Menu

هموم مثقف عربي

خالد اسماعيل

من أهم سمات المجتمع الرازح تحت أغلال الاستبداد، رفضه فكرة الكتابة الكاشفة ورفضه فكرة احترام العقل، لأن الكتابة الكاشفة هى في حد ذاتها إدانة لكل القوانين والعادات ومعتقدات القمع، الذي تمارسه الطبقات الحاكمة التي تتحدث عن "التنمية" و"الاستقرار" و"الحرية"، بينما المجالس التشريعية المعبرة عنها تعمل ضد هذه المسميات، وذلك من خلال المؤسسات الدينية والأمنية والإعلامية، فكل هذه المؤسسات تعمل ضد فكرة الحرية وضد الإنسان نفسه، وتسعى بكل خطبائها وضباطها وشيوخها ومذيعيها ومفكريها إلى ترسيخ "العلاقات الظالمة"، فهى تحول دون الإبداع الكاشف وتدفع إلى الصدارة الإبداع الزائف، الذي لا يجعل القارئ يفكر أو ينشغل بالمجتمع أو بقضية تغيير هذا الواقع التعيس.

إذن المبدع الذكر أو الرجل يشعر بـ"الاغتراب" في هذا المجتمع، وإذا حاول الفكاك من هذه الغربة تصدى له النقاد والشيوخ والضباط والقضاة، وما حدث مع الدكتور نصر حامد أبوزيد خير دليل على هذا، فالرجل ارتكب جريمة الإبداع وجريمة التساؤل، فكان جزاؤه الحكم بكفره!

أما المبدعة الأنثى فهى بحكم النوع محاطة بأسوار وعادات وفتاوى، ومن المؤلم أن الدين الذي يجري الترويج له هو الذي أنتجه فقهاء القرون الثلاثة التالية لظهور الإسلام، وهذا الفقه لا يرى في الأنثى غير أنها "ناقصة عقل ودين". فمن أين تأتي الحرية أو يأتي التقدم والطبقة الحاكمة تتحالف مع دعاة الفكر السلفي وتفسح لهم المجال في الإعلام والثقافة والاقتصاد، وإن كانت - ظاهريا- تعلن عداءها السياسي لهم.

الحال في مصر هكذا: فساد يتحالف مع أعدائنا التاريخيين "إسرائيل وأميركا"، ويحكم الواقع من خلال مؤسسات الدين والأمن والإعلام، بما يستهدف عرقلة الإبداع وتحريم التساؤل وتضليل الناس وشغلهم بقضايا من نوعية "الحرام والحلال والحجاب والنقاب ورضاع الكبير"، وعلى المستوى الثقافي فساد يدجن المبدعين، ويستغل فقرهم المادي ليصنع منهم "دواجن" تقرقر في حظيرة تحدث عنها وزير الثقافة في عهد مبارك فاروق حسني، فقال مباهيا، مفاخرا: "أنا الوزير الوحيد الذي استطاع إدخال المثقفين حظيرة وزارة الثقافة".

لماذا يحاربون الإبداع الأدبي الواقعي النقدي؟

في عصر ستالين بالاتحاد السوفييتي ظهر نوع من الأدب الدعائي بأوامر الحزب الشيوعي الحاكم، وأدى هذا النوع إلى إهانة الأدب، ونزوله من مكانته المحترمة إلى المكانة المنحطة، فالأدب هو في حد ذاته ثورة، لكنه في ذلك الزمن الستاليني تحول إلى أداة دعائية، ولم يتوقف الأدباء عند تلك المحطة وواصلوا إبداع الأعمال الكبرى، وظهر في العالم أدباء كبار يصنعون الثورة ضد الظلم، دون أن "يخطبوا أو يهتفوا"، وعرفنا في مصر: نجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف إدريس ويحيى الطاهر عبد الله، كلهم كتبوا فكشفوا القوانين والأدوات التي تحول دون تحقيق حلم العدل الاجتماعي والحرية، وترتبت أجيال على كتاباتهم الممتعة، الجميلة.

ثم كانت العولمة، التي جاءت تبشر بزمن الهيمنة الأمريكية مصحوبة بالحروب الدينية، تلك الحروب التي قامت في الأصل من أجل سيطرة الرأسماليين على ثروات الفقراء في العالم كله، وما حدث في العراق كان من نوعية هذه الحروب، وكان البرنامج الدعائي الذي ظهر لتغطية هذه الحرب الاستعمارية يقوم على أساطير مستمدة من "التوراة"، لها علاقة بفكرة "هيكل سليمان" والانتقام من "السبي البابلي"، الذي تعرض له اليهود من آلاف السنين!

