قطع مجلس شورى "حماس" قول كل متنبئ للاتفاق الحمساوي الاسرائيلي الموعود، "اتفاق بلير - مشعل" بعد ان اعتمد "التفاهمات الحمساوية – الاسرائيلية"، وبعد أن أرسل وفدا من الحركة "لتوضيح وشرح الاتفاق للحلفاء والاصدقاء". وكانت مصادر اسرائيلية قد كشفت وجود مفاوضات بين "الجانبين" مسرحها انقرة والدوحة وسويسرا وألمانيا وإسرائيل.
بدوره، أحمد يوسف القيادي الحمساوي كان قد تحدث عن دردشات تجريها "حماس" مع اسرائيل عبر توني بلير مبعوث الرباعية الدولية، لكنه اعترف قبل ايام "بأن مناقشات وتبادل أفكار أجريا في الدوحة الأسبوع الماضي، وأكد أن ما يجري الحديث عنه هو رفع إسرائيل للحصار عن قطاع غزة بشكل كامل وفتح المعابر وتسهيل حركة المسافرين، وإنشاء ممر مائي مقابل "وضع أمني تريده إسرائيل في القطاع".
كما أفاد مستشار رئيس الحكومة التركي ياسين اقظاي: "بأن (حماس) تتجه نحو اتفاق شامل في قضية رفع الحصار وفتح المعابر والتوصل لاتفاق تهدئة مع سلطات الاحتلال".
ما هو الوضع الامني الذي تريده إسرائيل؟ يقول موقع المصدر الاسرائيلي: "إيقاف (حماس) حفرياتها على الحدود بين قطاع غزة وإسرائيل"، وقيام حركة حماس بمنع إطلاق الصواريخ من القطاع نحو إسرائيل" وقبولها بتهدئة لا تقل عن 8 سنوات"، مقابل موافقة إسرائيل على ممر مائي على بعد 3 كم عن قطاع غزة بخط واحد مع قبرص وتحت مراقبة إسرائيل – وتحكمها الامني-، فك إسرائيل الحصار بشكل كامل عن قطاع غزة، والسماح لآلاف العمال من القطاع بالعمل داخل إسرائيل.
ليست المشكلة في رفع الحصار الظالم عن قطاع غزة، ولا في بناء ميناء، ولا حتى في تهدئة بين "حماس" وإسرائيل كان معمولاً بها منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وتعاملت مع قاعدة تفاهم "هدوء مقابل هدوء" ظلت سارية المفعول طوال عهد "حماس" في السلطة، تتخللها بعض عمليات إطلاق القذائف من فصائل أخرى مقابل غارات جوية اسرائيلية ضد أهداف لحركة حماس وظيفتها حث "حماس" على ضبط المعارضين، وقد تخلل التهدئة أيضا 3 حروب كان هدفها تحسين قواعد اللعبة، غير ان اللاتكافؤ الحاد في القوة ولجوء اسرائيل الى تدمير البنية التحتية في قطاع غزة، وضع "حماس" في شروط أصعب بعد كل حرب من الحروب الثلاث وبخاصة حرب العام الماضي 2014، حيث تؤكد خصائص قطبي الصراع ان فصائل المقاومة المحاصرة والمحدودة التسليح لا تستطيع فتح معركة مواجهة بالاسلوب التقليدي - قصف مقابل قصف وهجمات مقابل هجمات دون ان تخسر خسائر فادحة ومعها يخسر الشعب الذي تنطلق من مراكزه السكنية، خسائر افدح.
المعلن من الاتفاق له مدلولات سياسية بالغة الخطورة، ستنعكس سلبا على القضية الفلسطينية، فقد جاء الاتفاق في ذروة تطرف إسرائيلي يتنكر للحقوق الوطنية الفلسطينية، ويمعن في فرض حل الفصل العنصري (أبارتهايد) من طرف واحد، ويمضي في تهويد القدس وممارسة اشكال من التطهير العرقي فيها وفي 60% من اراضي الضفة الغربية، فضلا عن مضاعفة الاستيطان وتعميق الاحتلال، وجاء اتفاق "حماس" بعد 22 عاما من فشل واخفاق اتفاق أوسلو وبعد تبلور رأي عام سياسي وطني للخروج من مسار أوسلو الذي دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا خلال تلك الاعوام الطويلة، ولبناء خيار وطني بديل، بدأ بالاعتراف الدولي بفلسطين كعضو مراقب، وبدخولها في المؤسسات الدولية رسميا، وبتصاعد المقاومة الشعبية، وتزايد مقاطعة أصدقاء وحلفاء الشعب الفلسطيني لدولة الاحتلال التي تعيش حالة من العزلة.
