك الدولي أيضًا على دعم مشاريع محددة ، ولا سيما لتطوير البنية التحتية مثل إنشاء الطرق والإسكان.

في إطار اتفاقيات أوسلو ، وقع الطرفان على "بروتوكول العلاقات الاقتصادية بين حكومة دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ، التي يمثل الشعب الفلسطيني" في باريس في 29 نيسان/أبريل 1994، وينظم ما يسمى بروتوكول باريس الاقتصادي العلاقات بين "إسرائيل" والأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة فيما يتعلق بالجمارك والضرائب والعمل والزراعة والصناعة والسياحة، و تم إنشاء المؤسسات الاقتصادية الرئيسية للسلطة الفلسطينية على أساس البروتوكول: وزارة المالية ، بما في ذلك إدارة الميزانية ، وسلطة النقد ، والمكتب المركزي للإحصاء، و مثل اتفاقيات أوسلو ، كان من المفترض أن يكون بروتوكول باريس ساري المفعول لمرحلة انتقالية مدتها من خمس إلى سبع سنوات ، لكنه لا يزال ساري المفعول حتى اليوم بدون تغيير.

بسبب مفهومه وتنفيذه ، لم يؤد بروتوكول باريس إلى التنمية الاقتصادية المنشودة، و لم تتمكن مؤسسات السلطة الفلسطينية من الحصول على درجة الحكم الذاتي التي كانت ستسمح لها بمتابعة سياسة اقتصادية طويلة الأجل تشجع التنمية، ومنذ التوقيع على بروتوكول باريس ، تعرض الاقتصاد الفلسطيني مرارًا وتكرارًا لأزمات اقتصادية بسبب تأثير بروتوكول باريس ، وسياسات الاحتلال "الإسرائيلي" ، فضلاً عن المشكلات السياسية والأمنية الأخرى، و لقد أضفى بروتوكول باريس الطابع المؤسسي على الاقتصاد الفلسطيني وكثف من اعتماده على الاقتصاد الإسرائيلي ، وخاصة من خلال إضفاء الطابع المؤسسي على النظام الجمركي الموحد ، الذي تم تطبيقه بالفعل منذ عام 1967.

كما وثق البروفيسور آري أرنون ، وخلال المفاوضات حول بروتوكول باريس ، فضل الفلسطينيون ما يسمى "منطقة التجارة الحرة" ، حيث لا توجد حدود خارجية مشتركة ويسمح لكل طرف بمتابعة علاقاته التجارية مع بقية العالم بشكل مستقل، ولكن مثل هذا الترتيب كان يستلزم إنشاء حدود واضحة للتجارة بين الأراضي "الإسرائيلية" والفلسطينية ، وهو ما ترفضه "إسرائيل" بشدة، و اقترح فريق التفاوض "الإسرائيلي" الإبقاء على النظام الجمركي الموحد ، في محاولة لإقناع الفلسطينيين بأن غياب مثل هذه الحدود التجارية سيؤدي إلى تقليل القيود والعقبات ، وبالتالي توفير فرص أفضل لبناء اقتصاد فلسطيني مزدهر.

في سياق المفاوضات ، عرض الوفد "الإسرائيلي" قبول مفهوم منطقة التجارة الحرة ولكن بشرط ألا تكون هناك حرية حركة للعمال بين الأراضي الفلسطينية المحتلة و"إسرائيل"، و بمعنى آخر: إن الاستقلال الفلسطيني في تحديد سياستهم التجارية سيأتي بثمن تقييد شديد لفرص العمل للفلسطينيين في سوق العمل "الإسرائيلي"، و كان الفلسطينيون يعتمدون إلى حد كبير على السوق "الإسرائيلية" لدرجة أنهم لا يستطيعون التخلي عن فرصة العمل في "إسرائيل". لذلك قبلوا في النهاية إضفاء الطابع المؤسسي على النظام الجمركي الموحد.