وفي العولمة وزمنها الاستعماري، جرى الترويج لآداب تدعو إلى 1- الفردانية والشخصانية والأنانية. 2- التقسيم العرقي للمجتمعات. 3- الدعوة للكلام عن "الختان" والمثلية، على اعتبار أن هذين الموضوعين يمهدان للحرية على النمط الغربي. ووجدت أجندة صريحة الأهداف تشجع كل من يكتب وِفقَها، وسُخرت الجوائز المحلية والعالمية وأقلام النقاد والصحف الثقافية لهذه الأغراض التي تخدم الاستعمار والعولمة.

وفي الوقت نفسه شُنَّت الحروب ضد كل أديب يتحدث عن 1- هموم الطبقات الشعبية. 2- الثقافة الوطنية المعادية للاستعمار والعولمة. 3- الإيمان بالترابط بين التوزيع العادل للثروة وقضية الحرية.

العداء للمقولات الكبرى

طوال سنوات التسعينيات والسنوات التالية كان "فوكوياما"، أحد موظفي الأفكار في المخابرات الأمريكية يردد عبارة "نهاية التاريخ"، ومعناها أن العالم لن يصل إلى تحقيق حلم العدالة الاجتماعية والاشتراكية، وأن الواقع الراهن الذي تتحكم في صياغته قوى الرأسمالية هو واقع مؤبد وأنه "نهاية للتاريخ"، ثم وقعت الأزمة المالية العالمية وبالتزامن مع افتضاح أمر "المسيحية الصهيونية"، تراجع فوكوياما وغيره من مروجي الدعاية عن تلك المقولات، وانحسرت الأموال التي كانت مخصصة للترويج لأفكار العولمة، وأفاقت مصر من مخّدر روّج له فريق من المثقفين يقول بـ"سقوط المقولات الكبرى والقضايا الكبرى" ويحاول تكريس "كتابة الجسد"، وجرى تلميع عدد من ناشئة الكُتّاب لهذا الغرض، كل ما فعله هؤلاء أنهم كتبوا روايات فقيرة جماليا تردد هذه التصورات التي تدعو الأديب إلى الانخلاع من الواقع، وعدم الاهتمام بقضية الثورة على الوضع الراهن، وبعد سنوات من التضليل والتزييف انحسرت الموجة وانتهى هذا الزيف الذي خيَّم على الثقافة المصرية، والذي كان يعمل تحت رعاية ثلاث جهات 1- وزارة الثقافة "المجلس الأعلى للثقافة". 2- الجامعة الأمريكية في القاهرة. 3- أكاديميو جابر عصفور.

أما الجهة الأولى، فتحت يدها جوائز "التشجيعية، التقديرية، التفوق.. وغيرها"، وأموال التفرغ وسلسلة الكتاب الأول ومطبوعات التفرغ والمؤتمرات الثقافية. والجهة الثانية تحت يدها "جائزة نجيب محفوظ" وترجمة الرواية الفائزة إلى اللغة الإنجليزية، والجهة الثالثة، ليست جهة بقدر ما هى "تنظيم" موزع على كل الجهات الثقافية والجامعات والصحف والمراكز الثقافية الأجنبية، وهؤلاء هم الذين يتولون الترويج للأفكار المزيفة الداعية إلى عزل المبدع عن القضايا الكبرى، التي هى الحرية، الديمقراطية، العدل الاجتماعي، الوطن المستقل، ليكون مبدعا في "غرفة ذاته" الضيقة، دون أن يظهر على إبداعه أي وعي سياسي أو إدراك للتواصل بين ما يحدث في المجتمع وبين ما يعيشه باعتباره فردا مطحونا يعيش تحت قهر الطبقة الحاكمة، وهذا الفريق شجع المبدعين على الجهل وحرضهم على الانغلاق الذاتي.

آلام المبدع الفَذّ

المبدع عندي هو المبدع الفَذّ، الذي يكتب أو يرسم أو يبدع أي من ألوان الفن، والفذ معنى يفوق الوسطية والجودة، فالوسطية عذاب يصيب المتوسطين، والجودة نوع من العادية، المبدع الفَذّ عبقري بالطبع، والمتوسط حاقد والجيد باهت، ولا أعرف غير المبدع على مثال نجيب محفوظ في الرواية ويوسف إدريس في القصة، وهكذا، وهذا لا يعني تقديس "الأصنام" فهناك أفذاذ آخرون من أجيال تالية لجيل الرواد، لكنهم غير مدعومين من حزب أو هيئة أو جماعة تملك المال والإعلام.

