Menu

أمن واقتصاد وتطبيع: الحلف الثلاثي وسياسة الكيان في مجال الطاقة

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

وصل اليوم إلى أثينا رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني بنيامين نتنياهو في هدف معلن للزيارة هو توقيع الاتفاق الثلاثي مع أثينا ونيقوسيا لإنشاء خط أنابيب الغاز تحت البحر الذي سيربط الكيان الصهيوني بالشبكة الأوربية للطاقة في رهان سياسي واقتصادي يمارسه الكيان الصهيوني يستهدف الحصول على جوائز في الاقتصاد والأمن والسياسة.

إلا أن مهمة نتنياهو في أثينا ليست سهلة، حيث يرى عوديد عيران، وهو باحث أول بمعهد الدراسات الإستراتيجية بجامعة تل أبيب وسفير سابق لدى الاتحاد الأوروبي والأردن، إن أهمية الصفقة سياسية بالدرجة الأولى، في التعاون الإقليمي مع اليونان وقبرص. ورغم أنه لايمكن الاستهانة بهذه الخطوة إلا أنه "يجب أيضًا النظر إليه من الناحية الاقتصادية لمدى نقل الغاز، وما إذا كانت جميع دول شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ستتعاون في مثل هذا الخط: لبنان، إسرائيل، مصر، وربما في وقت ما في المستقبل الفلسطينية" مضيفا "هذه أسئلة مهمة للغاية يتعين تقريرها". حيث لا يضمن الاتفاق بين الدول الثلاث أن يتم بناء خط الأنابيب بالتأكيد، فالتوترات في المنطقة، خاصة مع تركيا ، قد تمنعها.

قال البروفيسور شموئيل ساندلر من جامعة بار إيلان ومركز بيجن -السادات للدراسات الإستراتيجية " أردوغان يحاول إيقاف تدفق الغاز إلى أوروبا"،ويستتبع المشروع أيضًا مخاطر أمنية، مضيفا أن "حزب الله في لبنان قد يهاجم خط الأنابيب."

وقال عيران إن الاتفاق الذي يوقعه نتنياهو له أهمية كبيرة بالنسبة لأوروبا التي تريد مناخًا جيوسياسيًا هادئًا في شرق البحر المتوسط ​​وهي الوجهة الرئيسية للغاز الطبيعي الإسرائيلي بينما يحاول الاتحاد الأوروبي تنويع مصادر الوقود.

على الرغم من الفوائد التي يمكن أن تجنيها أوروبا من خط الأنابيب، يقول عيران إن الاتفاقية سيكون لها تأثير ضئيل على العلاقة المشحونة بين الاتحاد الأوروبي "وإسرائيل" وقال "هذه الخطوة مهمة للغاية، ولكنها لن تحل المشاكل الرئيسية مع الاتحاد الأوروبي" ومن المعروف أن العلاقات الصهيونية بقيت متوترة مع بروكسل طوال العقد الماضي نتيجة اعتراض الاتحاد رسميا على السياسات الصهيونية في الأراضي المحتلة، وعبر عيران عن الأزمة بالقول "إن عليهم أن يفعلوا القضية الفلسطينية أكثر من قضية الطاقة".

عموما.. تهدف هذه المادة إلى تسليط مزيد من الضوء على الحلف الثلاثي "الإسرائيلي" اليوناني القبرصي، وكيف يريد الكيان الصهيوني جعل سياسات الطاقة للقفز إلى قلب السياسة الأوربية والعالمية وتكريس التطبيع وتعميقه، كإطار لاستتباع الدول للسياسة الصهيونية في مجال الطاقة، وهو ما تحقق فعليا ببدء ضخ الغاز إلى الأردن يوم أمس. وتستند المادة في بعض المعلومات الواردة إلى تقرير كتبه عزرا فريدمان في مركز أبحاث الأمن القومي الصهيوني من الدراسات الصهيونية حول هذه المسألة.

حقق الكيان الصهيوني، عبر اكتشاف حقول الغز الضخمة في المتوسط قفزة سياسية واقتصادية هائلة، خدمت السياسة الدولية الصهيونية في العديد من المجالات سواء تعظيم القدرة المادية المالية للكيان، أو ترسيخ أسس جديدة للعلاقات مع دول المتوسط خصوصا في مجال التطبيع الاقتصادي وتكريس تبعية اقتصادين عربيين للسياسة الغازية الصهيونية سواء مصر أو الأردن عبر صفقات الغاز الضخمة التي بدأ تنفيذها مع الأردن مطلع العام وسيبدأ تنفيذها مع مصر قريبا جدا.

