يأتي هذه المقالة تتمة للمقالة التي سبق نشرها تحت ذات العنوان في العدد السابق من مجلة الهدف، من باب استيفاء الفكرة والهدف من خلالها؛ ففي كتابِهِ "مُقَدّمات لِدِراسَة المُجتَمع العَربي" يَتَحَدَّث هِشام شرابي عَن التَغيير وأدواتِهِ ومن أينَ يُمكن أن يَأتي: "إنَّ أي تَغيير فِعلي في مُجتَمَع ما لا يُمكِنَهُ أن يَنبَثِق إلّا من صَميم ذلكَ المُجتَمَع، فَالتَحَرُّر الصَحيح لا يُمكن أن يَحدُث إلا من خلال عَمَلِيّة تَحصَل من قَلب المُجتَمَع، أي أنَّ المعرِفَة السليمَة لذلك المُجتَمَع لا بُدّ وَأن تَصدُر عَن ذلك المُجتَمع نفسه". هذا المَنطِق يَنطَبِق على أي مُجتَمَع غارِق في التَخَلُّف وَالفَساد وفي سَعيِهِ للنهوض، لا يُمكن لَهُ فعلَ ذلك من دون ثَورة داخِلية، وفِعل مُجتَمعي جَمعي واعٍ وَثَوري يَقود إلى عَمَلِيّة التَغيير المَنشودَة، وهنا نَسأل أنفُسِنا: كيفَ الحال في ظل وجود استعمار يُساهِم في التَخَلُّف والفَساد عَبرَ سياساتِهِ ومن خِلال أدواتِهِ من أبناء هذا المُجتَمَع بِذاتِهِ، يُساهِم في نَشر الجَريمَة عبرَ أساليب مُختَلفَة؛ هُدنَة مع مُنظمات الإجرام وَغض الطَرف عن عَناصِرها ما دامَت لا تَقتَرب منَ "المُرَبَّع الأمني"، يُصادِر الأرض وَيَخنُق الناس (وَيُدعى رَأس هَرَم هذه السياسَة الاستعمارية في الجَليل على سَبيل المِثال وهو رئيس ما يُسَمى "مجلس مسجاف الإقليمي" لِيُلقي كَلمَة في مُظاهرَة ضد العُنف من قِبل رؤساء سُلطات محلية عربية)، استعمار يَقمَع الحُرّيات الجَماعية والفَردية؟
منَ المُؤَكَّد بأنَّ التَغيير يَجب أن يَبدَأ من الوَعي لِلأزمَة، وَليسَ القَول بأنَّنا نُعاني من أزمَة، وفي حالَتنا؛ أزمَة وآفَة العُنف والجَريمَة، وإنَّما أن نُدرِك ليسَ فقط أبعادها وإنَّما دَوافِعها ومَشارِبها وموارِدها وَخلفياتها التاريخية وما هي السُبُل لِمواجَهتها وأدواتها، لا أن نَتَصالَح مع الجِدار الحامي لهذه الأزمَة بِعقلِيَّة المُستَعمَر (بِفَتح الميم) الخاضِع لِهيمَنة ثَقافَة المُستَعمِر (بِكَسر الميم)، وهذا قَد يَكون بِدايَة لرؤية قَد تَدفَع باتجاه التغيير أو على الأقَل تَحصين المُجتَمَع، فَالاستعمار هو فِعل عَنيف بلا شَك، يَهدِف إلى قَطع كل صِلَة للمُجتَمع الخاضِع لَهَ بالموروث التاريخي، الثقافي والحضاري والسياسي، وبالرؤى المُستَقبَليّة لَهُ خاصّة ما يَتَعَلَّق بالحُرّية والتحرير وحق تقرير المَصير، إلى الإخضاع الثَقافي والاقتصادي وبالتأكيد السِياسي، وفي خَضَمّ هذه العَملِيّة المُتبادَلَة: الاستعمار ونهجِهِ وَمَراميه الإرهابية والمُجتَمع المُستَعمَر وسيرورَتَهُ نحو التحرير، التحرير السياسي والنهوض المُجتَمعي، في خِضَم هذه العملية الصراعية التبادُلِية تَنمو هُناك فئات في صفوف الشَعب المُستَعمَر، تَعتاش