Menu

حول المأزق التاريخي العربي: بين كيان دخيل وجوار عسير

محمد صالح التومي - المعروفي

هناك موضوع حارق قسّم الصفوف وخلق  تناقضًا حادًا وعميقًا بين الناس وكٓمًّا هائلًا من السباب والشتائم بينهم، وبث الفرقة المؤلمة حتى داخل الصف الوطني التقدمي العربي المناهض مبدئًيا للإمبريالية وللصهيونية والمنادي بالعدالة الاجتماعية، وهذا الموضوع هو ما سنطلق عليه اسم المأزق التاريخي الذي تعيشه الأمة العربية. ومن المفهوم هنا أن  أمة مَا  تكون موجودة في مأزق حين تختلط عليها السبل في لحظة تاريخية معينة، فتفقد التمييز بين يمينها وبين شمالها، وبين ما يوجد أمامها لتتقدم نحوه وبين ما أصبح خلفها، فمن واجبها عدم الانكفاء عليه؛ لأن تيار الزمن الجارف يحتَم عليها أن تجد منفذًا سالكًا يخرجها من ظلمات جمودها نحو أنوار مستقبلها.

وتخصيصًا للحديث عن الأمة العربية تتوجب علينا الإشارة إلى أنها منذ الصدمة مع الاستعمار الأوروبي التي تلقَتها مع حملة نابليون بونابرت على مصر والشام ( 1798. 1801 )،  ومحاولة نهوضها بعد ذلك لم تتمكن ـ لأسباب داخلية وخارجية متشابكة ـ لا خلال تجربة محمد علي باشا (1804ـ1849) ولا خلال تجربة  جمال عبد الناصر(1952ـ1970) ولا خلال تجربة صدام حسين (1979ـ2003 ) من بناء قوة مستقرة أمام الزمن، تنحت لها مقامها الواضح  بين الأمم، كما فعلت شعوب  قديمة مثلها؛ هي شعوب الهند والصين واليابان وكوريا، وهي أمم  تعرضت إلى نفس  الصدمة مع اختلاف الشكل طبعًا، ولكنها خرجت منها وحسب مخرجات ميزان القوى بينها وبين أعدائها، أشد عزمًا وأصلب بنيانًا، ووجدت بمختلف السبل أي سبل المظاهرة، وهي سياسة الضعف المؤقت (اليابان مثالًا)، أو المغالبة، وهي سياسة القوة (الصين مثالًا)، طريقها نحو ترميم ذاتها أو إعادة بنائها كونها لها خطة استراتيجية تهدف إلى ذلك.

وهكذا فإن الأمة العربية المجزأة أصلًا بفعل اتفاقية سايكس ـ بيكو (1916)، هي اليوم قومية مستضعفة ومهددة، بما يتجاوز التجزئة بموجب مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يرمي إلى تفتيت كياناتها وكنتنتها بواسطة الفتن والنعرات الطائفية والمذهبية والأثنية والدينية، ومن ثم استباحة ما تزخر به أراضيها من خيرات وجعلها على الدوام خاضعة لإرادة القوى الإمبريالية العاتية في هذا الكون؛ فهي إذن في أسوأ أحوالها.

تتموقع  هذه الأمة العربية جغرافيا بين قارتين هما آسيا وإفريقيا، فهي جزء هام من هاتين القارتين، بل إنها في موقع استراتيجي تكثر به مضائق البحار وممراتها وتكتنز أرضها الخصب والثروات الطبيعية، وتوجد في تماس مع سكان القارة الأوروبية بكل دولها، وتكاد تتصل حدودها بأراضي الأمة الروسية، ولكن يوجد في جوارها المباشر والدائم الإيرانيون والأتراك وأهل الحبشة والأكراد، وهذه معطيات جغرافية وتاريخية لا يمكن تغييرها، بل يقتضي الواجب معرفتها بدقة و حسن التعامل معها. إنه من واجب الإنسان عندما يكون ساكنًا بمنزل أن يعرف كيف يتعامل مع أجواره وأن يجد الأرضية المناسبة لذلك، وإلّا أن يغير مُقامه. ولكن الشعوب لا يمكنها تغيير مقامها، فلا يجب عليها بناء علاقاتها مع أجوارها على أرضية العداء، بل أن تسعى إلى إيجاد أرضية صلبة يكتنفها الاحترام المتبادل، وذلك بكل الطرق المشروعة التي لا تستبعد الذود عن الحمى وكف الأذى عند الضرورة، دون أن تجعل من سياسة تبادل العنف قاعدة لهذه العلاقات، فمثل هذا التمشي العنيف يضر بالأطراف المتجاورين ويجيز للطامعين فيهم تأليبهم ضد بعضهم البعض تحقيقًا للمصالح ، بل إنه شوهد أن هؤلاء الطامعين لا يرتاح بالهم -تحقيقًا لأغراضهم- إلا ببث أسباب التطاحن بين كل البلدان المتجاورة تقريبًا، وبخلق كل أسباب انعدام التفاهم بينها.

