Menu

تحليلالكيان الصهيوني والتهديد الوجودي الثاني: شرق أوسط نووي

بوابة الهدف - أحمد مصطفى جابر

استندت الرواية الأمريكية والصهيونية وحلفائها أيضًا على فكرة المخاطر التي يشكلها المشروع النووي الإيراني المزعوم، وكيف أن هذا المشروع قد يدفع دولاً أخرى لتبني هذا الخيار، ولكنها في الواقع دول أخرى تتحالف أصلاً مع الولايات المتحدة ( مصر والسعودية وكذلك تركيا التي هي عضو في الناتو أو الإمارات المتحدة التي تفتقر للحد الأدنى من القدرة السياسية اللازمة لقيادة مشروع نووي عسكري) ولا يمكن أن تشكل في ظل وضعها الحالي أي تهديد للكيان الصهيوني الذي يملك دون أدنى شك قوة نووية معتبرة خارج أي رقابة أو إمكانية للفحص.

رغم ذلك فإن تسلحًا إضافيًا من أي نوع يبقى مبعث قلق للكيان الصهيوني الذي يسعى للحفاظ على تفوق نوعي على جميع أعدائه المحتملين والواقعيين معا وليس بالتجزئة، وهذا ما يضمنه التسلح النووي الاستحواذي الذي يريد الكيان المحافظة عليه.

في دراسة التهديدات الوجودية التي نشرها معهد دراسات الأمن القومي الصهيوني، يبرز التسلح النووي في المنطقة كثاني أكبر تهديد للكيان، ويتساءل عن قدرة هذا الكيان على العيش في منطقة متعددة الأقطاب النووية. هذا النص هو مراجعة لورقة التهديد الثاني في سلم أولويات مقترحة صهيونيًا كتبه كل من جويل جوزانسكي ورون كاسل.

يزعم الكيان الصهيوني أن منطقة متعددة الأقطاب نوويًا تهدد التوازن، في ظل أن الكيان نفسه مسلح نوويًا حاليًا بدون منافس في المنطقة ووسط تصريحات رسمية من قبل الأطراف أنها تريد -بالذات إيران- قدرة نووية سلمية لمواجهة تحديات التنمية المتراكمة، وبالتالي تناقش الورقة المخاطر والتحديات التي تواجه الكيان في منطقة من هذا النوع، وترفع توصيات لكيفية مواجهة هذه التحديات وإحباطها.

اقرأ ايضا: تهديد وجودي أول: تشكيل تحالف إقليمي ضد "إسرائيل": عقبات وعلامات تحذير

وإذا كان معيار التسلح النووي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية مرتبطا أساسًا بالردع، وتهديد التدمير المتبادل، فإن تفرد الكيان الصهيوني بالسلاح النووي يعتبر منذ زمن بعيد خرقًا فاضحًا لهذه القاعدة بمباركة ومعاونة غربية، ورعاية تقنية وأمنية ولوجستية سواء من الولايات المتحدة أو بريطانية أو فرنسا.

مع زوال قاعدة ما بعد الحرب والشروط التي وضعت بين الشرق والغرب فإن منطقة متعددة الأقطاب نوويًا تقلق الكيان الصهيوني بشكل خاص بسبب غياب هذه القواعد ومنطقية استخدام هذا السلاح في مساحة جغرافية ضيقة، وإثارة قدرات الخصوم الكبيرة على إحداث تدمير كبير في الكيان باستخدام أسلحة تقليدية وهذا ما عكسه التهديد الصاروخي باعتباره وجوديًا والذي تطرقت له الورقة الثالثة التي نراجعها لاحقًا.