على هذا الصِراع من عُملاء وأدوات للاستعمار والأخطر من هؤلاء هُم "نُخبَة" السياسَيين وَالمُثَقَّفين والأكاديميين، من الشَعب المُستَعمَر (بِفَتح الميم)، الذين يُذَوِّتون في سياساتِهم ونهجهم سياسَة المُستَعمِر (بِكَسر الميم)، وهؤلاء هُم من يُحاوِلون التَشكيك بأي فِعل ثَوري كِفاحي عَنيف ضِد الاستعمار على أساس أنَّهُ "رَدَّة فعل غير أخلاقيَة" على سياسَة الاستعمار، ويصِفون عَمليات المقاوَمة ضِدَّهُ ب"الإرهاب"، وَيدعون إلى مُجابَهة الاستعمار بِقبول الأمر الواقِع، وَيدعونَ إلى "ثَقافَة الحَياة"، ومن بُؤسِهم أنَّهُم لا يَدرون بأنَّ الثَوري الحَقيقي لا يَسعى إلى المَوت حتى لو كانَت كُل طُرُقِهِ مفروشَة بأسباب المَوت هذا؛ فَطريق الثَوريين هي طَريق الحَياة، حياة الكرامَة والحُرّية والفَخر لا الخنوع والبَحث عَن أسباب "إنسانية" تبريرية للِمُستَعمِر في عَملية تَصالُحيّة مَعَهُ، فَالمُستحيل لا يُمكن لَهُ أن يَغدو مُمكِنًا إلّا بإرادَة المُواجَهَة وَالسَير على درب إنتزاع الحَق، الحَق بالأرض والحَياة والحُرّية والأمن والأمان، الفَردي والجَماعي.
يَطرَح فرانز فانون (1925-1960) وهو طَبيب نَفسي، فَيلسوف وَمناضل أممي قاتَل إلى جانِب الثَورة الجزائِرية حتى وَفاتِه: يَطرح سؤالًا مُهمًا في الحديث عن القَواسِم المُشتَركَة بينَ الثَقافَة الوَطنية وَالكفاح من أجل التَحرُّر، وهوَ: "ما العَلاقات القائِمة بينَ الكفاح أو الصِراع السِياسي، سواء أكانَ مُسَلَّحًا أو غيرَ ذلك، وَبينَ الثَقافَة؟ هل تُعاني الثَقافَة تَوقّفًا أثناءَ الصِراع؟ هل الصِراع القَومي مَظهر ثَقافي؟
رَد فانون على ذلك بأنَّ الكِفاح هو مَظهَر أساسي من مَظاهِر تَشكيل الثَقافَة القَومية، وَيقول إنَّ وَعي الذات ليسَ انغِلاقًا دونَ تَواصُل، بل هو ضَمانَة التَواصُل وَالنُضج والوَعي بِالحُرّيات.
من هُنا أرى أنَّهُ لا بُدّ في هذا السِياق أن نُشَدِّد أوَّلًا على ضَرورَة مُحارَبَة النَفسية الإنهزامية وَحالَة الخضوع الذاتي والعَجز المُسيطرَة بفعلِ الاستعمار في عَقليَة المُستَعمَر، هذه الحَرب لا بُدّ منها على المستوى الثَقافي المَفاهيمي تَحديدًا، إذ لا يُمكن أن تكون نتائج كِفاح الشعوب المُستَعمَرَة ايجابِيّة ما لَم يَتم تَصويب المَفاهيم على المستوى القَومي، التحالُفات مُعسكر الأعداء والأصدقاء، الرؤى المُستقبَلية ومفهوم التحَرُّر والاستعمار، فَعندَما تَرى فئة أو شريحَة مُجتَمعية ما بالاستعمار على أنَّهُ "تَحَرُّر" أو خطوة على طَريق "التَنوير"، فَحتمًا سَتَفقد المفاهيم من عوامل قوّتها في فعلها المُقاوِم المَنوط بِها وَهُنا تبرُز أهَمّية، لا بل وَمَركَزِيَّة "أن يَقوم المُستَعمَر (بِفَتح الميم) بِفعلِ القَضاء على ذاتِهِ المُستَعمَرَة (أيضًا بِفَتح الميم)".