يعتمد بروتوكول باريس على نموذج اقتصادي يتوخى حرية حركة البضائع والعمال عبر الخط الأخضر داخل منطقة جمركية مشتركة، وقد رأى البنك الدولي والجهات الفاعلة الاقتصادية الأخرى أن النظام الجمركي الموحد يعد ترتيبًا إيجابيًا ، على افتراض أن السوق الفلسطيني الصغير سيكون جذابًا نظرًا لقوته العاملة الهائلة الرخيصة وتكاليف الإنتاج المنخفضة ، وأنه في مرحلة ما سيكون قادرًا على المنافسة مع السوق "الإسرائيلي" و تجاهل هذا التقييم تمامًا علاقات القوة بين "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية ، فضلاً عن الافتقار إلى حرية الحركة للفلسطينيين، وفي الممارسة العملية ، يضمن بروتوكول باريس حرية حركة البضائع "الإسرائيلية" ، أي استيرادها المعفاة من الضرائب ومعفاة من الرسوم إلى الأراضي الفلسطينية ، بينما يعوق حرية حركة البضائع الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة وخارجها.

تنطبق حرية التنقل للأشخاص أيضًا على الجانب "الإسرائيلي" فقط ، وليس على الفلسطينيين، و ينص بروتوكول باريس على أن حركة العمل بين الأراضي المحتلة و"إسرائيل" يجب أن تكون مضمونة ويجب ألا تتوقف بشكل دائم، ومع ذلك ، في الممارسة العملية ، تقيد "إسرائيل" بشكل تعسفي فرص العمل للفلسطينيين عن طريق شروطها الصارمة، حيث "عمليات الإغلاق" العامة للأراضي المحتلة تمنع الفلسطينيين مرارًا وتكرارًا من الذهاب إلى أماكن عملهم في "إسرائيل"، وفي عام 2000 ، قبل الانتفاضة الثانية ، كان هناك حوالي 140.000 فلسطيني يعملون في "إسرائيل"، و خلال الانتفاضة ، انخفض عددهم إلى 40.000 ، وبقي منخفضاً ، حوالي 50.000 ، حتى عام 2009، و وفقاً للتقديرات ، ارتفعت أعدادهم مرة أخرى إلى حوالي 113.000 بحلول عام 2016 ، ولكن حوالي 40٪ منهم ليس لديهم تصاريح لدخول "إسرائيل".

يعد عدم الاستقرار السياسي والقيود المستمرة على حرية التنقل والوصول إلى التجارة من أهم العقبات التي تعيق النمو الاقتصادي في الأراضي المحتلة، ولا يمكن للقطاع الخاص الذي ينبغي أن يكون القوة الدافعة للإنتاج المحلي في الأراضي المحتلة أن يلعب هذا الدور بشكل رئيسي بسبب "الإغلاقات" المتكررة التي تفرضها "إسرائيل" وكذلك عدم الاستقرار السياسي وعدم اليقين الاقتصادي، وتعاني الصناعة الفلسطينية من مشاكل في البنية التحتية مثل انقطاع التيار الكهربائي المتكرر ونقص الوقود ، وبالتالي فهي غير قادرة على تطوير بديل حقيقي للسلع والخدمات الإسرائيلية، و نتيجة لكل هذه العوامل ، فإن معدل الاستثمارات الخاصة هو واحد من أدنى المعدلات في جميع أنحاء العالم، إن تجزئة الأراضي المحتلة إلى جيوب صغيرة لا تسمح بالتماسك الاقتصادي، في أعقاب القيود المستمرة ، خضع الاقتصاد الفلسطيني لعملية تراجع التصنيع وانخفض نصيب القطاع الصناعي على مر السنين: من 18 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني في عام 1995 إلى 10 في المائة اليوم، و حصة القطاع الأساسي (الزراعي) في الاقتصاد الفلسطيني انخفضت بنسبة 50 في المئة ، وكان هناك أيضا انخفاض في الإنتاج المحلي مما يقلل من إمكانات تصدير الاقتصاد الفلسطيني، والبطالة المرتفعة للغاية وانخفاض القوة الشرائية لدى السكان الفلسطينيين تزيد من تفاقم الوضع.

النظام التجاري الفلسطيني في أعقاب بروتوكول باريس

منذ بداية الاحتلال عام 1967 ، كان الاقتصاد الفلسطيني يتميز بمعدلات تصدير منخفضة للغاية ومحدودية الإنتاج المحلي ، فضلاً عن الواردات الضخمة للغاية ، وخاصة من "إسرائيل"، أدت الفجوة الهائلة بين الواردات الواسعة والصادرات المحدودة والإنتاج إلى عجز هيكلي تجاري ، والذي لا يزال يرافق ميزان المدفوعات السلبي للسلطة الفلسطينية حتى اليوم. في عام 2015 ، بلغ العجز التجاري الفلسطيني 1.45 مليار دولار أمريكي، و لعبت المساعدات الدولية دورًا مهمًا في تمويل هذه العجوزات، وفي السنوات الأخيرة ، حدث انخفاض كبير في المساعدات ، مما زاد من اعتماد الاقتصاد الفلسطيني على الاقتصاد "الإسرائيلي".