والمبدع بهذا المعنى يعيش الألم مضاعفا، فلأنه يعرف أكثر فهو يتألم أكثر، ومن الممكن أن يصل به الإحساس إلى الجنون، لكن الإبداع هو "الجنون المنظم" حسب قول د. يحيى الرخاوي، أستاذ الطب النفسي المصري الشهير.

بهذا الفهم لمعنى المبدع والإبداع، يكون كل كاتب معرضا للفشل العاطفى كمثال، لأن الخيال يجعل مقايسه أعلى من المتاح، فالحب عند المبدع حالة حياة وعند غيره وظيفة أو تمهيد لوظيفة. إن الحب وظيفة عند الزوج العادي وكذلك الزوجة العادية وهو في هذه الحالة لا يسمى حبا إنما يكون "إخلاصا لعقد الزوجية"، وهذا مبدأ محترم، لكن يبقى الإبداع هو الحالة التي نقول بها ما لا نستطيع قوله في الحياة العادية للأشخاص العاديين الذين نتعامل معهم.

الإبداع ملجأ المبدع لتحقيق التوازن النفسي، والقدرة على مواصلة الحياة في ظل مجتمع يحترم الطاعة ويكره التمرد، يحب الطالب المثالي والأم المثالية والموظف المثالي، والمثالية هنا تعني الطاعة والخضوع للقانون السائد.

يستطيع المبدع أن يقول بالإبداع ما لا يستطيع ممارسته في الحياة، لكنه مطالب في جميع الأحوال بأن يعيش ازدواجية، فهو يعيش حياة المواطن العادي لكنه مع أوراقه وأقلامه وكتبه يمارس إنسانيته، وهذا هو حال المبدع في المجتمع الذي يهوى هتك ستر الآخرين المتمردين وقطع الطريق على كل من يحاول أن يدين منظومة القمع السائد.

المبدع والحرب المستمرة!

في ظل الفساد والقمع والزيف الفكري يكون المبدع الحقيقي المنحاز إلى طبقته وثقافته الوطنية وحلم أهله وناسه بالحرية والعدل في حالة حرب مستمرة، والحرب هنا على أصعدة ثلاثة: 1- صعيد السياسة. 2- صعيد الاقتصاد. 3- صعيد الأفكار.

السياسة مقصود بها القمع المباشر الذي يتعرض له من قوى الإعلام والدين والأمن. والاقتصاد يعني التضييق عليه في الرزق وفرض فروض عليه تجعله يبيع وقته وقوة عمله ليحصل على الرغيف لأولاده. وصعيد الأفكار هو حرمانه من حق المعرفة وإطلاق قوى "النقد الأمني" أو طائفة "النقاد المباحث" العاملين بشكل مباشر مع "وزارة الأمن الثقافي" و"جامعات الأمن" و"صحف الأمن" لتدمير مشروعه الإبداعي، وهذا يفرض على المبدع أن يمتلك قدرات عالية على الإبداع تحت أقسى الظروف.

ومثال تلك الظروف، القصة الشهيرة عن الكاتب المصري الكبير محمد خليل قاسم، فقد كتب روايته العظيمة "الشمندورة" داخل المعتقل عندما كان سجينا في عهد عبد الناصر، بالطبع اختفى كل شيء وبقيت "الشمندورة".

نحن الآن في ظروف مختلفة، لكن التضييق والشائعات والفساد النقدي والتجويع والتجاهل، كلها أسلحة مستعملة، بل استجد سلاح آخر، وهو سلاح الإغراء بالمال أو بمعنى آخر "سلاح الجوائز"، فالأجندة التي تحدثت عنها في البداية تدعو كل مبدع ليقع تحت إغراءاتها، ومن بين هذه الإغراءات الجوائز الأدبية، خاصة صاحبة القيمة المالية الضخمة، وقد اعترف أحدهم -أحد نقاد المباحث- وقال ما معناه إن الجوائز لا تمنح للإبداع بل هناك "مواءمات وتوازنات"، وأظن أن هذا اعترافا مفضوحا يؤكد خبث نوايا هذا المعسكر المضاد للإبداع الحقيقي وما يضمره للثقافة العربية.