وَفي حالَتنا هُنا ونَحنُ نَتَحَدَّث عن العُنف والجَريمَة المُنَظّمة في الداخل المُحتل من العام 1948، لا بُد من الذَهاب إلى إخضاع المَفاهيم والمُصطَلحات السياسية والثقافية تحتَ مجهر المُراجعَة والنَقد، على طريق التَخَلُّص من عُبودِيّة الفِكر السياسي السائِد والمُسَيّطِر، حتى ولو كانَت الظروف التاريخية تَختلف ولها ما لها وَعليها ما عَليها، بتفاصيلها وأشخاصها وقياداتها، لكنَّ العبرة لَم تؤخذ من الإيغال في الارتباط السياسي بالمؤسَّسة الصهيونية، ولا يُفيد هُنا تَجميل المُصطلحات أو تَدوير الحالَة بِمُسَمّيات مُختَلفة، "فالخُطوة الأولى للتَحرير تَكمُن في التَحرير الذاتي وبدايَة التَحرير تَكمُن في التَخَلص من عُبودية الفكر المُسَيطِر" (هشام شَرابي: مُقدّمات لِدِراسَة المُجتَمَع العَربي). هي دَعوَة للتحرير الذاتي من عِبء الماضي المُتصالِح مع الاستعمار، ودَعوة لِنَفض الغُبار عن خيوط المؤامَرة الخَفية التي تُحاك ضِد فكرة التَحرُّر القَومي عَبرَ مُحاكاة الشارع بالهَم اليَومي، والإتكاء على شِعارات تبدو "وطنية وثورية" هي شعارات واهيَة مُتماهِيَة مع المُستَعمِر وَمَشروعِهِ الاستعماري حتى النُخاع.
في الحِراك السياسي الوطني في الداخل الفلسطيني منذُ عِقدَين على الأقَل، تَجَلَّت بَوادِر مُتَقَدّمَة في الفِكاك من الوَعي المُشَوَّه، وإن كانَت بِذرَة الانتِفاض على الموروث الاستعماري قَد وجِدَت منذُ بِدايَة وجود الاستعمار الصَهيوني على أرض فلسطين، وبالتأكيد ورغمَ النكبة لَم تَنطَفئ جذوَة الكفاح للانعتاق والسير نحو التَحَرُّر رغمَ النكبة، وفي النصف الثاني من العقد الحالي وعلى مَدار الخَمسة أعوام الماضِيَة هُناك حَرب على فِكرة "الانفصال" القَومي إذا جازَ التَعبير، وهي بالأصَح فكرة التحرير والتَحَرُّر وفك الارتباط مع المُستَعمِر من خلال رَفض شَرط "المواطنَة" المَفروضَة قَسرًا والمُكتَسبَة بفعل البقاء في الوطن تحتَ ظل الاستعمار مع الحُقوق المَدَنية. هذا الشَرط يَطرَحَهُ عَلى المَلَأ "قيادات" أحزاب سياسية تَرتَكز على ماضٍ ليسَ لها بِهِ ناقَة ولا جَمل، حتى وإن اختَلفنا مع هذا الماضي، فنحنُ نُدرِك أنَّهُ أتى في سياق تاريخي مُختَلف، سياسيًا وأمنيًا ودوليًا، وباتَ عَلينا في مَعرَكَة التَحَرُّر أن نُجابه أبناء جِلدَتنا الذين ما زالوا غارقين بالذات المُستَعمَرَة (بِفَتح الميم) بِفعلِ تأثير الموروث الاستعماري والانغماس "بِنعيم" هذا الموروث.
ما زالَت الأسئِلَة التي طَرحتَها في نهاية المَقال السابِق تحتَ ذات العنوان مَفتوحَة على مِصراعَيها، نَذكُرها هُنا لِلتَذكير: فوضى مُستَشريَة باتَ في ظِلها الأمن الشَخصي هو المَطلوب المَفقود في مُجتَمَعِنا، فَما هي مُعادَلَة الصِراع هُنا؟ وَما هو دور الحَركَة الوَطنِية؟ كيفَ تَتَصَرَّف الأحزاب السِياسية العربية في علاقاتها التَبادُلِية مع المؤسّسة الصُهيونِية؟ فَأينَ المَلجَأ؟ وأينَ المَفَرّ؟ ومن هو الحامي؟ أسئِلَة عَديدَة سَنُحاوِل الإجابَة عليها في المَقال القادِم.