لقد أرسى بروتوكول باريس تلك التبعية عن طريق النظام الجمركي الموحد، إنه يمكّن "إسرائيل" من التحكم الكامل في الصادرات والواردات الفلسطينية وبالتالي ممارسة تأثير مباشر على الإنتاج الفلسطيني، و ينص البروتوكول على أن الصادرات والواردات الفلسطينية يجب أن تمر عبر الموانئ أو المطارات "الإسرائيلية" ، أو عبر المعابر الحدودية الخاضعة للسيطرة "الإسرائيلية"، و تخضع حركة البضائع والمواد الخام ووسائل الإنتاج للسوق الفلسطينية لقيود إسرائيلية قاسية مثل حصص الاستيراد والمعايير الصارمة واللوائح الإدارية والعقبات الفنية التي تحول دون وصول البضائع الفلسطينية إلى "إسرائيل" ، ناهيك عن السوق الدولية.

في الزراعة ، على سبيل المثال ، أكبر قطاع في الاقتصاد الفلسطيني ، أدت القيود "الإسرائيلية" المفروضة على المزارعين الفلسطينيين إلى عدم قدرتهم على كسب العيش من منتجاتهم الزراعية، و أدى الخفض المستمر للأراضي الزراعية المتاحة ، ويرجع ذلك من بين أمور أخرى إلى إنشاء مستوطنات "إسرائيلية" على الأرض الفلسطينية ، وكذلك نقص المياه ونقص البنية التحتية ، إلى وضع لا تستطيع فيه الشركات الفلسطينية التنافس مع الشركات "الإسرائيلية" الكبيرة ، التي تتمتع بحرية الوصول إلى السوق الفلسطينية وتغمرها بالمنتجات الزراعية الرخيصة، ونتيجة لذلك ، لا يتم بيع أي منتجات زراعية من الضفة الغربية وقطاع غزة في "إسرائيل" ، بينما يتم استهلاك جزء كبير من المنتجات الزراعية "الإسرائيلية" في الضفة الغربية وقطاع غزة.

تعوق شراء المواد الخام التي تحتاجها الشركات الفلسطينية العديد من العقبات ، ويعزى ذلك جزئياً إلى القيود التي تفرضها السلطات "الإسرائيلية" وسياساتها ، ويرجع ذلك جزئيًا إلى بروتوكول باريس، و يحتوي الأخير على قائمة بالسلع المحددة المسموح للمصنعين الفلسطينيين باستيرادها، و تجدر الإشارة إلى أن بروتوكول باريس قلل من نطاق البضائع المسموح باستيرادها مقارنة بالوضع قبل الاتفاق، و تبرر "إسرائيل" هذه القوائم بمخاوف أمنية، و هناك قوائم طويلة من المواد الخام والسلع والآلات ، والتي يحظر استيرادها ، بما في ذلك ، على سبيل المثال ، بعض المواد الكيميائية اللازمة لصناعة الأدوية، بالإضافة إلى ذلك ، هناك قيود على استيراد ما يسمى المنتجات ذات الاستخدام المزدوج ، وهذا يعني أن المنتجات التي بصرف النظر عن استخدامها المدني يمكن أن تستخدم أيضا لأغراض عسكرية، تتأثر جميع الصناعات تقريبًا بهذه القيود وبالتالي يتعين عليها تسوية المواد الأقل ملائمة أو الأقل جودة.