بالإضافة إلى ذلك فتحت هذه الاكتشافات الفرصة أمام الكيان الصهيوني لتجاوز هامشيته في مجال الطاقة وتحوله من دولة مستهلكة إلى مصدرة مكتفية ذاتيا وترسيخ علاقاتها الأوربية خصوصا مع محور قبرص واليونان، مما هيأ لخلق تحالف ثلاثي عبري يوناني ( قبرص واليونان) يثير قلق الجيران مثل تركيا التي أخذت على عاتقها من جانبها العمل على إحباط هذا المخطط عبر رسم سياساتها الخاصة خصوصا في الاتفاق الأخير مع الحكومة الليبية.

ومما لاشك فيه أن اكتشافات الغاز في شرق المتوسط تعيد رسم الجغرافيا السياسية للمنطقة وهي حاليا للأسف تصب تماما على ما يبدو في خدمة الكيان الصهيوني، مع استتباع مصر وانشغال سورية بداخلها وعجز لبنان عن التصرف، وهذا كله يصب في خدمة تحقيق الكيان الصهيوني لأهداف جيو-استراتيجية كانت معلقة وربما غير قابلة للتطبيق.

ومن المعروف أنه تاريخيا كان الكيان الصهيوني دولة متعطشة للطاقة تحاول الحصول عليها عبر طرق ملتفة في محيط معاد نسبيا ولا يسمح بتدفقات مريحة، ولكن هذا كله تغير مع اكتشاف حقل "تامار" عام 2009 من قبل مجموعة أمريكية-"إسرائيلية" ثم اكتشاف آبار أخرى يقال إنها تحتوي ترليونات الأمتار المكعبة من الغاز الطبيعي وربما يكون التقدير مبالغا به ولكن المؤكد أن كميات الغاز لا تقل عن عدة مليارات من الأمتار المكعبة.

ولإدارة هذه الثروة المفاجئة يحتاج الكيان الصهيوني طبعا إلى حلفاء يشاركونه أهدافه في المتوسط ومن الطبيعي الاتجاه إلى اليونان وقبرص كونهما "العدو" الطبيعي للمنافس الرئيسي للكيان في المتوسط أي تركيا، التي تريد أيضا حماية حقوق قبرص التركية في الثروات المكتشفة وتبدي اعتراضها على رسم حدود المناطق الاقتصادية، وبالتالي فإن التعاون الصهيوني مع الطرفين اليونانيين يخدم في تعزيز التعاون بشأن مجموعة من القضايا الأمنية والاقتصادية الحرجة، بحصول تل أبيب على منفذ قوي إلى الاتحاد الأوربي واقتصاد الطاقة داخله، وكذلك السعي لتقوية هذا الحلف الثلاثي عبر تشكيل ما يسمى منتدى شرق البحر المتوسط للغاز(EMGF) الذي يجمع الكيان الصهيوني مع ومصر وقبرص واليونان والأردن والسلطة الفلسطينية ما يعني تخلق المجال الدبلوماسي اللازم لتسهيل سوق الغاز الإقليمي التنافسي والمستدام.

وهذا المنتدى الأخير يصب تماما في مصلحة الكيان الصهيوني حيث سمح للكيان بتزويد جيرانه (مصر والأردن) بالغاز ما يعني تعميق وتكريس ليس فقط التطبيع الاقتصادي، بل واستتباع اقتصادات هذين البلدين للسياسة الصهيونية في مجال الطاقة، ويشكل مدخلا صهيونيا للعبور إلى مزيد من الدول العربية خصوصا في الشرق، حيث يتحول الكيان إلى مركز إقليمي عملاق في هذا المجال.

التحالف الثلاثي

جلب "التحالف الثلاثي" بين إسرائيل وقبرص واليونان ربحا صافيا للسياسة الخارجية الصهيونية منذ العام 2015 حيث منذ اكتشاف حقول "تمار" وليفاتان" و"أفروديت" تعمق التعاون العسكري بين الكيان وقبرص واليونان وتعمق تبادل المعلومات الاستخبارية المتقدمة والتعاون الأمني السبراني، في سياق عملية تعميق العلاقات الدبلوماسية وتقويتها.

ولكن رغم ذلك وحسب تقارير استراتيجية قدمتها مراكز البحث الصهيونية فإن القلق الأمني هو الذي يعزز التعاون الاقتصادي، وخصوصا في الموقف الثلاثي من تركيا، والمخاوف المستمدة من التدريبات العسكرية التركية التي تعمل على حماية المنطقة الاقتصادية الحصرية التي تتبع قبرص الشمالية، وتقوم الجمهورية التركية بهذا نيابة عن قبرص االشمالية.

يضاف إلى ذلك غضب الكيان مما يزعم إنه تدخل تركيا في الأراضي المحتلة وخصوصا في القدس المحتلة، حي ثيزعم الكيان أن تركيا تقوم بشراء النفوذ في القدس وتكريس نفسها كحارسة للحقوق العربية الفلسطينية هناك، وبالتالي يريد الكيان الصهيوني أيضا استخدام تحالفه الثلاثي لزيادة النفوذ داخل الاتحاد الأوربي لصب المزيد من العقوبات، حي ثيفكر الاتحاد الأوربي فعلا بإنزال عقوبا على هذا البلد بحجة انتهاك السيادة القبرصية وما يزعم إنه جرائم ارتكبها الأتراك أو حلفائهم في شمال سورية.

