Menu

إسرائيل وتحدى "المأزق التاريخي"

محمد السعيد إدريس

نقلًا عن الأهرام

هاجس الخطر، أو الإحساس بالخطر وإدراكه، الذى أخذ يتهدد كيان الاحتلال الإسرائيلى يتحول، يوماً بعد يوم، إلى ما يمكن اعتباره "مأزقاً تاريخياً" على عكس كل ما كان يتوقعه ويبشر به بنيامين نتنياهو رئيس حكومة تسيير الأعمال الإسرائيلية طيلة الأعوام الثمانية الأخيرة، أى منذ تفجر موجة الانتفاضات والصراعات الداخلية فى العديد من الدول العربية ابتداءً من عام 2011، وهى الموجة التى اقترنت بثلاثة تطورات اعتبرها نتنياهو وقتها أنها شديدة الإيجابية وتوحى بأن إسرائيل أمام بزوغ عهد جديد فى مشروعها الاستعمارى الاستيطانى على الأرض العربية.
التطورات الثلاثة التى خلقت هذا الوهم كانت بالتحديد أولاً أن الصراعات الداخلية الجديدة فى الدول العربية يمكن أن تفضى إلى إعادة إحياء مشروع تقسيم الدول العربية على أسس ومعايير عرقية ودينية وطائفية يكون نتيجتها إحداث خلل شديد فى معادلة توازن القوى الإقليمى لصالح إسرائيل مع اختفاء معظم الدول العربية الكبرى فى عملية التفتيت الداخلى تلك وظهور دويلات وكيانات بديلة طائفية وعرقية هشة ستكون أكثر استعداداً للانخراط فى مزيد من الصراعات فيما بينها ما يجعل إسرائيل فى مأمن نهائى من أى خطر أو تهديد عربى لمشروعها، ويكون من نتيجتها أيضاً تهميش أو اختفاء أو القضاء النهائى على "الهوية القومية العربية" نهائياً وهى القوة الجامعة للعالم العربى والنظام العربى والتى ظلت تحمل حلم الوحدة العربية وتأسيس الدولة العربية الكبرى القادرة على إسقاط المشروع الصهيونى.
أما التطور الثانى فهو تفشى الصراعات الطائفية السنية- الشيعية داخل النظام الإقليمى للشرق الأوسط، وظهور محور من الدول العربية السنية المعتدلة الحليفة للولايات المتحدة والأكثر تهيؤاً للاقتراب من إسرائيل قادر على التصدى لـ "الهلال الشيعى" ما يدعم من فرص ظهور صراع إقليمى بديل للصراع العربى- الإسرائيلى هو الصراع السنى- الشيعى، الذى يمكن أن يتحول إلى صراع عربى- إيرانى باعتبار أن إيران هى من يقود هذا "الهلال الشيعى"، ومن ثم خروج إسرائيل نهائياً من دائرة الصراع الإقليمى.
أما التطور الثالث، فهو تداعى التوحد العربى حول القضية الفلسطينية لأسباب كثيرة من أهمها أن معظم الدول العربية باتت مهمومة بصراعاتها وتحدياتها الداخلية، ولم يعد لديها من فائض الاهتمام ما يجعلها مستعدة للاستمرار فى تبنى القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل، فى وقت أضحت فيه معظم الدول العربية، خاصة تلك التى قامت بالدور الأكبر فى دعم هذه القضية، فى أمس الحاجة للحليف الأمريكى لدعم استقرارها وأمنها الداخلى، ومن ثم باتت أكثر استعداداً للإنصات لتعليمات هذا الحليف الأمريكى وشروطه بأن الحماية لها ثمن يجب أن يدفع: ثمن مادى بفواتير بمئات المليارات من الدولارات، وثمن سياسى أو معنوى وهو تطبيع العلاقات مع دولة كيان الاحتلال الإسرائيلى.
من هنا ولد حلم بنيامين نتنياهو بأن إسرائيل أضحت منفتحة على "فرصة تاريخية" عليها أن تستثمرها لتأسيس تحالف عربى – إسرائيلى إقليمى جديد بمن يقبل من الدول العربية ثمنه تصفية القضية الفلسطينية والتحالف المشترك ضد العدو الإيرانى المشترك، وتسخير القدرات العربية فى إدارة الصراع ضد هذا العدو.
هذا الحلم بدأ يتداعى باعتراف كبار العقول الإستراتيجية الإسرائيلية، وبدلاً من "الفرصة التاريخية" أخذ "المأزق التاريخى" يفرض نفسه فى ظل إدراك إستراتيجى إسرائيلى مفاده أن إسرائيل "تواجه تهديداً وجودياً" من إيران والمحور العربى الذى تقوده ضدها أى "محور المقاومة"، وفى ظل أزمات وصراعات وتهديدات داخلية حقيقية باتت تهدد وحدة وتماسك هذا الكيان الإسرائيلى باعتراف كبار الخبراء الإسرائيليين.