وإنه بالتمعن في أوضاع الوطن العربي على ضوء كل هذه المعطيات وجدتني سنة 1994 أحاول مشاركة من اهتموا  بأحواله فكريًا، فكتبت آنذاك فصولًا نشرت بعضها تباعًا مجلة "حقائق" التونسية قبل أن يعلمني أحد المسؤولين عن تلك المجلة بالتوقف عن نشر ما بقي منها، لعدم رضى حكام بلدي آنذاك عن الفصول التي أمكنها أن ترى النور، فاجتهدت  في تجميع المحتويات كلها في كتاب أصدرته في أيار/ماي 2010  على نفقتي ونفقة بعض رفاقي تحت عنوان "أمة لن تموت... من أجل نفس نهضوي عربي جديد عقلاني ومقاوم".

كان من ضمن الفصول المنشورة  بالمجلة المذكورة فصل بعنوان "عروبة وإسلام"  أثار بعض الجدل في محيطي المباشر آنذاك، لأسباب عدة من ضمنها أنه كتب قبل صعود رجب طيب أردوغان وحزبه المتأسلم سنة 2000 إلى سدة الحكم بتركيا، كما في لحظة ما زالت فيه إيران تضمد جراحها بعد هزيمتها المرة في الحرب التي فرضت عليها وعلى العراق بفعل مناورات أطلسية خبيثة، تمت بتمويل خليجي رجعي، تحت عنوان ما أسمته البلدان الامبريالية في كتابات منظريها ومراكز دراساتها "الاحتواء المزدوج لإيران والعراق"... وقد كانت تلك الحرب  تمهيدًا في استراتيجيتهم  لما سيتعرض إليه العراق من عدوان آثم  وحصار إجرامي، ثم احتلال مباشر وتدمير للعمران وللآثار وتقتيل ببرودة دم للساكنة بمئات الآلاف وخاصة لنواة العلماء التي أمكن للعراق تكوينها في جميع ميادين المعرفة، هذا فضلًا عن أساليب التنكيل ومحاولات الإذلال، مثلما شاهد ذلك العالم كله في الصور المسربة من سجن أبي غريب.

جاء فيما كتبنه سنة 1994 والحديث موجه إلى فعاليات النضال الوطني العربي ما يلي : "ما لم نستطع قراءة الحاضر قراءة سليمة وصحيحة -مهما استعنا لفهمه وبصورة مشروعة بعبر الماضي- فإن دفاعنا عن أنفسنا سوف لن يرقى إلى صد ما نتعرض إليه من هجمات، كما إن تحالفاتنا التي نبنيها في خيالنا وأوهامنا سوف لن نجدها مرسومة في راهن أحوالنا؛ وفي هذا النطاق فإن عودة احتمالية لتركية من مغامرتها الغربية إلى الخلفية الشرقية لواقعها الجغرافي ثم الثقافي وانتهاجها لسياسات تعتمد الإسلام كعنصر للاحتجاج على هزال نتائج مغامرتها الغربية، أو لاستقطاب تحالفات جديدة سوف لن تكون نتيجته بالضرورة إخماد النزعات الطورانية والأناضولية والعثمانية لنخبها الحاكمة... بل إنه بإمكان هذه النزعات أن تأخذ حينئذ أشكالًا أخرى تحقيقًا للأهداف الكبرى للقومية التركية، وكذلك فقل عن القومية الإيرانية التي يمكن لحركة التحرر العربية أو لأجزائها أن تحاول الاستفادة من تناقضاتها مع المراكز الإمبريالية الغربية، ولكن ذلك لا يجب أن ينسينا كُمُون النزعات الساسانية والفارسية والشعوبية والصفوية لدى بعض نخبها الحاكمة، وهي نزعات يمكنها أن تحاول تجسيد ذاتها بهذا الشكل أو الآخر، أو ربما حاولت افتكاك مواقع القيادة وطمحت إلى أن تصبح سياسة رسمية لهذه القومية في مراحل لاحقة؛
"إن العرب ينتمون اليوم فعليًا إلى مجموع الأمم والقوميات والشعوب المضطهدة من قبل الإمبريالية والصهيونية، فهنا يجب أن تقع تحالفاتهم الجديدة من أجل تحررهم في نطاق تحرر الإنسانية المضطهدة قاطبة".