علاوة على ذلك ، ينص بروتوكول باريس على أن جميع الشركات الفلسطينية يجب أن تحصل على تصاريح استيراد من وزارة الصحة "الإسرائيلية" لجميع السلع التي تنوي استيرادها ، بغض النظر عن مكان وصولهم ولأي غرض من الأغراض التي يجب استخدامها، على النقيض من ذلك ، تحتاج الشركات "الإسرائيلية" إلى مثل هذه التصاريح فقط لبعض السلع، بالإضافة إلى ذلك ، يمكن "للإسرائيليين" الحصول على تصريح صالح لمدة عام كامل ، بينما يحتاج الفلسطينيون إلى تصريح منفصل لكل شحنة، هذا يعني أنه بالنسبة لكل شحنة ، يجب على الشركة الفلسطينية أن تحصل على تصريح من مكتب الجمارك "الإسرائيلي" وأن تدفع مقابل الحصول على تصريح من وزارتي الصحة "الإسرائيلية" والفلسطينية ، وهي عملية بيروقراطية طويلة قد تستغرق أيامًا ، وأحيانًا حتى عدة أسابيع، و بعد ذلك، تضمن عمليات التفتيش الأمنية الصارمة أن كل شحنة إلى الأراضي المحتلة سوف تتأخر أكثر لعدة أيام أو أسابيع، و تضعف الإجراءات البيروقراطية الواسعة أيضًا قدرة الشركات المنتجة للسوق الدولية على الالتزام بالأسعار ومواعيد التسليم والمشاركة في المناقصات الدولية، و هذا يعوق بشكل عام أنشطة التصدير للشركات الفلسطينية.

وفقًا لبروتوكول باريس ، يجب التعامل مع جميع الواردات الفلسطينية إلى الأراضي المحتلة بواسطة شركات الشحن والتخزين والنقل "الإسرائيلية" التي تستفيد من هذا الحكم وغيره من القيود، بالإضافة إلى ذلك ، يتعين على المستوردين الفلسطينيين دفع شركة "إسرائيلية" للحصول على شهادة الفحص الأمني "​​الإسرائيلي" المطلوبة لكل شحنة إلى الأراضي المحتلة، و يتم إصدار الشهادة في غضون أسبوع تقريبًا من وصول البضاعة إلى ميناء "إسرائيلي" وتكلف ما بين خمسة وعشرة بالمائة من قيمة الشحنة، المدفوعات مقابل رسوم الميناء ، للأمن الشيكات أنفسهم ، وضريبة القيمة المضافة تزيد من قيمة البضائع بنسبة 14 في المئة أخرى، وبالتالي فإن نظام الضرائب المنصوص عليه في بروتوكول باريس يولد إيرادات سنوية تزيد عن310 مليون دولار "لإسرائيل"، على النقيض من ذلك ، فإن البضائع والخدمات "الإسرائيلية" المصدرة إلى الأراضي المحتلة معفاة من الرسوم الجمركية ، ومعدل ضريبة القيمة المضافة الذي يتعين دفعه لها أقل بكثير ، مما يشجع التجارة مع "إسرائيل".

هناك بعض المنتجات ، بما في ذلك الوقود ، حيث لا يوجد خيار على الإطلاق للسكان الفلسطينيين والشركات الفلسطينية، بما أنه لا يُسمح للسلطة الفلسطينية بالتداول مع دول ليس لها علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" ، فلا يمكن للفلسطينيين استيراد النفط من الدول العربية ، ولكن عليهم شراء وقود أكثر تكلفة من الشركات "الإسرائيلية"، والوضع أكثر تعقيدًا فيما يتعلق بالأدوية، إذ يستلزم نظام الجمارك الموحد أن الأدوية الجنيسة منخفضة التكلفة المنتجة في الهند ، على سبيل المثال ، والتي تستخدم على نطاق واسع في الاقتصادات الناشئة ، لا يمكن استيرادها بسهولة بسبب المعايير "الإسرائيلية" العليا للموافقة على الأدوية، بالإضافة إلى ذلك ، نظرًا للنظام الجمركي الموحد ، تعتبر كبرى شركات الأدوية العالمية أن الأراضي الفلسطينية جزء من "إسرائيل"، و بناء على ذلك، يطلبون نفس الأسعار المرتفعة كما هو الحال في البلدان المتقدمة بدلاً من أسعار الخصم التي يقدمونها في الاقتصادات الناشئة ، كما هو مناسب للفلسطينيين، و لا يمكن للصناعة الدوائية الفلسطينية الاستفادة من هذه الأسعار المرتفعة بشكل غير معقول لمنافسيها ، بالنظر إلى أنه يتعين عليها التغلب على العقبات البيروقراطية الهائلة وقنوات التوزيع الأطول مما يزيد من التكاليف إذا كانت ترغب في بيع منتجاتها خارج الأراضي المحتلة، وهذا ينطبق أيضا على السوق "الإسرائيلية" ، على الرغم من النظام الجمركي الموحد، و في الوقت نفسه ، لا يُسمح للصناعة الدوائية الفلسطينية بالتصدير إلى العديد من الدول العربية ، والتي ستكون "أسواقها الطبيعية"، و هذا يضعف القدرة التنافسية للصناعة ، ويجب أن يستقر لسوق صغير للغاية، بينما تستفيد صناعة الأدوية "الإسرائيلية" المتقدمة من هذا الضعف حيث تتمتع يتمتع بوصول غير مقيد إلى السوق الفلسطينية وبالتالي ميزة تنافسية كبيرة.