تراهن حكومة الاحتلال على هذا التوجه الاستراتيجي أيضا في ظل ما يزعم إنه السياسة الانسحابية للولايات المتحدة من المنطقة، حيث يشعر الكيان وحلفاء آخرون لواشنطن بالقلق بشكل متزايد ما يدفع الكيان وقبرص واليونان إلى التقارب المتسارع.

الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة

سيخدم الحلف الثلاثي المزيد من أهداف الكيان الصهيوني في سياسته الخارجية، إذ من المعروف أن الاتحاد الأوربي يستورد أكثر من 55% من احتياجات اطاقة، ومعظم هذه الواردات تأتي بشكل غاز طبيعي مسال، وبالتالي يراهن الكيان الصهيوني أن السوق الأوربية ستكون مكانا جذابا ومناسبا لصادرات الغاز خصوصا أن الاتحاد الأوربي يتوق للتخلص من تحكم روسيا بوارداته من الغاز، التي يعتمد عليها الآن، إلى جانب انخفاض الإنتاج المحلي من حقول بحر الشمال، ما يعني تفاقم احتياجات الاتحاد الأوربي وبالتالي، قام الاتحاد كجزء من استراتيجيته لتنويع مصادر الطاقة عام 2014 بإضافة الكيان لقائمة الموردين المحتملين، وتم إدراجه مباشرة في شبكة الطاقة الأوربية عام 2022 عبر قبرص واليونان ما يعني أن يتمكن الاتحاد الأوربي من تعويض نقص الطاقة عبر اليونان وقبرص والكيان الصهيوني.

هذا المخطط يخرج للنور فعليا من خلال توقيع مذكرة تفاهم بين خطوط الغاز الطبيعي الصهيونية (INGL) و IGI Poseidon، وهو مشروع مشترك بين شركات الطاقة اليونانية والإيطالية، DEPA و Edison. حيث شكل كل من INGL و IGI فريقًا مشتركًا لاستكشاف جدوى إنشاء خط أنابيب شرق المتوسط تحت البحر يسمح بتصدير الغاز من شرق البحر المتوسط ​​إلى أوروبا عبر قبرص واليونان وإيطاليا وهو الأطول من نوعه في العالم.

وسياسيا، في ظل توتر العلاقة بين بروكسل (عاصمة الاتحاد) والكيان الصهيوني في عهد نتنياهو كما ذكرنا أعلاه، يريد الكيان أن تكون سياسات الطاقة رافعة للعلاقات السياسية والدبلوماسية والأمنية، وعبر تقريب العلاقات مع نيقوسيا وأثينا يريد الكيان فعليا الوصل إلى بروكسل.

أيضا تقدم الخطة الصهيونية خدمة للولايات المتحدة، مدفوعة الثمن طبعا، حيث أصبحت واشنطن أكبر الداعمين للحلف الثلاثي لما يقدمه من خدمات أمنية أمنية في مواجهة محاولات التغلغل الصيني الذي يقلق واشنطن كثيرا، وأيضا ضد تصاعد الوجود الروسي في المتوسط.

وفي حين أن "التحالف الثلاثي" هو تطور أساسي بالنسبة للكيان الصهيوني فإنه ليس الرهان الوحيد للكيان الصهيوني، الذي حقق عبر ضمه لمنتدى غاز المتوسط كعضو مؤسس فوزا كبيرا دبلوماسيا، حيث هذه هي المرة الأولى التي يكون فيها الكيان عضوا في منتدى اقليمي يضم دولا عربية، وهو استكمال لعملية التطبيع المتنامية مع دول الخليج .

أخيرا..

في مواجه مأزق داخلي متنام، يسعى بنيامين نتنياهو إلى تبييض صورته دوليا وتعميق انجازاته أمام الرأي العام الصهيوني في محاولة للإفلات من المحاكمة، وبغض النظر عن أن مشروع الغاز العملاق لا يخص نتنياهو كفرد، إلا أنه حصان يسعى لامتطائه على كل حل، يساعده وساعده في ذلك سياسات عربية خدمت وتخدم المشروع الاقتصادي الصهيوني المهيمن على حساب مصالحها الخاصة قبل أن نقول على حساب الشعب الفلسطيني، والسؤال الذي يطرح نفسه، هل يستطيع الكيان الصهيوني الرهان على أنظمة عربية عملت وتعمل عكس مصالح وإرادة شعوبها، أم أن فقاعة الغاز ستنفجر في وجوههم جميعا؟