تتأطر هذه الكلمات القديمة اليوم تمامًا داخل ما يتعرض إليه الوطن العربي -بعد إسقاط ما بقي من الاتحاد السوفياتي وانتصار العولمة- من هجمات ومؤامرات واختراقات أدت إلى تدمير العراق، وإلى تصنيع الإرهابيين من داخل أبنائه بالمختبرات وتسليطهم على مقدرات الدول غير الخاضعة لسياسات الاستعمار، وإلى إحياء الفتنة الشيعية - السنية القديمة بسهولة بأرجائه (وهي فتنة مفتعلة )، وإلى تدمير سورية، وإلى خلق ظروف الحرب الأهلية باليمن والعدوان الفظيع عليه، وإلى محاولة السيطرة على موارد الماء ببناء السدود على منابع النيل ودجلة والفرات من قبل الأتراك والأحباش بدفع وتحريض من الكيان الصهيوني، وإلى محاولة إلغاء مؤسسة الدولة أو إضعافها، ولنا فيما وقع بالصومال فعليًا، وما حاولوا القيام به بعد ذلك بسورية دون نجاح، خير أمثلة على هذا الأمر الأخير. ونحن لا ننسى هنا ما تتعرض إليه الجزائر من محاولات متكررة لزعزعة استقرارها مما يدخل في هذا الباب بالضبط.       
إن الهجمة عنيفة حقًا ومتعددة الجبهات عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا إلى حد أننا أضعنا البوصلة كقومية مستقلة، وانقسمنا بين خاضع لمخططات الأعداء، وبين  مستنجد بالجار التركي أو بالجار الإيراني... بل لقد ذهب البعض إلى حد النداء بتسليم مشعل القيادة إلى العائلة السعودية الحاكمة لأقدار نَجْد والحجاز أو للعائلات الحاكمة ب قطر وبالإمارات، وقد خفي على هذا البعض أن العائلات الحاكمة للخليج العربي ترتبط مصالحها بأعداء الأمة من إمبرياليين وصهاينة، وأنها، أي تلك العائلات، إنما تتناقض بينها فقط، بحسب ارتهانها في مواقفها لصراع اللوبيات المسيّرة للشركات متعددة الجنسيات التي قد تتضارب مصالحها في بعض الأحيان هي الأخرى. فهي، أي هذه العائلات جزءًا من الثالوث المقيت الذي ما انفك يمنع الإنسان العربي من النهوض والتحرر والمتكون منها ومن الامبريالية والصهيونية.

ومن الواضح هنا، أن ما يدفع  إلى التخبط  إنما هو غياب القوة الوطنية/القومية القائدة والقادرة فعلًا - لا خطابة وحماسة فارغة  وكلامًا أجوفًا- على المقارعة، وهذه القوة كانت برزت بعض مظاهرها في القرن العشرين مع تجربة الضباط الأحرار بمصر ومع تجربة الحكم البعثي للعراق، رغم ما شاب التجربتين من هنات أهمها غياب البعد الديمقراطي، وهي الهنات التي أدت في تضافر مع العداء الخارجي إلى سقوط التجربتين عند النهاية وإلى سقوطنا جميعًا بعدهما في مستنقعات الضعف وانعدام المناعة، ولقد كان مؤملًا بعد ذلك أن تبرز بين الصفوف قوة وطنية عربية جديدة رسمية أو غير رسمية للقيام بمهمة المغالبة الحضارية، غير أن هذه القوة لم يتيسر لها أن تبرز شمولًا واتساعًا بالصفة المطلوبة؛ لأن القوة النسبية التي برزت هي قوة حزب الله بلبنان، وهي قوة غير رسمية، أمكن لها رغم ذلك بواسطة تجنيد الطائفة الشيعية بلبنان، أن تحرر من خلال ملحمة بطولية جنوب هذا البلد، ثم – ومهما كان ذلك بمساعدة  نظامي سوريا وإيران المرتبطين بحلف استراتيجي ببعضهما البعض - أن تواجه بتماسك نسبي العدوان الغاشم للصهاينة  على لبنان سنة 2006؛ وهذان مكسبان لا يمكن التقليل من شأنهما لأنهما مكسبان كبيران بجميع المقاييس تاريخيًا.