من أبرز من لخص حقيقة "المأزق التاريخى" الإسرائيلى الراهن البروفيسور المتطرف يحزقئيل درور أستاذ العلوم السياسية فى الجامعة العبرية ب القدس الذى ألف كتاباً تحت عنوان "رسالة إلى القائد" تحدث فيه عن أبرز الأزمات الداخلية التى تواجه الكيان الإسرائيلى ابتداءً من "غياب القيادة الحكيمة والقوية التى تقود الدولة من غير أن تنحرف عن يهوديتها وصهيونيتها"، امتداداً إلى "ضعف الجيش وتراجع هيبته وإخفاقاته المتكررة" إلى "ظهور العديد من الثغرات والخلل فى إتخاذ القرارات". أرجع البروفيسور درور هذه الأزمات الداخلية إلى "التحلل الدينى والتراثى والأخلاقى، لدى القيادات اليهودية فى إسرائيل وتفرغها لتحقيق المكاسب السياسية والحزبية من منطلق شخصى وعلى حساب الأجيال والأيديولوجية اليهودية الصهيونية".
يكتمل المأزق التاريخى المتجذر فى الداخل بظهور ما يعتبره كبار الخبراء الإستراتيجيين "تهديداً وجودياً" يتمثل فى إيران ومحورها المقاوم، بات فى مقدوره تحييد القدرة النووية العسكرية الإسرائيلية المتفوقة، وهو المأزق الذى اعتبره الدكتور دان شيفتان وهو من أشد الكتاب والباحثين اليمنيين فى إسرائيل "مأزقاً لم يسبق لإسرائيل أن واجهت مثله أبداً الذى يتمثل فى هذا الخليط الخطير الذى يقيم بنجاعة وبذكاء ومنهجية مؤسسة إقليمية تعرض الوجود الإسرائيلى للخطر" .
الجنرال الاحتياط اسحق بريك مفوض شكاوى الجنود السابق فى الجيش الإسرائيلى أوضح فى مؤتمر لصحيفة "ماكور ريشون" منذ حوالى اسبوعين بتل أبيب لماذا يقف الكيان الإسرائيلى أمام خطر وجودى"، فشدد فى الكلمة التى ألقاها على أنه فى السنوات الأخيرة يبنى الإيرانيون مظلة صواريخ مؤلفة من 250 ألف صاروخ، بعضها كبير وبعضها صغير حول إسرائيل، لافتاً إلى "الأمر يتعلق بإطلاق 1500 – 2000 صاروخ فى اليوم الواحد من بينها صواريخ كبيرة من 500 – 600 كيلو جرام ستسقط على التجمعات السكانية وعلى أهداف إستراتيجية وعلى قواعد الجيش داخل إسرائيل"، ومؤكداً أنه "لا يوجد لدى إسرائيل الرد، لأن سلاح الجو لا يعرف إيقافها والصواريخ المضادة الإسرائيلية ليست مبنية لصدها".
المعنى السابق لخصه الجنرال درور شالوم رئيس دائرة البحوث فى شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية "أمان" بصورة أكثر قتامة فى حديث لصحيفة "إسرائيل اليوم" بقوله أن "الواقع بات أكثر تعقيداً مما كان فى الماضى"، وموضحاً أن "الأمر فى النهاية يتعلق بإيران الساعية لامتلاك برنامج نووى، والطامحة لتثبيت وجودها العسكرى ونفوذها السياسى فى سوريا والعراق وتقوم بنقل أسلحة وصواريخ متطورة إلى حزب الله" هذه المعانى والتطورات اعتبرها الجنرال الاحتياط إيتان بن الياهو بأنها "تعد بمثابة هزة أرضية تحتم على إسرائيل إعادة تقييم إستراتيجيتها" مؤكداً أن "القدرة التكنولوجية لإيران ووكلائها وصلت إلى أرقام قياسية، وأكدت بشكل غير قابل للتأويل أنها قادرة على تغيير موازين القوة"، وهنا بالتحديد يتجذر المأزق التاريخى لكيان الاحتلال الذى سيكون مطالباً بالبحث فى حلول لهذا المأزق ، لكن يبقى السؤال: هل سيستطيع؟ هذه هى المعضلة التى تربك كل حسابات الإسرائيليين فى ظل بيئة إقليمية  ودولية مراوغة لا تؤمن للإسرائيليين هيكلية قوية وثابتة ومأمونة من التحالفات، وفى ظل كيان داخلى مهدد بالمزيد من التفكك والانقسام وهشاشة الهوية المجمعة مع خفوت بريق الصهيونية التى أسست الكيان .