النظام النقدي الفلسطيني

يشير مصطلح "النظام النقدي" عادة إلى النظام المصرفي الوطني للبلد، و نظرًا لعدم وجود استقلال اقتصادي أو سياسي في الأراضي المحتلة ، يخضع النظام النقدي الفلسطيني لقيود كبيرة، و السلطات الفلسطينية غير قادرة على متابعة سياستها الاقتصادية الخاصة، حيث يسيطر بنك "إسرائيل" والبنوك التجارية "الإسرائيلية" على النظام النقدي الفلسطيني.

ويتم تطبيق السياسة النقدية لبنك "إسرائيل" في المناطق المحتلة، وبالتالي يتأثر النظام النقدي الفلسطيني بالسياسات "الإسرائيلية" المثيرة للجدل ، مثل سياسة أسعار الفائدة ، ومشتريات العملات الأجنبية ، والاستراتيجيات الاقتصادية الموجهة نحو التصدير، وهذا له تأثير على الشركات والأسر الفلسطينية ، دون أي إمكانية للمؤسسات الفلسطينية للتأثير على السياسة "الإسرائيلية" في هذا الشأن، إن القيود التي تفرضها "إسرائيل" تعرقل تطور القطاع النقدي الفلسطيني وتقوض قدرة العديد من البنوك الفلسطينية على توفير خدمات كافية لعملائها.

وفقًا للمادة 9 من بروتوكول باريس ، التي تتناول القضايا النقدية ، تم إنشاء السلطة الفلسطينية للشؤون النقدية لتوجيه الاقتصاد الفلسطيني، وفقا للبروتوكول ، فإن مهمة تحديد وتنفيذ السياسة النقدية ، لكنها غير قادرة على القيام بذلك بسبب الاحتلال، و لا تملك سلطة الشؤون النقدية سوى جزء صغير من صلاحيات البنك المركزي ، والتي بدونها يكون الاستقلال الاقتصادي مستحيلاً، حيث للبنك المركزي وظيفتان رئيسيتان: قيادة سياسة اقتصادية ونقدية مستقلة ، فضلاً عن دعم وتنظيم والإشراف على النظام المصرفي المحلي، و لا يمكن للسلطة الفلسطينية للشؤون النقدية أن تؤدي فعلاً هاتين الوظيفتين ، وفي الوقت الحالي يقتصر دورها على الإشراف على البنوك الفلسطينية .

تتمثل إحدى القوى الرئيسية للبنك المركزي في القدرة على إنشاء وتنظيم عملة البلد، ورفض بروتوكول باريس هذه السلطة للسلطة الفلسطينية للشؤون النقدية، و اعترضت "إسرائيل" على هذا الخيار لأن وجود مثل هذه العملة من شأنه أن يسمح ببعض الاستقلال النقدي ، بما يتجاوز السيطرة "الإسرائيلية"، لذلك تعتمد السلطة الفلسطينية على عدة عملات أجنبية: الشيكل والدينار الأردني والدولار الأمريكي واليورو.

إن حصة الشيكل في السوق المالية الفلسطينية كبيرة بشكل خاص بسبب العديد من العوامل ، بما في ذلك عائدات الضرائب ، لا سيما الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة التي تفرضها "إسرائيل" نيابة عن السلطة الفلسطينية ، والأجور المدفوعة للفلسطينيين العاملين في "إسرائيل" أو في المستوطنات "الإسرائيلية" في الأراضي المحتلة ، وكذلك الصادرات والواردات بشكل أساسي من وإلى "إسرائيل"، ويتم تحويل 20٪ من البنوك الفلسطينية إلى البنوك "الإسرائيلية"، و في غياب عملة وطنية ، تظل السياسة المالية الفلسطينية غير فعالة وتخضع للتقلبات في العملة "الإسرائيلية".