فهكذا نصل وبعد نجاح هذه التجربة في المقاومة إلى ما يقع منذ انفجار الانتفاضات العربية انطلاقًا من تونس سنة 2010، من اختراق للطابع العفوي وغير المنظم لهذه الانتفاضات لتوظيفها إمبرياليًا وصهيونيًا، ولقد دمر هذا الاختراق في بدايته القطر الليبي وألحقه اقتتالًا أهليًا وتقسيمًا وتغييبًا للدولة الجامعة... بما كان وقع بالمختبر الصومالي، وبما وقع ب السودان عندما تم تقسيمه، أو بالعراق  عندما وقع تدمير عمرانه وإجهاض تجربته التنموية الواعدة، ثم مد هذا الاختراق أياديه الأخطبوطية ليركب حراك الشعب السوري المشروع في بداياته ليحوله من نشدان لدرجة من الحرية والعدالة إلى ضرب كاملٍ لمقومات الدولة القائمة، بواسطة إشعال حرب كونية على ثرى الأرض التي يعيش فوقها هذا الشعب الشامي العريق، وذلك بغاية تدمير العمران والآثار ومحاولة التفتيت بواسطة عصابات الإرهاب المدججة بالمال الوفير وبالسلاح المتطور معروفي المصادر والملتحفة - أي العصابات - بقراءة رجعية للإسلام؛ تجيز الإجرام الفظيع والنخاسة واستعباد النساء وإذلال أصحاب الديانات الأخرى، ومن ثمّة محاولة تحويل سوريا إلى إمارات ودويلات تأتمر بتعليمات الكيان الصهيوني وتنفذ أجندات الشرق الأوسط الجديد الصهيوـ أمريكية؛ الهادفة إلى الكنتنة وفرض يهودية دولة الكيان الصهيوني وسيطرتها على الجوار، وهي التي هدفت منذ نشأتها على يد دافيد بن غوريون إلى خلق محيط ضعيف حولها أو "محيط نظيف" حسب العبارة التي استعملها هذا الصهيوني وتركها وصية لمن يخلفه.

ولكن كل هذا أدى في نطاق ردة الفعل هذه المرة  إلى خلق محور للتصدي  يشمل دولتي إيران وسوريا وحزب الله بلبنان والحشد الشعبي وحزب الله  بالعراق وأنصار الله من الحوثيين باليمن، بل إنه توسع ليضم بعض فصائل المقاومة الفلسطينية مثل "الجهاد" و"حماس" وهما  فصيلان من المذهب السني ولا يمتان للفكر الشيعي بأية علاقة، وهذه نقطة تطور لافتة للاهتمام والحق يقال. ووقوفًا هنا، عند  طغيان الطابع الشيعي على المقاومات رغم ما ذكرنا من اندراج "حماس"  و "الجهاد" السنيتين، وربما غيرهما من الفصائل الفلسطينية الأخرى في نطاق هذا الاندراج... فنحن نريد أن نعبر عن إيماننا العميق بأن الأرض والإنسان والتاريخ هي عند النهاية وحدها العوامل التي تحكم  تطور الظواهر السياسية طال الزمن أم قصر، ما يجعل بروز المقاومة اللبنانية بالخصوص ولو بالصفة التى أتاحها الزمن، ثم استنساخها في العراق واليمن ذخرًا استراتيجيًا؛ لأنه  يمكن التحاور معها حول هذا الجانب التكتيكي أو الآخر كونها في نهاية المطاف محكومة بطابعها العربي وبانتمائها إلى الأرض وإلى التاريخ، وهو التحاور الذي سيقع حتمًا، بل إننا شهدنا في تطورات الأحداث في أواخر 2019 بلبنان وبالعراق بوادره، مهما كانت هذه التطورات جنينية أو مشوهة في بعض الأحيان .