اقرأ ايضا: الكيان الصهيوني: سيناريوهات التهديد الوجودي

طبعا، حازت المساعي التركية والمصرية والسعودية وحتى الإماراتية لحيازة قدرة نووية بغض النظر عن نوعها –إلى جانب إيران كتهديد مركزي طبعًا- على اهتمام موسع من الأوساط الأمنية والعسكرية والسياسية الصهيونية وبالتالي بغض النظر عن التفاصيل الطويلة التي لا تهم القارئ هنا، فإن الكيان الصهيوني يعتبر أن منع تهديد نووي هو هدف استراتيجي له، وبالتالي فهو ينفذ ما يسمى استراتيجية الوقاية منذ عقود، وعلى الأقل منذ عام 1981 عند قصف مفاعل تموز العراقي، وهذه الاستراتيجية مارسها الكيان علنًا وسرًا، في العراق و سوريا وإيران، دبلوماسيًا وعسكريًا ورغم أن بعض الإجراءات التي كانت سرية قد انفضحت الآن إلا أن الكيان يملك الكثير من الأسرار في هذا المجال، وتحول اسم الاستراتيجية إلى اسم "مبدأ البدء": بالتناغم مع تحولات عميقة في المنطقة، فلا شك أن الكيان ازداد قوة الآن، ولكنه في تحليل من زاوية أخرى يزداد ضعفًا، وترى الورقة المقدمة من المركز أن على "إسرائيل" أن تكون جاهزة حتى لو تم التغلب على التحديات المطروحة حاليًا في إيران وبدرجة أقل تركيا ومصر، وبالتالي يتطلب الأمر حسب التوصيات إيجاد تغيير في العقيدة، وأن على "إسرائيل" أن تعمل لمنع تشكيل الخطوط العريضة للتهديدذ، مع أخذ الكيان بعين الاعتبار أن العداء العربي تراجع للكيان واحتلت إيران المركز الرئيسي في قائمة الأعداء، الفعليين، ويزعم الكيان الصهيوني، أن تغييرا في السمار الفلسطيني لن يؤثر على طبيعة هذا التهديد المطروح ولا يتطلب تغييرا في السياسة الصهيونية، ويزعم أنه في حالة تحسن الوضع في القضية الفلسطينية فإن من المحتمل أن تواصل دول عربية هذا المسار لتحدي إيران تحديدًا، رغم القلق في الكيان الصهيوني من طبيعة الدول المعنية غير المستقرة سياسيًا واحتمال حدوث تغيير عميق في الاتجاه في هذه الدول في حالة صعود نظم سياسية جديدة وهو أمر ليس مستبعدًا.

وفي جميع الحالات يزعم الكيان الصهيوني أن نظامًا متعدد الأقطاب النووية في المنطقة لا يمكن أن يكون مستقرًا حيث يمكن أن يتصاعد تهديد نووي دون أن تكون "إسرائيل" طرفًا فيه ولكنها لن تنجو من تبعاته، بسبب ما ذكرناه أعلاه عن الطبيعة الجغرافية والحيز البيئي في المنطقة.

لب الموضوع أن الكيان الصهيوني يعتقد أن دحر إيران وإحباط مشروعها التسلحي يعني بالنسبة للكيان إزالة دوافع الأنظمة العربية وتقليلها، وأيضًا ترى الورقة أن الجهود النووية في السعودية والإمارات ومصر لاتساعد في تخفيف التحدي الإيراني بل تعمق دوافع طهران لمواصلة برنامجها النووي.

تعتقد الورقة أن بإمكان الكيان الضغط على واشنطن لتوفير مظلة نووية لدول مثل السعودية، وأن "لإسرائيل" مصلحة واضحة في تعزيز الثقة في علاقتي الولايات المتحدة مع المملكة العربية السعودية. بالطبع ، تعتبر أن "إسرائيل" أفضل حالًا بالمظلة النووية التي تزودها الولايات المتحدة للسعودية ولي تلك المقدمة من باكستان، أو  مصدر غير موثوق.

أيضًا هناك مصلحة كبرى للكيان، راسخة وإستراتيجية، في بقاء تركيا ضمن حلف الناتو، كون هذا يحجز الكثير من التهديدات التي قد تسببها تركيا خارج الناتو.

أيضا تناقش الورقة، ما إذا كان على الكيان السماح بتسلح تقليدي عال للجيران، بديلاً عن النووي، الذي تتفرد به، لاعتبارات الحفاظ على هيبة هذه الدول ورضاها الداخلي، ومن ضمن ذلك برامج نووية مدنية مراقبة بشكلٍ صارم.