تدخل العملة "الإسرائيلية" بشكل أساسي الأراضي المحتلة من خلال الأجور المدفوعة للفلسطينيين العاملين في "إسرائيل"، و بالإضافة إلى ذلك ، يقوم الفلسطينيون بشراء البضائع والخدمات مثل الكهرباء والغاز والوقود والغذاء والخدمات الطبية بشكل رئيسي من "إسرائيل" ، والتي يتعين عليهم دفع ثمنها بالشيكل، فعلى سبيل المثال ، تبلغ مدفوعات الكهرباء من شركة الكهرباء "الإسرائيلية" التي تستهلكها السلطة الفلسطينية حوالي 70 إلى 80 مليون شيقل (حوالي 20-23 مليون دولار أمريكي) شهريًا ؛ يجب دفع ما بين 500 و 600 مليون شيكل (حوالي 140-170 مليون دولار أمريكي) شهريًا لموردي الوقود "الإسرائيليين" ؛ و 25 مليون شيقل (حوالي 7 مليون دولار أمريكي) شهريا للخدمات الطبية "الإسرائيلية"، و تتم هذه المدفوعات من قبل البنوك الفلسطينية نيابة عن المشترين الذين يدفعون للموردين "الإسرائيليين" من خلال البنوك "الإسرائيلية".

وعلى الرغم من الهيمنة المطلقة للشيكل في الأراضي المحتلة ، لا تتمتع البنوك الفلسطينية بوصول مباشر إلى نظام المقاصة "الإسرائيلي" ويجب عليها شراء خدمات المقاصة من البنوك "الإسرائيلية"، و هناك بنكان "إسرائيليان" لديهما اتفاقات مع بنوك فلسطينية وتقديم خدمات المقاصة لهم، و تشمل هذه الاتفاقيات شروطاً صارمة ترفع تكاليف الشيكل على البنوك الفلسطينية، و على النقيض من ذلك ، لا تخضع البنوك الأجنبية الأخرى لنفس الشروط الصارمة لخدمات المقاصة.

لا يُسمح لجميع البنوك الفلسطينية بتحويل الشيكل إلى البنوك "الإسرائيلية"، و تواجه البنوك المنشأة حديثًا ، والتي ليست طرفًا في الاتفاقيات ، وقتًا عصيبًا للغاية، وتطلب البنوك "الإسرائيلية" إيداع تأمين مرتفع للغاية ، أكثر من مليار شيكل (حوالي 284 مليون دولار أمريكي) نقدًا ، من بنك فلسطيني لتوفير خدمات المقاصة. بالإضافة إلى ذلك ، فرضت البنوك "الإسرائيلية" العديد من القيود التي تزيد من تكاليف ومخاطر البنوك الفلسطينية. على سبيل المثال ، حددت البنوك "الإسرائيلية" المبلغ المسموح للبنوك الفلسطينية بنقله في معاملة واحدة،, نظرًا لأنهم يفرضون رسومًا على كل تحويل ، فإن القيد يزيد من تكاليف البنوك الفلسطينية، ولكن حتى في ظل هذه الظروف الصعبة ، لا تتوفر دائمًا خدمات المقاصة الكافية.

في فبراير 2016 ، أعلن بنك هبوعليم أنه يعتزم تقليص مشاركته في مثل هذه التحويلات، وتبقى البنوك الفلسطينية تحت رحمة البنوك "الإسرائيلية" ونزواتها لأنها تعتمد عليها كلية.

استنتاج

اعتمد بروتوكول باريس على افتراض أن استثمارات القطاع الخاص والعام في الاقتصاد الفلسطيني وفرص العمل للفلسطينيين في "إسرائيل" ستؤدي إلى توظيف كامل، وكان من المفترض أن يتحقق ذلك من خلال الخدمات المالية للنظام المصرفي الفلسطيني المتطور تحت إشراف السلطة الفلسطينية للشؤون النقدية، وكانت الخطة تقوية القطاع العام وإنشاء نظام ضريبي فعال، و كان من المفترض أن تساعد المساعدات الدولية في تطوير البنى التحتية المطلوبة، كل هذا لم يحدث، وبدلاً من ذلك ، كان تأثير بروتوكول باريس يتفاقم الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية ، بينما تواصل "إسرائيل" جني أرباح كبيرة من علاقاتها الاقتصادية مع السوق الفلسطينية.