لم يرشح اي بند من بنود الاتفاق لا على لسان قيادة حركة حماس ولا من قبل الوسطاء يتحدث عن وقف الاستيطان ووقف تهويد القدس ووضع حد لمصادرة الاراضي والافراج عن معتقلين، وكأن سلاح المقاومة منفصل ولا يرتبط بتلك الاهداف الوطنية للشعب، المقاومة تتوقف ويستمر الاستيطان والضم والتهويد والفصل العنصري واستباحة الارض والبشر. تلك مفارقة تتناقض مع وظيفة المقاومة والاهداف المعلنة.
المدلول السياسي الآخر والاخطر هو فصل قطاع غزة كميزان قوى سياسي ونضالي عن الاهداف الوطنية المشتركة للشعب الفلسطيني، وتفكيك تمثيل الشعب السياسي، وتحول مركز القرار الى اكثر من مركز قرار، علما أن عملية تفكيك الشعب الفلسطيني بين قطاع وضفة وداخل وخارج، احتلت مركز اهتمام اسرائيل التي عملت وما تزال تعمل بكل الوسائل لقطع الطريق على ممارسة الشعب الفلسطيني الموحد لحقه في تقرير مصيره، بما في ذلك إقامة دولته المستقلة.
إن تكريس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية يخدم بقوة سياسة الاحتلال الاسرائيلي في تفكيك مكونات الشعب الفلسطيني، ويبدو هنا جليا تغليب المصلحة الفئوية على المصلحة الوطنية العليا. بل يفسر استنكاف الاسلام السياسي التاريخي (الاخوان المسلمون وامتدادهم حركة حماس) عن قبول الشراكة والعمل الجبهوي مع الحركة الوطنية اثناء صعودها وثوريتها بما في ذلك اثناء الانتفاضة الاولى، وفي مراحل ضعفها وهبوطها.
كان للاسلام السياسي مشروعه الخاص في كل المراحل، وأصبح مشروعه الراهن إقامة الامارة الاسلامية في قطاع غزة بموافقة اسرائيلية ودول غربية، وبهذا الموقف تبقى حركة حماس مخلصة للعمل السياسي الموازي كبديل للاندماج في الحركة الوطنية واعتماد عقد وطني واجتماعي (ميثاق) يشكل ناظما للتبادل السلمي في مركز القرار (المنظمة والسلطة) وضامنا للحريات العامة وللديمقراطية داخل المجتمع وحيثما وجد الشعب الفلسطيني.
ستقول حركة حماس، إنها لم تتفاوض بشكل مباشر مع دولة الاحتلال، ولم تعترف بدولة إسرائيل، ولم تتنازل عن اي شبر من اراضي فلسطين التي ما زالت تعتبرها اراضي وقف إسلامي لا يجوز التنازل عنها او التصرف بها، ستقول انها مع تحرير كامل فلسطين ومع إزالة كامل إسرائيل.
كل هذا الكلام "صحيح" بالمنطق الشكلي الذي يستغفل العقول، ولكن من ناحية المضمون فإنها تُيسر لدولة الاحتلال أهدافها في تعميق الاحتلال واستقراره وفي افلات دولة الاحتلال من المساءلة الدولية إزاء استحقاق إنهاء، وفي تبرير كل تعاون سابق وآني ولاحق مع الاحتلال.
اتفاق حركة حماس من زاوية أخرى، هو شهادة موت الديمقراطية الفلسطينية على محدوديتها، فلا انتخابات مشتركة بين القطاع والضفة بعد اليوم، ولا معنى لتفويض الشعب الذي انتهى دوره بعد ان فوض "حماس" مرة واحدة كان ذلك يكفي وعظم الله أجر الديمقراطية..
المصدر: الايام