وهكذا وفي غياب القوة العربية القادرة بذاتها على المغالبة حضاريًا، فإنه لا بد من الفرز وسط ركام التناقضات بين ما هو رئيسي وما هو ثانوي، فهذا ما يؤدي إلى مناصرة المقاومات رغم تمنياتنا المشروعة لها بضرورة تجاوز طابعها الطائفي، كما يؤدي إلى الدفاع عن بقاء مؤسسة الجيش العربي السوري ومؤسسة الدولة السورية؛ گون الدولة كظاهرة تاريخية هي الحد الأدنى الجامع للشعوب الذي بداخله يقع الصراع من أجل تغيير الأوضاع لفائدة هذا الطرف الاجتماعي أو الآخر، وكونها المجال الذي ترتسم بداخله المكتسبات والتوازنات بين هذه الأطراف حسب مجريات الصراع، والتي بدونها -أي مؤسسة الدولة- تنحدر المجموعات البشرية إلى ما تحت الدولة أي إلى الروابط الإثنية والطائفية والعروشية والقبلية وغيرها، ما يجعلها نهبًا مشاعًا لأطماع الخصوم والأعداء. فإن محافظة الجيش السوري كمؤسسة على وحدته وعلى سلاحه لا بد من اعتبارها من المآثر التاريخية التي لا يجب الاستهانة بها؛ كونها قد تبشر بعد فشل تجارب محمد علي باشا وجمال عبد الناصر وصدام حسين بإمكانية بروز نواة جديدة للدولة والأمة العربية الممنوعة إمبرياليًا وصهيونيًا وبقوة من البروز، والواجب العمل على بروزها.

ولئن تمت هذه المأثرة السورية بمساعدة الجار الإيراني وبتدخل من السلاح الروسي - مع ما لكل من الدولتين من مصالح وأجندات خاصة غير خافية مثلما تبين ذلك مثلًا من الموقف السلبي لإيران عند الاحتلال الأمريكي للعراق - فإن ذلك مما يمكن نقاشه مع قوى التحرر بهذين البلدين أو التصدي له بصورة مشروعة وبكل الطرق إذا ما برزت أية توجهات هيمنية فعلية أو حاولت تجسيم ذاتها، وكذلك فقل عن وجوب التصدي - بعد المحافظة على كيان الدولة ضد مؤامرات تفتيتها -  إلى نقائص "الحكم" السوري في خصوص ما يتعلق بغياب جوانب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. هذا هو في اعتقادنا التفريق بين ما هو رئيسي وما هو ثانوي في غمار لحظة تاريخية بعينها؛ فالتناقض الرئيسي اليوم هو مع الإمبريالية الأطلسية ومع الصهيونية ومع بيادقهما الموجودة في سلطات الدول الرجعية العربية مهما تناقضت بينها، كما مع السياسات الموجودة في طيات الطبقة الحاكمة للجارة التركية، وهي السياسات الحالمة بإعادة ما تعتبره ماضيها العثماني، ذلك الماضي الذي كان وبالًا على تطور القومية العربية نحو أفضل أحوالها. أما التناقض الثانوي فهو مع أجندات الجار الإيراني ومع طموحات الدولة الروسية -إذا برزت- وكلاهما في اللحظة الراهنة، ومن أجل نفسه بالأساس لا من أجلنا ودفاعًا عن مؤسسة الدولةـ الأمة المستهدفة والمهددة بالملاشاة عولميًا مثلها مثل مؤسسة الدولة، معنية بمقارعة العدو الرئيسي الإمبريالي/ الصهيوني الطامح إلى تأبيد الأحادية القطبية، وإلى تمكين الطغم المالية العالمية في ذلك النطاق من استعباد كل الإنسانية، وذلك ما يفسر اللقاء على أيامنا بين روسيا وإيران وبين الأمتين الصينية  والهندية، وذلك أيضًا ما يخلق مساحة لالتقاء المصالح بين هذه القوميات جميعها، وبين أجزاء القومية العربية المستضعفة، وهو لقاء مطلوب في ظل هذه الظروف في انتظار التطورات اللاحقة التي ستتحدد وفقًا لها أشكال الإلتقاء ودرجاته ومضامينه.

ويبقى الأهم  بعد هذا كله هو العمل الدائم والدؤوب من أجل إبراز قوة ذاتية عربية رسمية أو غير رسمية، قادرة على إكسابنا مقومات المناعة، كما على تمكيننا من مصافحة كل الشعوب بندية، وهي مهمة على درجة كبرى من العسر والتعقيد... ولكنها مهمة واجبة التنفيذ.