إن إضفاء الطابع المؤسسي على النظام الجمركي الموحد بالتزامن مع سيطرة "إسرائيل" على سوق العمل الفلسطيني وغياب العملة الفلسطينية يفرض قيوداً شديدة على الاستقلال الفلسطيني ويعزز الاعتماد الكبير للاقتصاد الفلسطيني على "إسرائيل" وعلى سياستها الاقتصادية ، والتي "إسرائيل" ، بالطبع ، تصور وفقا لمصالحها الخاصة، إن عدم الاستقرار الاقتصادي والسائد السائد يمنع الاستثمارات التي تمس الحاجة إليها والتي يمكن أن تؤدي إلى نمو اقتصادي طويل الأجل، وفي الوقت نفسه ، تغمر البضائع "الإسرائيلية" السوق الفلسطينية ، تاركة المستهلكين الفلسطينيين بالكاد أي خيار، وهم تقريباً تحت رحمة المنتجات "الإسرائيلية" والدولية ، في حين أن الشركات الفلسطينية غير قادرة على التنافس مع الشركات "الإسرائيلية" وتطوير الاقتصاد الفلسطيني.

لم يتم التفاوض على بروتوكول باريس والتوقيع عليه من قبل شريكين متساويين، و تعد اللوائح والآليات المنصوص عليها في الاتفاقية تعبيرا عن علاقات القوة غير المتكافئة بين الطرفين، علاوة على ذلك ، فهي ترجع إلى حقيقة أن بروتوكول باريس كان المقصود منه أصلاً أن يكون ترتيبًا مؤقتًا، بينما في الاتفاقيات الاقتصادية الأخرى ، مثل تلك التي يرتكز عليها الاتحاد الأوروبي ، تهدف الآليات التنظيمية إلى إعطاء البلدان الصغيرة وزناً أكبر مما يتوافق مع قوتها الاقتصادية ، فإن بروتوكول باريس يهدف إلى دعم الطرف "الإسرائيلي" الأقوى بالفعل في العقد.

بروتوكول باريس

ليس مفصلاً للغاية: إنه يتألف فقط من 20 صفحة، على وجه الخصوص ، يفتقر الاتفاق إلى آليات التنفيذ، يمكن "لإسرائيل" أن تنتهك الاتفاقية دون خوف من فرض عقوبات كبيرة، فعلى سبيل المثال ، إذا قيدت الحكومة "الإسرائيلية" وصول العمال الفلسطينيين إلى "إسرائيل" أو رفضت تحويل إيرادات الضرائب التي يحق للسلطة الفلسطينية الحصول عليها وفقًا لبروتوكول باريس ، فلا يوجد شيء يمكن للسلطة الفلسطينية فعله حيال ذلك، على النقيض من ذلك ، وبسبب عجزها الدائم والقوة السياسية والعسكرية لإسرائيل ، يجب على السلطة الفلسطينية التقيد الصارم ببروتوكول باريس وحتى الموافقة على التغييرات التي تقرر الحكومة "الإسرائيلية" إدخالها من وقت لآخر، و في هذا السياق ، تجدر الإشارة إلى أن هذه التغييرات تبقى سرية دون سبب واضح ، على الرغم من أن أي تغيير في البروتوكول يجب أن يتم نشره على الملأ.

لقد طُرحت مرارًا وتكرارًا مطالب بتغيير بروتوكول باريس أو إلغاؤه تمامًا، ففي عام 2015 ، على سبيل المثال ، احتج الفلسطينيون على ارتفاع أسعار الوقود ومعدل ضريبة القيمة المضافة الذي تم تطبيقه لأول مرة في "إسرائيل" ثم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، و من ناحية أخرى ، لا يكاد يُولى أي اهتمام لبروتوكول باريس في الخطاب العام ، ويبدو أن الفاعلين السياسيين وصناع القرار غير مدركين للأهمية الهائلة لبروتوكول باريس وتأثيره.

من المهم التأكيد على أن بروتوكول باريس كارثي بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني، طالما أنه لا يوجد مراجعة أساسية ، ولا تحسن في الظروف التجارية ، ولا بنك مركزي فلسطيني ، ولا عملة فلسطينية ، فإن التغييرات التجميلية لن تقوي الاقتصاد الفلسطيني فعلاً.